اليابان
يذهب اليابانيون بتاريخهم إلي القرن السابع قبل الميلاد ويسمون أول امبراطور لهم " جيمو " ويدعون أنه ولي الحكم في اليوم الحادي عشر من فبراير عام ٦٦٠ قبل ميلاد المسيح . وألحوا في هذه الدعوي ، وأرادوا أن يزيدوها ثبوتا في عقيدة الناس لايقاظ وطنيتهم ، فأبرموا دستورهم الجديد عام ١٨٨٩ في يوم تلك الذكري ، يوم الحادي عشر من فبراير ، وجعلوا من هذا اليوم عيدا يحتفلون به كلما دار العام . وجاءوا إلي بقعة في سهول اليابان الوسطى زعموا انها المكان الذي دفن فيه ملكهم الأول ، فأقاموا له عليها قبرا يحج له الناس . وكانت إقامة هذا القبر عام ١٨٩٠ .
أما قبل هذا التاريخ العتيق ، فيعتقد اليابانيون انهم سلالة الآلهة ، وان البيت الامبراطوري اصل هذه السلالات. ومن أجل هذا كان احترامهم الشديد ، بل عبادتهم ، لملوكهم ، لانهم ارباب ، او سلالة ارباب ، جاءت من السماء.
أما بعد هذا التاريخ العتيق ، فتحكى كتبهم القديمة عن ملوك تتابعت، واحداث وقعت ، هي اشبه شئ بالأقاصيص . ولكن مع إعوازها للسند التاريخي ، فهي ولا شك تلقي ببصيص ضعيف على هذا العهد البعيد ففي هذا العهد المهم كان الأمبراطور يحتجز لنفسه من النساء العدد الذي يشاء وقد ذكروا عن احد اباطرتهم أنه خلف ثمانين ولدا ، اشخصهم إلي المقاطعات، فخص كلا بمقاطعة ولاه إياها ولعل هذا الا كثار من النساء
فالاكثار من الأبناء لدي الأباطرة والأمراء ، وهم جميعا من نسل الملوك ، ثم تفريقهم في البلاد هذا التفريق ، هو الذي ثبت في قلوب الأمة اعتزازها بالعصبية ، وغيرتها على الأصلاب إلي عصرنا الحديث الحاضر ، لأنها أصلاب ملوك ، والملوك من أصلاب الآلهة .
وعلي الرغم من اكثار هؤلاء السادة من التسري، نجد في هذا التاريخ المبهم أخبار النساء تتربع عرش اليابان القديم . وتسمع عنهن اقاصيص البطولة تروي كما تروي عن الرباء عند العرب .
ويذكرون في قصة هذا الماضي أن الأمبراطور "سينين" أنشأ لرى الأرض ثمانمائه بركة لتجميع الماء ، واجري منها الجداول إلي الحقول . ويذكرون أنه لصعوبة المواصلات في الأرض صدر الأمر في العام الحادي والثمانين قبل الميلاد بإنشاء السفن لتجري بين المدن على الساحل فتربط بينهم عن طريق الماء ما عز ربطه على الأرض .
ويذكرون أنه كان إذا مات ملك أو امير قبر معه رجاله الأخصاء وهم أحياء . ثم استبدل هذا برجال من طين وضعوا في القبر مكان الاحياء من الرجال . ويحكون في هذا التاريخ المبهم البعيد عن حروب في الجزر نفسها ،
طاردوا فيها " برابرة الشمال"- يعنون الأينو سكان الجزر الأولين . ويحكون عن حروب عبر البحر علي القارة نفسها غزوا فيها كورية فقتلوا فيها وقتلوا طوال السنين. وأخرجوا من اخبار هذه الحروب للذراري أقاصيص عن بطولة آبائهم تحكى بالزهو والفخر على مر القرون .
