الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 149 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع .

Share

تيمور بك :

أهدانى تيمور بك على عادته الكريمة كتابه الجديد ، وهو يتضمن ثلاث مسرحيات من فصل واحد هى : الصعلوك وأبو شوشة والموكب . وهى مكتوبة باللغة الدارجة المصرية . ولعلها أول كتاب أخرجه الكاتب بهذه اللغة ؟ وهو لا شك أول كتاب أقرأه بهذه اللغة . لذلك تهيبته أول الأمر واستبقيته لصبيحة طويلة تتسع للذى حسبته سيضيع من الوقت فى فك رموزها واستجلاء إملائها ؛ ولكنى فرغت من قراءته ، من قراءة الروايات الثلاث التى تضمنها ، فى دون الساعتين . ولو كان قرأها غيرى لفرغ منها فى ساعة فما دونها . عندئذ تبينت أن الإملاء غير المألوف الذى تكتب به الدارجة يهدئ من سرعة القارئ حقا . ولكنى تبينت إلى جانب هذا أن ألفة القارئ للتعبيرات تزيد من تلك السرعة حتى تعدل بهذه الزيادة بطء الإملاء وتفوته . وقد قالوا ، وحقا قالوا ، إن القارئ لا يقرأ اللغة حروفا ، وإنما يقرأها كلمات . وفى هذا الإملاء الدارج كنت أحسبنى أقرأها جملا .

وقد كنت قرأت لتيمور بك روايات أخرى وجدتها كلها خفيفة الروح ، حلوة المذاق ، يتحلب لها الريق ولا تتعسر بها معدة ، فهو يطبخها من أخف الأطعمة وزنا وأقلها كثافة وأيسرها هضما ، فاذا تناولتها جرت من قناتك مجرى الماء سهولة ، فلا تحس بها غير نفحة شهية طيبة فى الأنف ، ومذاق حلو خاطف على اللسان

وما إن فرغت من مسرحياته الثلاث هذه ، حتى

وقع فى نفسى أنها أشهى وأحلى ، وأن الزيادة فى هذا الاشتهاء وهذا الاحتلاء إنما كانت لعاميتها أيضا . ولا يسوءن قولى هذا أحدا .

بين الدارجة والفصحى :

إن اللغة العربية الفصحى لغة الأدب الرفيع ، ولغة المعانى السامية ؛ لغة التفصيل العميق إن أردنا تفصيلا ، ولغة الإجمال المعجز إن أردنا إجمالا ؛ لغة المرائى المفجعة والمدائح المبدعة ؛ لغة الحب الباكى والحب الضاحك على السواء ؛ لغة الهمة الشماء والعزة القعساء ؛ لغة ترفض الظلم وتأبى الضيم ، لغة تأبى العار وتجير الجار وتحمى الديار : لغة جمعت بين جلدتيها مجد الانسان وحكمة الزمان .

واللغة العامية لغة البيت ، ولغة المدرسة ، ولغة الأسواق ؛ وكفاها بهذا نعتا .

إن حياة المصرى ، بسبب اختلاف اللغتين ، حياتان متمايزتان . حياة تتصل بالكتب وما تتضمنه الكتب من علم وأدب وفن ، أعنى حياة تتصل بجانب العيش الأعقد ، وبجانبه الأسمى والأمجد ، وهذا الجانب وسيلتة اللغة الفصحى . وحياة تتصل بالمأكول والمشروب والملبوس ، وتتصل بالمعاملات فى الطرقات وغير الطرقات ، أعنى حياة تتصل بجانب العيش الأبسط ، بجانبه الأحط الأخفض ، وهذا الجانب وسيلته اللغة الدارجة .

وإن كانت اللغة الدارجة قد قصرت عن الفصحى فى سمو المجال الذى تعمل فيه ، والأغراض التى تعمل لها ، فقد فاتها فيما تستهلك من أوقات الناس وما تستغرق من عقول الناس . وإذا نحن اعتبرنا أعداد هؤلاء الناس ، رجحت العامية رجحانا مبينا ، وشالت الفصحى شولانا فاضحا . وإن كان الكيف خيرا من الكم ، فهذا لا يكون والكيف بالغ القلة ، والكم بالغ الكثرة . وإذا نحن اعتبرنا كيف الفصحى ، وكم الدارجة ، لقلنا إن لغة

المصريين التى تشكل حاضرهم ، وستبنى بزعمهم مستقبلهم هى اللغة الدارجة .

