الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 168 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع

Share

اليابان

ليس في التاريخ القديم لليابان متعة كبيرة للقاري العادي ، فما هو إلا تاريخ حروب لا تكاد تنقطع ، واطماع لا تكاد تشبع ، وأفراد لا تكاد تمل من فرض نفسها وفرض إرادتها على الناس ، واشياع ترمي النفع في التشيع ، فتجمل منه سببا للعيش وآلة للحياة ، واستئثار بالسلطان كلما أمكنت القوة ، يتبعه غلو الفتوة وظلم القدرة ، والشعب في أثناء هذا لا يكسب إلا الهلاك والحرب قائمة ، وإلا الجوع والعري والسلم هي القائمة . وهذا هو تاريخ الأمم في أكثر أزمانها ، لا سيما تلك الازمان القديمة ، واليابان لم تخرج في تاريخها عن أسلوب تلك الأمم في تلك الأيام

ولكن مع هذا ، فحوادث اليوم لا يمكن فهمها إلا بحوادث الأمس ؛ وسعادة الرجل أو شقاؤه في كهولته لا يفهمان إلا بأحداث شبابه ، واحداث شبابه قد لا تفهم إلا بأحداث طفولته ؛ حتى هذه قد تمتد أصولها والعوامل المؤثرة فيها ، إلي حياة من أوجد هذه الطفولة من الأمهات والآباء

والسنون في أعمار الرجال لا يماثلها إلا العقود والقرون في أعمار الأمم . فلسفهم هذا القرن الحاضر من حياة اليابان لا بد من إلمامة ، ولو خاطفة ، بما سبق . هذا القرن من قرون .

لقد تركنا اليابان في المقال السابق في ختام القرن السابع ، وقد استقرت البوذية فيها ، فأ كسبتها ما يكسبه الدين الجديد دائما من اصلاح . فتركناها

ذات حكومة واحدة ، على رأسها أمبراطور ذو سلطان يحكم شعبا أكثر حظا من طيبات الأرض ، وأكبر استمتاعا بالعدل والسلام .

وجاء القرن الثامن من بعد ذلك ، فاطرد الحال الذي كان في سابقه ، فالأباطرة ظلوا ذوي السلطان ، والدين الجديد امتد واشتد ، وتوطدت أركانه ، وكثر رهبانه ، وامتدت معابده ومساعده ، والمدنية الصينية ظلت تدخل البلاد من أبواب أكثر اتساعا ، وأكثر تمددا

ولكن لا يلبث الحال أن يتبدل بدخول القرن التاسع بعد الميلاد ، ففي هذا القرن يدخل على حكم اليابان نظام غريب عجيب ، يمتد من هذا القرن إلى نحو منتصف القرن التاسع عشر ، أي نحو ألف عام ، وفي هذا النظام نجد الأمبراطور يجلس على عرشه ، ولكن لا حكم له . ونجد على دست الدولة رجلا آخر من اسرة عظيمة يقوم بالحكم كله . وتتوالي الحكام من الأسرة الواحدة حتى تقوم أسرة أخري تغالبها فتغلبها ، فينتقل الحكم إليها ،

والأباطرة باقية تتسلسل من أصلاب الآلهة على عرش اليابان . وأسموا هذا الحاكم بالشوجن ، وهي لفظة معناها القائد العام ، وكانت في أول الأمر لقبا منحه الامبراطور لقائد عظيم حارب سكان الجزر الأولين في الشمال فغلبهم غلبا كبيرا . وقد منح هذا اللقب لأول مرة في ختام القرن الثامن . ولكن بدخول حكم الأسر ، صار هذا اللقب لقبا لكل حاكم للبلاد ، يمنحة الأمبراطور طوعا ، فان لم يفعل منحه قسراً ، فان لم يفعل وجد نفسه بين عشية وضحاها بين جدران دير من الأديرة الكثيرة راهبا متعبدا غير مختار ويحل مكانه من عرش اليابان قريب او نسيب من اسرة الأباطرة أسرة الأرباب نفسها