أرسل امبراطور ابنه من جزيرة كيوشو ، وهي سفلي الجزر ، عبر البوغاز إلي الجزيرة الكبرى ليطارد "وحوش الشمال " فما وضع قدمه على الشاطئ حتى اثخنهم اثخانا ، ونثرهم شرقا وغربا وشمالا في وقائع رائعة عزت ان يفوز بمجدها شاب لم يعد بعد الثلاثين . فلما أوغل البطل الشاب في البلاد إيغالا ، وأبعد عن مواقعه الأولى إبعادا ، جاءه الحظ العاثر وهو في أوج مجده ، فمرض ومات حتف
أنفه ، وقد كان يرجو إن كان لابد من الموت أن يموت بالسيف . وبينا هو في نزعه الأخير ، كان كل الذي عز عليه أنه لن يحمل إلي أبيه الامبراطور خبر نصره فكتب إليه يقول : " وحدي ارقد على خضرة هذا الريف الوحشي ، وبيدي أوسد رأسى على ثراء الندي . وليس إلي جانبي لسان يسكب كلمة واحدة للوداع في اذني. ولكن ما أساي علي ضياع هذا الجسم وهو من تراب ! إنما أساي أني لا استطيع أن ألقاك قبل الممات " .
ثم يتعاقب الأباطرة علي حكم هذه الجزر ، فيكون منهم الخيرون ويكون منهم أشرار ومن أخير خيارهم في تلك الحقبة المبهمة من التاريخ امبراطور اسمه " نستوكو " حكم في ختام القرن الثالث وأوائل الرابع بعد الميلاد. ولكنه لما جاءه الحكم أول الأمر رفضه ، وفضل على نفسه أخاه . ولكن أخاه رفضه كذلك وبقي العرش خاليا ثلاث سنين . فلما لم يجدوا للأزمة مخرجا ، فتطوع اخوه بإيجاد هذا المخرج ، فانتحر . فلما خلا الجو ولم يكن له بد من الحكم حمل اثقاله اضطرارا ، واتخذ له عاصمة هي
أوزاكا ، أو ما كانت أوزاكا في تلك الأيام . وتوجه الامبراطور الجديد إلي برج عال في قلعة من القلاع تشرف علي المدينة ، وأخذ ينظر إلي بيوت الناس . فلم يجد الدخان ينبعث منها . فاستنتج ان الناس ليس عندهم أرز يطبخونه ، ونزل عن البرج كئيبا حزينا . ومن يومها القي السخرة ورفع الحيف عن الناس . وبالغاء السخرة .
وانصراف الناس إلي أعمالهم لم يجد هو نفسه من العمال من يحفظ قصره من التلف ، ويصلح من حوائطه ما فسد ، ويبقي عليها بهاءها وبياضها . ولكنه خرج إلي المدينة فوجد السماء سوداء من دخان المطابخ ، فتعزي بهذا أي عزاء . أما حمده فقد سبح به الناس . وأما ذكره فقد سارت به الركبان.
وينتهي القرن الرابع من الميلاد ويدخل الخامس فيأخذ التاريخ المانع يتجمد قليلا . ويأخذ الامبراطور يظهر على رأس هذه الأمة حاكما مطلقا ، آباؤه مقدسون ، وذراريه مقدسون . كذلك بعينه في الحكم دائما أسرتان كبيرتان ، إحداهما من نسل الآلهة نسل الأباطرة ، والآخر من نسل الأدميين . لأحداهما إدارة الدولة وللأخري إدارة الجيش . وإلى جانب هؤلاء أسر كبيرة عديدة عريقة الأنساب متفرقة في بقاع الدولة الواسعة ، في كل بقعة أسرة ، لا تحكمها فحسب ، بل هي تملكها أيضا .
وفي هذا القرن الخامس تبدأ الصلات تتوثق بين كورية والصين من جهة وبين اليابان ، والأوليان اعرق مدنية ، فتبدأ اليابان تأخذ عنهما " حرف الحياة" . ولم تكن تأخذ منهما أخذ المغلوب من الغالب . فقد كان لها على الشاطئ الكوري معسكر ، وكان على الرغم من هذا بينها وبين الكوريين ود وصداقة .
وما انتصف القرن السادس بعد الميلاد حتى كان عدد المهاجرين من الصين إلي اليابان ( ٧٠٥٣ بيت ) ، وكان منهم " رئيس الخزانة " وفي هذه الحقبة أخذ اليابانيون عن ضيوفهم كل ما استطاعوا أخذه من مدنية القارة . فأخذوا عنهم شق الترع ، ورصف الطرق ، وتخطيط المدن ، وتربية الشرانق ، ونسج الحرير ، وكل ما وجدوا عندهم من صناعات . واخذوها كلها وبحذافيرها دون تردد
أو مناقشة ، وإدارة الحكم فيهم رسموها لأنفسهم كما رسمها أهل الصين . وقواعد الآداب عندهم من رسمية وأهلية نقحوها حتى صارت كاداب اهل الصين . والملابس فصلوها على طراز أهل الصين . وخلق فيهم ادب جديد وفن جديد هو وليد ادب الصين وفن الصين واتخذ الذوق الصيني مرجعا لا يناقش ، وحجة اخيرة تنقض كل الحجج .