إن اللغة الفصحى لغة نحصلها بالتعليم ، والتعليم تطبع ؛ واللغة الدارجة لغة نحصلها بالنشأة ، فهى لغة الطبع ؛ لهذا كانت أكثر امتزاجا بدمائنا ، وأخف وقرا فى آذاننا ، وألطف مدخلا إلى قلوبنا وإذا أنا قلت قلوبنا فإنما أعنى قلوب هذه الأمة بملايينها الخمسة عشر ، لا تلك الآلاف التى اتخذت من الأدب صناعة ، أو من التأدب عادة . فالدارجة لها الأثر الأول لدى هذه الملايين ، ولها المكان الأول فى مزاجهم ، وللفصحى المكان الثانى . وأنا فى كل هذا إنما أصف ما هو كائن ، لا ما يجب أن يكون .

ومن وصف ما هو كائن أيضا أن اللغة العامية ، فى العقدين الماضيين ، أو فى الثلاثة الماضية ، خطت نحو الفصحى خطوات واسعة ضيقت البرزخ الذى بينهما تضيقا يذكر . فعابر الطريق منا يسمع اليوم من أطفال الشوارع ، ومن العمال والصناع حتى وبعض الزراع ، ألفاظا عربية ، واستشهادات أدبية ، لم يكن يسمعها فى الزمن الغابر . وسبب هذا لا شك انتشار التعليم لاسيما فى المدن . وسييزداد هذا البرزخ بانتشار التعليم ضيقا ، ولكن لن يقدر للعامية أن تقطع البرزخ كله وحدها ، فهى قد تقطع ربعة ، وهى قد تقطع ثلثه ، وعلى الفصحى أن تقترب من ناحيتها أيضا ، ربعا أو ثلثا . *

جماعة المتزمتين :

ولكن هذا لن يكون ما دام السلطان فى اللغة لجماعة المتزمتين ، لجماعة الأرزيزبين ؛ للفئة التى تقول هذا ورد فى كلام العرب وهذا لم يرد ؛ للفئة التى تمنع حتى المقيس من القياس إن لم يكن قد سمع فى كلام العرب ؛ للفئة التى تأبى على لغتنا الدارجة أن تنتسب فى أصولها إلى لغة العرب ،

وعلى ألسنتنا أن تكون شرائح مقدودة من لسان العرب ؛ للفئة التى تعيش فى الماضى وحده ، وتنعم بنعيم الماضى وحده ، وتتطاول إليه برءوسها ولا تبالى ما تنسمت هذه الرءوس نسائم الماضى رخية عاطرة أن تكون الأرجل فى وحل الحاضر وطيته . تلك الطائفة التى لا ترى اللغة إلا بيت شعر ينشد ، أو منطوق حكمة يتمثل بها ، وتنسى أن اللغة تجرى فى مرافق الناس جريان الدم فى أجسادهم ، وتشتجر وصوالح الحياة كاشتجار النحو ومذاهبه فى رءوس النحاة أو أشد اشتجارا .

بطء النهضة :

على أن القافلة تسير على رغم الأنواء والأعاصير ، فقد دخلت الفصحى ألفاظ لم تكن منها ، أو هى لم تكن كذلك فى حسبان الغلاة . ودخلتها تعبيرات ليس فيها الحوشية الكافية التى يأنس بها الغلاة ، ولا التجهم الكافى الذى تنبسط له أسارير الغلاة . وإن يكن جنى الغلاة شيئا فما ذلك إلا تقصير الخطى وتعكير السير على السائرين . نعم جنوا بطء النهضة التى بدأت والتى هى سائرة إلى غايتها المقدورة ؛ وقد كان هذا بطأ تتسع له الصدور لو أنه وقع فى زمان يبطئ وبين أحداث تمهل ، إذا لقلنا خلوا الأمور تجرى فى أعنتها ، ودعوا الطبيعة تتطبع على سجينها . ولكن الزمن جرى بالعالم فى القرون الثلاثة الماضية ثلاثمائة عام هى أشبه - بالأثر العظيم الذى أحدثته - أن تكون ألفا ؛ وجرى بمصر وأشباه مصر فى القرون الثلاثة الماضية ثلاثمائة عام هى أشبه - بالأثر القليل الذى أحدثته - أن تكون مائة فما دون المائة . فالبطء بعد هذا التباطؤ البالغ لا يكون تسكعا وتنطعا ، بل يكون إجراما ، لا فى دائرة اللغة وحدها ، بل فى كل دائرة من دوائر النهضة الحاضرة . إننا فى حال من التقهقر يشبه أن يكون يأسا . حال لا يتسع للهزل ولا يتسع للجهل ، ولا يتسع لتلك الأناة