وأول أسرة حكمت البلاد بهذا الأسلوب كان اسمها فوجيوارا . وقد حكمتها نحوا من ثلاثة قرون ، أي حكمتها في القرن التاسع والعاشر والحادي عشر . وفي هذه القرون الثلاثة جلس على عرش اليابان خمسة عشر من الأباطرة ، منهم سبعة ركبوا العرش اطفالا ، ومنهم ثمانية نزلوا عنه اعتزالا واستمد الحكام الشواجن في هذه الاسرة سلطانهم من الاباطرة ، لا بحد السيف . ولكن بصلات القرابة التي حرصوا علي إيجادها بين انفسهم والأسرة المالكة ، وهي صلات لم تكن صعبة الإيجاد فهم كانوا ايضا من نسل الملوك الأباطرة ، ولهم في الأسرة المالكة وشائج وأرحام . ومن أمثلة الحرص على تلك الصلات أن كان منهم شوجن زوج بناته لثلاثة أباطرة .

وكان عهد هذه الأسرة عهد رخاء ، بقدر ما كان يرجي الرخاء في تلك الأيام ، وكان عصرها عصر سلام وعصر ادب ، انتعشت فيه الفروسية كما انتعشت البوذية ولكنها في اشتغالها بنفسها ذهلت عن الريف ، فتركت أقطابه يكبرون ويكبرون حتى اتسعت مساحاتهم , وتضخمت أحجامهم . وكانت اليابان يتركز أهلوها في الجنوب . وكان الشمال برارى يسكنها سكان اليابان الأصليون - الأينو - وكان لا يزال من مشاغل الدولة

طرد هؤلاء إلي الشمال توسيعا في الدولة وكسبا لأراض شاسعة فكانت تطلق عليهم رجال حربها ، وتعقد لهم الألوية ، فالذي يحوز النصر منهم نقطعه الاقطاعات من أراضي الغزو المكسوبة وتقطعها إياهم دون مطالبة بضرائب ، ترغيبا في الغزو ومكافأة على النصر . ولم تكن تحس بأن هذه الضرائب إنما اقتطعت من مال الدولة . وقد أعانها على هذا الاحساس أن هذه الضرائب لم تكن دخلت في خزانة الدولة يوما . وكانت الضرائب في أقاليم الدولة القديمة ضرائب باهظة تنقل الظهور

فكان ان استنوى غزاة الشمال أهل الريف في الجنوب ، فأقاموهم علي الأرض الجديدة ، واقتضوهم مالا دون الذي كانت تقتضية الدولة ضرائب في الجنوب ، ودونه بكثير . فهذه السياسة واشباهها عاد عهد الاقطاع الذي كان خف بدخول البوذية إلي الظهور ، وأخذ نظام الاقطاع يكتسب على الزمن قوة ، ويكتسب استقرارا ، ويدخل في نسج الأمة فيكون سداها ، ويكون لحمتها ، إلي منتصف قرننا هذا الماضي القريب

ولكن هذا الاقطاع الذي بدأ في عهد أسرة فوجيوارا ، في القرن الحادي عشر ، فالذي يليه ، وأخذ يشتد ويمتد فيما تلاها من الأسر ، كان إقطاعا لغزاة ، إقطاعا لابطال حروب ، ولنصراء هؤلاء الأبطال فهو إقطاع عسكري في أسسه ، عسكري في أغراضه ووسائله ، عسكري في جوء ، إذ كان لكل قطب من هؤلاء الغزاة أن يحتفظ بالعدد الاكبر من رجاله ، ليحتفظ بالقسم الأكبر من الأرض التي أصاب . فأنشأ هذا في الأمة قبيلا من العسكريين لا تزال نسمع عنهم في اخبار اليوم .

ومن أجل هذا كانت الأسر التي حكمت اليابان بعد اسرة فوجيوارا تعتمد في صلتها بالأمبراطور على السيف ، فهي مع احترامها له ، ومع استبقائها إياه ، كانت تتركه في قصره المشيد ، للتأمل ، وليتصل بالسماء ليستدر للناس الخير عن أبوابها . أما هم فكان لهم هذه الأرض ، يستنبئون منها الخير لانفسهم ولاتباعهم ، ثم ما بقي فللناس . وصار الأباطرة لصلتهم بالسماء أحياء كأموات . فمن اراد منهم ان يتصل بالأرض ، اعتزل الملك فكان له ما يشاء ، ولكن في تلك الحدود التي يجد فيها نفسه الملك المخلوع . لذلك كان منهم من تنازل عن الملك لولده ، ثم ترهب ودخل إلي الدير ، وفى حمى الدير ، ومن وراء جدرانه ، كان يشد الخيوط الدقيقة التي تتصل برجاله في المعترك السياسي فيلعبون له الدور الذي يراه . والأديرة نفسها

