الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 170الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع

Share

أول لقاء بين الروس واليابان

غلقت اليابان أبوابها دون العالم ، فحسبت أنها بهذا أمنت غزو الأمم فاسترقافهم إياها ، وأنها أعلنت من هذا المال الذي آلت إليه بلاد أقل منها حظا وأقصر بصيرة . ورضيت من الدنية بأن تنسخ في سبيلها على المنسج الذي صنعه آباؤها ، وان تجري في سبيل الترقي على الخطة التي سبقت بها القرون فيها . ونظرت إلي البحر يحيط بجزرها ، فزادها نطاق الماء هذا اطمئنانا إلى عزلتها . ودعمت هذه العزلة بسياج من قوانين . ولكن البحر اللعين لا يفهم القوانين . وهو إن حمي من القدم والحافر لا يحمي من السنين . وكان لليابان سفن صغيرة لا حصر

لها تجوب الشواطئ وتطلب اللحم الأبيض لأمة عزها اللحم الأحمر كثيرا . والسفن من طبيعتها أن تضعف أحيانا إذا غضب الموج من تحتها ، أو عصفت الريح عاتية من فوقها ، وهي عندئذ تري السلامة أن تستسلم للريح ، فتلقي لها بزمامها تقودها إلي حيث شاءت وشاء لها هواها من شواطئ الأمم . وإذا يتعين على هذه الأمم أن ترد التائهين ، فيتعين عليها ان تحملهم إلي شاطئ اليابان وتلك مجاملة لا يمكن ان تمنع منها عزلة ، وذلك معروف لا يمكن ان يقف في سبيله قانون وعلى ظهر هذه المجاملة ، أو في بطن هذا المعروف ، حاول الروس أن يدخلوا إلي هذا الحرم الياباني .

في عام ١٧٨٢ ارتطمت سفينة يابانية في البحر فيما بين شواطئ اليابان وشواطئ سيبيرية ، وكانت سيبيرية للروس ، فكان أن نجا الروس البحارة البابانيين من الغرق ، ثم ذهبوا بهم إلي إركتسك Irkutsk ، وهي من سيبرية عاصمتها الشرقية ، فأقاموا هنالك ما طاب لهم

العيش ، عشر سنوات كاملة . وكانت كترينة الثانية قيصرة الروس ، فأوعزت إلى حاكم سيبيرية ان يذهب باليابانيين إلي بلادهم ، وان يبعث معهم رسولا من لدنه ، لا من لدنها ففعل . وألقي مراسيه في ميناء بالجزيرة العليا من جزر اليابان وما كاد يتصل هناك بالسلطة المحلية ، حتى اتصلت هذه توا بالسلطة المركزية تستفسر عما تصنع بهذا القادم وهو بزعم أنه رسول الروس . فلما جاءها الجواب كان جوابا حاسما ، فأعطته إياء

وجرى الجواب هكذا :

" إن القانون الياباني يقضي بالحبس المؤيد على كل أجنبي سولت له نفسه أن يربى على أي شاطئ من شواطئ اليابان ، أو ميناء من موانيها ، إلا ميناء ناجازا كي . ولكن ، بما أن الرسول ومن معه من الروس إنما فعلوا ما فعلوا عن جهالة ، وبما انهم جاء ومعهم يابانيين أنجوهم من الغرق ، فقد رأت الحكومة هذه المرة الا تحتجزهم وان تأذن لهم بالرحيل على شرط أن لا يعودوا إلى ما فعلوا ، بأية علة ، وعلى أية تكاة "

أما عن الغرقي من اليابان فقد قال الجواب :

" والحكومة تشكر الروس ردهم من أنجوا من اليابانيين ، ولكنها مع هذا تأذن لهم أن يعودوا بهؤلاء من حيث جاءوا ، فإنهم بحكم القانون لم يعودوا يابانيين ، وإنما هم رعايا ذلك البلد الذي قذفتهم في احضانه الأقدار "

ويظهر ان رسول الروس لم يفته أن يتحدث في التجارة ، واتصال المعاملة ، فقد جاء في هذا الخطاب الذي تسلمه :