التى يفرضها علينا المتحفظون . إن البيت الذى نعيش فيه ، وعشنا فيه تلك الأجيال الماضية الطويلة المجيدة ، بيت عميق الأساس عريض البناء واسع الأبهاء مديد الفناء جميل عتيق ، يأتلف وما اعتدناه فى الزمن العتيق من عادات وما تطلبناه حينذاك من حاجات ولكنا فى الزمن الحديث استبدلنا عادات بعادات ، وحاجات بحاجات وكل الذى نريده بهذا البيت إنما هو إبدال حائط بحائط ، وبهو ببهو ، وتوسيع هنا وتقصير هناك ، والبيت هو البيت ، والأساس هو الأساس فالذى يقاوم حتى هذا الاعتدال إنما يدعو النفوس إلى ثورة تذهب بالبيت من جداره ؛ ثورة تضيع معها حرمة الماضى ، وإعزاز الماضى ، وجمال الماضى ؛ فالماضى عزيز جميل ما استمد الناس منه الحياة ، وهو بشع قبيح ما استمد الناس منه الفقر والذل والفناء .

عى اللغويين :

إن اللغة العربية التى كانت تعيش فى الناس قبل ألف عام فما فوق الألف لا يمكن أن تعيش اليوم فى الناس كما هى بعد هذه القرون المترامية ودليلنا على هذا أنه ما من لغة فى الأرض عاشت هذا العمر الطويل دون قلب وتبديل . بهذا جرت سنة الله فى لغات الناس كما جرت سنته فى الناس والأشياء على السواء . والذى يغالب سنة الله لن يجد من نفسه عونا إذا فاته عون الله . ودليلنا فوق هذا أنه رغم المجهود الهائل الذى بذله المجتهدون فى تعليم اللغة فى هذا القرن الحاضر لا نكاد نجد من الرجال عشرة يستطيعون أن يتحدثوا لك باللغة العربية سليمة صحيحة مشكولة كما كان يتحدث بها الأعراب فى الزمان البعيد الأول . هذا إذا تحدثوا لك فى شئون نظرية أو مواضيع أدبية أو فلسفية مما تمرنوا عليه بالدراسة ؛ فإذا أنت خرجت بهذه العشرة إلى الأسواق ، أو ذهبت بهم إلى منازلهم ، وطلبت إليهم أن يتحدثوا لك فيما حولهم من أشياء أو

ما يجرى هنالك كل يوم من شئون ، لم تجد أعيا منهم ولا أعسر لسانا ، وإن حدثك فى هذه الشئون متشدق متحذلق متفيهق فيهم ، حدثك بلغة القمطر والمهمة والاجانة والنفاطة والثريا والنشيز والقرطف والنوفلة والأردية والميشن والثوى والطرز والأسكفة والمأصر والراشن والجماز ؛ وهو يعنى بهذه فى غير مؤاخذة أن يحدثك من الدولاب والورشة والطشت واللعية والنجفة والبشكير والبطانية والملاحة والماسورة والدش والمضيفة والقلة والعتبة والجمرك والبقشيش والترام . وأرجو أن أكون قد أصبت فى ترتيب سردها ، فليس لديك أيها القارئ ، وأنت المثقف ، من وسيلة فى الدلالة عليها عند الخطأ إلا عدها .