صارت على الزمن معاقل مخموفة ، يحمل رهبانها السيوف ، ويهبطون بها على الوديان لفض خصام واستكمال نقاش

فتاريخ اليابان القديم - وكل تاريخها قديم إلي منتصف القرن التاسع عشر ، حين فتحت عينها أول فتحة على مدنية العصر الحديث - هذا التاريخ القديم تهيمن عليه هذه العسكرية الطائفية أكبر هيمنة ، هذا القبيل من الجند الذي اسموه بالسمور بين ، هذا القبيل الذي انفلقت الأمة منذ خلقه طبقتين ، طبقة الجند وهي العليا ، وطبقة غير الجند وهي الدنيا . وانقسمت الطبقة الدنيا بعد ذلك ،

ومن أجله ايضا ، إلي ثلاث مراتب : مرتبة الزراع ، ومرتبة الصناع ، ومرتبة التجار . وعليا هذه المراتب مرتبة الزراع ، لأنها الطبقة التي خرج منها السموريون فكل فلاح طويل القامة طويل الباع أهل للصراع ، فهو سموري . ويلي الزراع الصناع ، لأن منهم من يصنع السيوف ، والسيف للمسموري يداه ، وهو من أجل هذا يحمل منه اثنين ، طويلا وقصيرا ، فبالطويل يقطع ، وبالقصير يجهز على الرقاب . والصناع منهم الفنانون ، والفن كان له مقام لا يفوقه إلا فن الحرب ومغازلة الموت على شفرات السيوف . وآخر المراتب مرتبة التجار ، لأن حياتهم في المساومة والمماحكة والمطاولة .

لقد كان للسيف الأثر الأكبر في حياة اليابان القديمة ، من نحو القرن العاشر إلى منتصف القرن التاسع عشر . كان شارة الشرف ورمز التفوق ، ولحامله كانت خفوق ، وللاعب به في براعة  كان تمييز وتمجيد وحمل السيف كان فنا ذا دراسات ، ودراساته كانت طبقات . والسموري من بعد دراسته كان يطوف في البلاد يطلب لسيفه منافسا ، فان وجد من ينفسه تتلمذ لليد التي حملته

ولم تكن السمورية عند القوم لهوا ولعبا ، ولم

تكن طريقا إلى الرزق السهل والحياة العابثة . وإنما كانت نظاما يتضمن تدريبا قاسيا ، لا فيما يختص بالسيف ، ولكن فيما يختص بالعيش أيضا ، فقد فرضت فيه فروضا من التقشف قاسية ، وفيما يختص بالواجبات وفهم الشرف ، فقد فرضت فيها فروضا اقسى ، حتى لكادت السمورية ان تكون ضربا من الصوفية ، أساسه احتقار العيش ، والاقبال على الموت عندما تخون الرجل اسباب الحياة . فمن صفة السموري أنه يحتقر المرتزقة

من الناس ، ويحتقر أبواب الرزق إلا بابه ومن صفته احتقار المال وكل ما يدفع إليه المال من مصانعة واحتيال . ومن صفته احتقار الأنوثة في الرجال . ومن صفته امتلاك أمر نفسه يعذبها حتى تعتاد الآلام ، وحتي تطمئن إلى الخروج من هذا العيش طوعا ، وتطمئن إلى آلام هذا الخروج إذا شاء صاحبها أن يختزل الحياة

والسموري يخرج من الحياة إذا هو شاء اختزالها على شر اسلوب ، فهو يسقر بطنه بيده . فإن هو فعل ولم يسم ، قام صاحب إلي جانبه بتمامه . وهو يلجا إلى البتر إذا هو اخطأ فزل في حق قائده وسيده . وهو يلجأ إليه إذا وقع في الاسر . وهو يلجا إليه إذا وجد ظلما لم يستطع دفعه ، فهو يموت احتجاجا حدث مرة أن وقع في القصر شئ عدته البطانة خذلانا لربه ، والبطانة بالطبع عسكرية سمورية ، فكفروا جميعا عما وقع بشق البطون .