" أما عن التجارة فالمفاوضة فيها لا تكون إلا في ميناء واحد ، هو ميناء ناجازاكي ، وقد صدر الأمر إليه بقبول سفينة روسية واحدة قصد المفاوضة ، فان ارسل الروس هذه السفينة فليعلموا ان العبادة النصرانية غير مأذون بها

وإذا وجب عليهم ان يكفوا عنها ما وطئت اقدامهم ارض هذه البلاد "

وأكرم اليابانيون الرسول ، واضافوه هو ورجاله ، وكان مع الضيافة رقابة شديدة عليه وعلى رجاله فلما اعتزم الرحيل اثقلوه بالمؤن والهدايا ، ورفضوا ان يأخذوا لشئ مما أعطوه ثمنا

ومضي علي هذا الحادث اثنتان وعشرون سنة ، حتى إذا كان عام ١٨١١ ، أوفدت الحكومة الروسية ربانا لها يدعي جونوفنين ، اوفدنه لمسح جزائر الكوربل ، وهي جزائر تمتد في البحر كالعقد ويتصل جنوبها بشمال اليابان . فركب لهذا القصد سفينة حربية تدعي ديانا فلما مسح ما مسح ، ادي به المطاف إلي قرية في أقصي اليابان . وكان بها معسكر

ياباني صغير . فنزل الربان من سفينته إلى البر ، ونزل معه ضابطان واربعة من رجاله . فاستدعاهم الجند ، ولم يكد أن يحتويهم معسكرهم حتى اعتلوهم ، ثم أخذوهم مسوقين إلي الجنوب ، إلي حيث الأرض أعمر باليابانيين . وربطوا كلا منهم رباط امسك بطرفه حارس ودار الرباط على الأيدي ، وهي وراء الظهر ، ودار علي الصدر والعنق ،

بطريقة لا تأذن بالهرب أبدا ، فقد كان يكفي الحارس ان يشد على الطرف الذي بيده حتى يتقارب المرفقان وراء الظهر في ألم شديد ، وحتي تضيق العقدة على الرقبة فيكاد الأسير أن يختنق . وأوثقوا الركبتين فلم تتحركا بعيدا ، ظنا منهم ان الروس قد ينتحرون على عادة البابانيين إذاهم وقعوا في الأسر . وكانت رحلة شافة طويلة طالت أياما .

وكانت الأسري تأكل مما يأكل الحراس ، وكانت تنام إذا جاء وقت النوم على وتير الفراش وكان لكل اسير وهو بقطع الأرض في هذا السفر الطويل رجل يهش عن وجهه الذباب . وكانوا إذا اعترضهم غدير ، حمل الجند الأسري خشية أن تبتل أرجلهم بالماء .

وكانوا يلقون الناس في طريقهم ، فيجتمعون للفرجة أفواجا علي عادة الناس . قال الربان في ذلك " وكان الزحام على رؤيتنا شديدا ، وامتلا من الطرق جانباها ، ولكن لم تصدر من احدهم شارة مخلة باللياقة أو فعل مزر بالآداب . وتأملت تعمدا في وجوههم ، فلم أر فيها نظرة حاقدة او تصيبه كارهة . ولم يبد فيهم أقل ميل للسخرية بنا او الضحك الفاجر في وجوهنا وفي القري كان لنا من الناس بعض مؤاساة لنا وشئ من عطف الذي حل بنا " .

وأودعوا السجن حتي جاء يوم التحقيق . وسيقوا في البلدة الصغيرة إلي حيث دار الحكم فيها . وأدخلوا بهوا كبيرا ، جلس حاكم البلدة في صدره ، وجلس عن يساره ، وهو موضع الشرف عند اليابانيين . من يلى هذا الحاكم قدرا . وعن عينه جلس من له القدر الثالث . ثم جلس علي أيمان هؤلاء وايسارهم طائفة من الجند لهم مراتب اخري وجلسوا جميعا من أرض البهو على حصر وأرجلهم من تحتهم على نحو ما يفعل المسلم في الصلاة . وكانوا يلبسون السواد ، ويحملون سيفين . طويلا على اليسار ، وقصيرا في المنطقة إلى اليمين ، وهما شارة السموريين ومن علاهم من الاشراف .