اللغة سلعة فى سوق حرة :

تلك الأحاجى لا يمكن أن تحيى من لغة أبدا ، ولا تحبب فى لغة أبدا ، بل هى تكره فى اللغة واللغويين . وليست اللغة قانونا يطبق بحكم عسكرى ، بل هى كالسلعة فى سوق حرة ، يقبل عليها من يقبل ، وينصرف عنها من ينصرف . والآن آن للغويين أن ينظروا فى سلعهم أيها نفق وأيها كسد . آن لهم أن يراجعوا حسابهم كما يراجع التجار ، لينظروا كم كسبوا وكم خسروا . ولا يقولن أحد ما للغة والتجارة ؟ فكل شئ فى هذا العصر الحديث ، الذى لا يمهل غفلان ، يخضع برغمه لقانون الربح والخسران ، إلا أن يكون ذمة أو ذمارا ، أو عقيدة من العقائد ، أو دينا من الأديان . وسيجد هؤلاء إن فتشوا دفاترهم أنه لم يفد من تجارتهم غير نفر قليل بالغ القلة ، إذا انتسب عدده إلى عديد الأمة أنتج كسرا تطلب بسطه الواحد مقاما ذا عشرات كثيرة . فإن كان هذا كل أملهم فى الكسب ، إن كانت كل غايتهم أن يختزنوا ذلك الكلام الطريف النادر فى

أدمغة قليلة كما تختزن التحف الثمينة فى صناديق الزجاج بالمتاحف ، فليس لأحد عليهم من تثريب ما وجدوا الأدمغة الراضية أن تكون زجاجا تبرق من ورائه تحف الماضى العتيق .

ولكن ما لهذا خلقت اللغات . وإن جاز فى الماضى أن يحتكر اللغة أقوام ، فما يجوز هذا فى الحاضر وما هو بممكن بعد اليوم أبدا . فكل المبادئ السائدة اليوم ، من ديمقراطية ، أو شيوعية ، أو نازية تأبى الاحتكار ، وكلها تجعل من حق الفرد أن يتعلم ، ولا تعليم إلا بلغة مكتوبة منطوقة ؛ فلتعميم التعليم لابد من تعميم لغة واحدة تأتلف ومزاج الناس ، والناس عامة ، وتدخل فى مقدور الناس ، والناس عامة ؛ وما تلك اللغة التى يعرضها اللغويون بهذه اللغة الواحدة المطلوبة التى تأتلف بالمزاج وتدخل فى المقدور .

لغة المستقبل :

إن اللغة العربية القديمة لغة كريمة عزيزة علينا . وفيها من اللفظ الجميل والأسلوب الرائع والمعنى الخالب ما يروع اللغات قديمها والحديث . ومع هذا ففيها مصاعب كل قديم . واللغة العامية لغة برزت لنا من ظلمات ماضينا القريب ، وخلصت لنا من بين ركامه وحطامه ، وهو ماض ليس العلم من محصوله ، ولا الأدب من نتاجه ، حتى ولا الكرامة والعزة من سماته ؛ واللغة التى تفتق عنها من طرازه . ومعنى هذا أن لغة العرب الأقدمين لغة لا يمكن إحياؤها على ما كانت لكى تشعل كل هذا الفطر وحتى ينطق بها كل هؤلاء الملايين فى عصر هذه النهضة الحاضرة التى لا بد فيها من تعميم التعليم وتوحيده وتوحيد لسانه ؛ ولا اللغة الدارجة بمغنية فى ذلك غناء كافيا مرضيا . وعلى هذا فليس للأمة إلا خطة من خطتين : أولاهما أن تتوزع مناشطها على لغات أشتات

كما هى الحال الآن ، فتستقل الفصحى بالشعر والأدب ، وتستقل الدارجة بالوجوه اليومية العملية من الحياة ، ثم يكون للغات الأجنبية العلوم والفنون وكل شئ ذى بال من خلق المدنية الحديثة . وثانية الخطتين تنشئة لغة جديدة تكون وسطا بين العامية والفصحى ، يؤخذ لها من أصول هذه وأصول تلك ، ويراعى فى اختيار هذه الأصول أنها ستركب ألسنة العامة ، ألسنة الشعب ، والشعب كله ، فى زمن ستكون فيه الأمة غير هذه الأمة ، والحال غير هذه الحال .