فهذه هي السمورية التي عاشت في اليابان ما عاش الشواجن ونظام الاقطاع العسكري فيها ، وانتهت بانتهائهم في عام ١٨٦٧

والسمورية كانت شرا على اليابان كلما وجهها أربابها إلى طريق الشر ، وكانت خيرا عليهم كلما وجهها أربابها إلي طريق الخير .

فمن خيرها دفع الغزو الذي أراده المغول لليابان في القرن الثالث عشر ، وقد كانوا دوخوا الدنيا شرقا وغربا ففي عام ١٢٦٨ كتب رب المغول قبلاخان إلى ملك اليابان يطلب منه التسليم ، ويذكره بالذي حدث في الصين وغير الصين فرفض . فأعاد إليه الرسل تسأله التسليم ، فكان جزاؤهم قطع الرءوس . فجهز قبلاخان عسكرا كثيرا ، ساروا إلي اليابان عبر البحر ، فأذكى  هذا قلوب اليابانيين فاستعدوا للقائه ، وأعانتهم الريح ، ففشلت الحملة واقتنع المغول بالخيبة فما عادوا بعد ذلك .

ومن شر السمورية ما عانته البلاد من حروب داخلية دامت ثلاثة قرون ، فجرت في أذيالها الخراب والدمار . لأن الصراع كان صراعا بين قواد عسكريين ، لكل منهم عسكره من السموريين ، أي بين جند شداد لا يرهبون الموت ، بل يطلبونه ؛ فالنصر الحاسم بين هؤلاء عزيز بعيد . ومن أجل هذا كان القرن الخامس عشر ، فالذي تلاه أشد القرون حمرة واصطباغا بالدماء ، وفيها خيف على الدولة اليابانية ان تنقسم إلي دول مستقلة لكل دولة أمير ، حتى قيض الله لليابان في مستهل القرن السابع عشر اسرة فاقت كل الأسر ، لا بسيفها وحده ، ولكن برجاحة عقلها وحسن سياستها أيضا ؛ فأعادت إلي اليابان وحدتها ، وأعادت لها سلاما دام قرنين ونصف قرن بل يزيد ، من عام ١٦٠٣ إلي عام ١٨٦٧ ، عام النهضة الحاضرة .

وهذه الأسرة أكبر الأسر اليابانية القديمة خطرا ، واسمها توكوجاوا . واتخذت لها علي عادة الأسر عاصمة في ييدو yedo  ، في حين بقى اليكادو في عاصمته التي احتلها أجداده زمانا من قبله ، في كيونو kioto وبقيت الأباطرة تتسلسل في اطراد في عاصمة الملك وبقيت الشواجن تتسلسل في اطراد في عاصمة الأسر ، عاصمة الحكم .

وكان للعاصمة الأولى الفقر واحترام الناس ، وكان للعاصمة الثانية الغني والجاه

وقد امتازت هذه الأسرة بسياسة تغليق الأبواب - تغليق أبواب اليابان في وجه كل ما هو أجنبي ، لاسيما ما هو أجنبي أوربى ، وعلى الأخص ما هو أوربي نصراني . لأنها أوجست في النصرانية الأوربية خيفة أن يكون هؤلاء المرسلون طلائع الجيوش إلى سواحل جزرها . وبلغ بها هذا الإيجاس مبلغ الذعر من كل قادم إلي شواطئها ، فكانت تلقي القادمين بقطع الرقاب . ودامت هذه السياسة - سياسة تغليق الأبواب - إلي عام ١٨٦٧ ، عام النهضة الحاضرة

وقد كررنا ذكر هذا العام - عام ١٨٦٧ - وكررناه تعمدا ، لانه الحد الفاصل بين قديم اليابان وجديدها بين يابان خان الخليلي ويابان قصر الدوبارة . ولنا في هذا القديم كلمة ، وفي هذا الجديد كلمات بإذن الله

اشترك في نشرتنا البريدية