ونقل اليابانيون عن الصينيين نقلا ، ونقلوا بالجملة . فذكر هذا النقل المؤرخين بنقل اليابان الأخير الأحدث عن أوربا ، وقد كان بالجملة أيضا . أما خصماؤهم من هؤلاء
المؤرخين فسموهم من أجل هذا أمة المقلدين تحقيرا . وأما نصراؤهم منهم فذكروا الخصماء بالذي كان من نقل أوربا للمدنية الأغريقية في عصر النهضة ، وقد كان نقلا جامعا شاملا ، وبالذي كان بعد ذلك من التزام اوربا لكل ما نقلته ، والتزام حرفيته قرونا بهذة دون تغيير او تبديل .
وتشبهوا في مقابلة ذلك إلى ان اليابان لم تلبث بعد نقلها
ما نقلت في هذا الزمن القديم ، ان هضمته وخلقت منه خلقا جديدا ، واستشهدوا بالفن ، فقد دخل اليابان صينيا ، ولكنه لم يلبث فيها قرنين اثنين حتى تأقلم تأقلما باعد بينه وبين اصوله ، فكان فنا يابانيا صرفا بز مصادره الاولى روعة وإبداعا .
وبانتقال مدنية الصين في تلك الحقبة إلى اليابان انتقل أيضا دينها .
فحول منتصف القرن السادس جاءت بعثة من القارة إلى الجزر تستعدي اليابان في حروب لها ، وحملت البعثة معها هدايا : تمثالا لبوذا وكتبا مقدسة . وحار الامبراطور في أمر هذه الهدايا فلم يدر ماذا يصنع بها .
وقد كان لليابان عند ذلك دينها ، وقد أسموه بالشينتو . وهو دين غاية في البساطة ، يحدث اليابانيين بخلقهم ، فيقول إن أول إله حل اليابان كان إلها ذكرا ، وإنه من عينه اليمنى خلق إلهة أنثى صارت فيما بعد إلهة الشمس ، ومن عينه اليسري خلق إلها ذكرا صار إله القمر ، ومن طرف انفه
أخرج الشيطان . ثم اتفق أن كان لإلهة الشمس حفيد تولي حكم الأرض ، فكان أول امبراطور حكم اليابان . ومن نسله أباطرة اليابان في تسلسل لم ينقطع أبدا إلي اليوم .
وليس لهذا الدين رأي كالأديان فيما يكون عليه حال الناس بعد الموت ، فهو لا يقول بجنة أو نار ، ولا بنعيم أو عذاب ولكنه يقول بخلوص الروح من الجسم ، فإذا هي خلصت صار لها القدرة على النفع تجلبه للأحياء ، وعلى الضر تنزله بهم . ومن أجل هذا كادت تنحصر عبادة الشنتو في استرحام الالهة واستعطاف ارواح الاباء لترحمهم على هذه الأرض ، فتجيد لهم الزرع ، وتملا الضرع ، وتحفظ السلام في البيت والأمن في الطريق .
وليس لهذا الدين رأي في الأخلاق ، وليس له قواعد
المعاملة . ولكنه مع هذا يدعو إلي التطهر بالنساء بعد الخطيئة ، وهكذا يفعل الشنتيون ، وهم يفتدون الخطيئة بكل غال لديهم ثمين.
وهم لا يعرفون الأصنام . ومعابدهم من الخشب الأبيض فلا يجوز عليها الدهان بالألوان ، ولا الزخرف كائنا ما كان . حار الامبراطور فيها يصنع بتلك الهدايا : ببوذا والكتب المقدسة .
فتقدم إلي البلاط ساجو ، وكان كبير الأمراء ، وقال لسيده : كيف تعبد الدنيا كلها بوذا وتبقى اليابان بمعزل عن عبادته ؟ وجاء النصحاء والأمراء يعترضون ويحتجون . وحسم الامبراطور الخصام بأن أذن لساجو ولأسرته أن يعتنقوا دين بوذا على سبيل التجربة ففعلوا .