ولا سبيل إلى هذا إلا برفع الحجر عن اللغة العامية ، وفك الوثاق الذى هى فيه ، وباعطائها صوتا فى مدلولات اللغويين ، صوت أصيل لا صوت دخيل ، صوتا كالصوت الذى يعطى للفيروزايادى والصباح ولسان العرب وسائر المراجع والقواميس . فاللفظ العربى إن جاز أن يكون دليله ما خط على الأوراق ، فأحر به أن يكون دليله ما انحدرت به الألسنة على تتابع القرون . وعلى هذا فكل لفظ عامى فاؤه وعينه ولامه فى اللغة يجب أن يعود إلى حظيرة اللغة ، إلى بيت أهله وعشيرته محتفلا به مكرما بعد أن ظل طريدا كل هذه السنين . حتى والذى لا أصل له فى اللغة يجب كذلك أن يدخل فيها ما انسجم جرسه وجرسها ، واندغم أسلوبه فى أسلوبها . وعلى هذا فالطربوش والزر والممباغ والياقة والزرار والشراب والجزمة والشبشب والمركوب والبلغة وما إليها تدخل جميعها فى اللغة . والشباك والضرفة والشيش والأ كرة تكون جميعها من اللغة . والطوب والدبش والمونة والجير من اللغة . والسكنية والبساط والدلاب والكراس والشنطة واليفطة واللمبة والكهربة والبريزة من اللغة . والحلة والكزرونة والدقية والمشنة والسبت والفوطة والشوكة والشربة والعيش والغموس من اللغة . والمراية والبدرة والفرشة

من اللغة ، إلى غير هذا مما يتعب عده ويجهد استقصاؤه . فان قيل لنا : ولكن الفصحى تقول مرآة ، قلنا والمراية لغة . وإن قالوا : وهى تقول بالوعة ، قلنا والبلاعة أيضا لغة . وإن قالوا : وهى تقول الفنجان والملعقة ، قلنا والفنجال والمعلقة لغة . كذلك يكون من اللغة المرجوة المبرد والمصفى والمشبك والمسطرة والمزينة ، فإذا اعترض معترض بان اسم الآلة وزنه مفعل بكسر الميم ، قلنا ولكنها هكذا فى لغة المصريين ، كما نقول إن كذا هكذا فى لغة حمير وتميم . لقد أجازت الفصحى المعنى الواحد ألفاظا عدة أسموها بالمترادفات ، وأجازت للفظ الواحد صورا عدة ومنطوقات شتى ، كلها فى الواقع ليست إلا لغات قبائل متعددة جمعت فى لغة واحدة . أفلا يعدل المصريون قبيلة واحدة من تلك القبائل فيكون بين دفتى هذه اللغة مكان محترم للصور التى بها ينطقون .

والجزيرة والشام والعراق وفلسطين ، والسودان وأمم المغرب أجمعين ، لم لا يكون للدارج على ألسنتهم مثل هذا المكان فى اللغة المرجوة التى ستكون ؟ أفلا يعدل الشام هذيلا ؟ أفلا يعدل العراق قضاعة ؟ والسودان ألا يعدل طيئا أو أسدأ ؟ . والجمل والجبل والوادى إذا كان لها فى اللغة من المترادفات عشرات ، كلها تدخل أبواب اللغة غير مستأذنات ولا مستنكرات ، فما بالنا لا نقبل الدارج على ألسنة هذه الأمم العربية الحاضرة حتى لو تعدد اللفظ وترادف . وهى أمم حية لم تبد بعد ، ولن تبيد ما جرت فى سيل الزمان الجارى ، وتأقلمت فى اختلاف الأرض والبيئة كما يتأقلم النبات والحيوان .

وغير هذا يوجد بين اللغة الفصحى واللغة الدارجة فروق هى فى حد ذاتها قليلة القيمة ، ولكن شيوع الفرق الواحد منها فى اللغتين شيوعا شاملا يباعد ما بينهما شكلا وظاهرا تباعدا بالغا لا يتناسب مطلقا مع قيمة

هذا الفرق الواحد أبدا . نضرب لذلك مثلا حرف القاف ، فهذا الحرف يرقق فى عامية المصريين وغير المصريين فيصير ألفا . فالطاقة والقلقلة والقيام والقمود والقبو والقرفة والقلب والقالب والخندق والصندوق والقدم والدقيق إلى سائر ما فى اللغة من كلمات ذات قافات ، كل هذه تشلح من عربيتها لأن قافها قلبت ألفا ، ومع هذا تأذن فى اللغة بعجعجة قضاعة وطمطمانية حمير ( وقد نطق بها رسول الله ) وفحفحة هذيل وعنعنة تميم وكشكشة أسد ، وكل هذه إبدالات حروف بحروف . ولا يزال فى أعراب الصعيد وغير الصعيد أقوام حفظت لسانها الأول وظلت تنطق القاف جيما ، فتقول جال وجلت والصندوج والدجيج . وتسمعها فتطرب لجرسها آذاننا ، ومع هذا ترفضها ألسنتنا وأفلامنا . ولو أنك قارنت ما بين القاف والجيم والألف لوجدت - ووجدت معك سائر الأمم - أن الألف أخف جرسا وأندى فى الحلق مخرجا .

وهناك أمور أخرى تتعلق باللفظ لا بد أن تتنازل عنها الفصحى ثمنا للوحدة المطلوبة . وهناك ضرائب أخرى تتعلق بالصرف والنحو لابد أن تؤديها الفصحى عربونا على التفاهم المنشود . وهى لابد ستؤديها على الزمن عن طواعية لأن ربحها من هذا التفاهم سيكون فى مجمله أكبر من ربح الدارجة . فهى حقا ستخسر لفظا هنا ولفظا هناك ، وستخسر حرفا هنا وحرفا هناك ، وستخسر منطقا هنا ومنطقا هناك ، وقد تعرب مبنيا أو تبنى معربا ، وقد تدغم مفكوكا أو تفك مدغما ، ولكنها ستربح ملايين الأدمغة ، وستدخل ملايين الرءوس فتطبع بطابعها كل فكرة تدور بهذه الرءوس ، وستركب ملايين الألسنة فتخرج عن طريقها من سجن المداد ووحشة الأوراق إلى أنس البيت وفسحة الأسواق .

ثم القرآن :

نعم ثم القرآن . هذا الكتاب الكريم الذى لا يتحرج الرجعيون أن يرفعوه إلى صدورهم يستجنون به ويتدرأون كلما تعرض متعرض أو حزبهم من أمرهم حازب . هذا الكتاب العزيز الذى لكل مسلم ، بل كل عربى فيه نصيب ، تعمم أو تطربش أو تبرنط . هذا الكتاب الذى دفع الرجعية فى عهد الجاهلية ، وسيظل يدفعها أينما وجدت ، وفى أى عهد كانت . هذا الكلم الجميل اللطيف الذى يجرى فى الأذن مجرى النغم ، ويقع فى القلب موقع القطر البارد فى حلق المحرور الصادى . هذا الكتاب الأقدس سيكون موردا يرده الباحثون فى استنباط كل لفظ يستحدث ومعنى يجتلى وقاعدة تستوضح ، ويكون فوق الموارد جميعها . وما ذاك لقدسيته فحسب ، ولا لأن هذه القدسية تضمن له البقاء ما بقى الناس ، ولا لأنه سند المسلمين فيما يصدرون عنه وما يردون ، ولكن كذلك لأنه من الوجهة اللغوية الكتاب العربى الأول الذى تأثرت به اللغة وكتاب اللغة فى كل العهود ، ولأن جرسه ولفظه وأسلوبه قد اعتادتها جميعا كل الآذان العربية حتى على اختلاف الأديان . فالقرآن له فى تكييف الذوق اللغوى العام نصيب لا يجارى ، حتى ذوق العامة الذين يسمعونه ولا يقرأونه ، وأنصاف العامة الذين يقرأونه ولا يفقهونه  ولن نجد فى القرآن لفظا مما يريد أن يفرضه علينا الغلاة المتقمرون . لن نجد فيه الجماز والأرزيز ، ولن نجد فيه القرطف والإجانة والنشيز . وإن كسبت اللغة المرجوة من القرآن شيئا ، فسيكسب القرآن والدين بهذه اللغة أشياء لم يكونا ليكسباها فى الوضع الحاضر من لغة فصحى كائنة هى أبعد ما تكون عن جمهور الناس ، ولغة عامية كائنة هى أبعد ما تكون عن

القرآن . سيكسبان الناس . سيكسبان كل الناس بتعمم التعليم وبتوحيد التعليم ، و توحيده بهذه اللغة ، هذا التوحيد الذى لا يمكن ولا يكون إلا بمثل هذه اللغة . سيكسبان خاصة الناس وهم القلة ، وسيكسبان عامة الناس وهم الكثرة ؛ تلك الكثرة الأغر عند الله لأنها الكثرة الأحوج إلى عون الله ، تلك الكثرة التى لازمها الجهل فلزمها الحرمان كل هذه القرون من دنيا ودين .

اشترك في نشرتنا البريدية