ومن وراء كل هؤلاء جلس كاتبان ، ومن أمامهم وقف الاسري ، ضباطهم في صف ، والبحارة في صف وراءه وبين هؤلاء وهؤلاء جلس الترجمان

وحوائط البهو زانتها الحبال والحداثة ، هذه لشد الأيدي ، وتلك للعقاب وشتى أنواع العذاب

وبدأ الحاكم تحقيقه ، فألقي السؤال تلو السؤال . والسؤال يكتب ، والجواب يكتب في كتاب . وسأله فيما سأل عن كل كبيرة وصغيرة : ما اسمهم ، وما بلدهم . وما سنهم ، وما أسرهم ؟ ولما تبين له انهم جاءوا من مدن وقري مختلفة ، تعجب وسألهم : وإذا فما الذي

جمع الشامي باليماني ؟ وسألهم عن سفينتهم : ما هي ، وما حمولتها ، وما أغراضهم منها ؟ وسألهم عن خطة سيرهم منذ غادروا عاصمة الروس ، وطلب منهم رسمها على الورق وذكر لهم الحاكم فيما ذكر أنه منذ اثنتين وعشرين سنة جاء اليابان رسول من الصين يحمل غرقي من اليابانيين ، وكان له من شعره الطويل ضفيرة تتدلي على قفاه وكان ينثر الدقيق ( بقصد البدرة ) على شعره أما أنتم وشعركم قصير مقصوص ولا أري عليه دقيقا ، فهل تغير دينكم بتغير شعوركم يا معشر الروس ؟ فلما أجاب الروس بأن دينهم لا يتدخل في شعر الراس ، ولا في طوله أو قصره ، ضحك اليابانييون ملء أفواههم وعجبوا أن يطلق أمر الرأس هكذا للهوي ، فلا ينظمه  دين أو يهيمن عليه قانون

ومضت أيام كان لهم بعدها مجلس جديد لتحقيق جديد . وكان سائر الروس الذين لم ينزلوا إلي البر فلم يقعوا في الأسر لا يزالون عند سفينتهم ينتظرون . فلما عرفوا الذي كان ، أرسلوا إلي إخوانهم الأسري كتابا . ففي هذه الجلسة الجديدة فض الكتاب . وطلب اليابانييون علم ما احتواه ، وكان في هذا الكتاب ان الروس اعتزموا الرحيل إلي سيبيرية ليأتوا بالنجدة ثم يعودوا ، وأنهم لن يتركوا عندئذ ساحل اليابان إلا والاسري معهم . وتنصل الإراء من تبعة هذا الكتاب ، ويرأوا حكومتهم منه . ولكن اليابانيين هزوا أكتافهم غير مصدقين .

ورحل الروس بسفينتهم ، ثم عادوا من جديد . فلما لم يجدوا على شاطي اليابان من يصغي لما يقولون ، اختطفوا تاجرا يابانييا يملئون به ، أيديهم إذا هم رجعوا إلي بلادهم ، وقد رجعوا به فعلا وعلمت زوجة التاجر بالذي وقع له ، فحزنت حزنا مرا ، ونذرت ان تطوف في الآفاق وتقطع أرض اليابان كلها حجا . وكان للرجل صديق حميم ، فما علم بالذي جري له حتى حزن حزنا بالغا ،

وكان ثريا ، فقام ففرق  نصف ماله على الفقراء ، ثم صعد الجبل يختلي فيه خلوة المترهب ، واتخذ له عليه مسكنا .

وعاد الروس بمخطوفهم إلي البابان . ونزل كاشي - فهذا اسمه - إلي الشاطئ ، فاستراب الناس فيه برغم مكانة له سابقة معروفة . ومنعوه ان يتصل بأهل أو اصدقاء ، إلا في حضرة رقيب . واخيرا اصابه التوفيق فيرا نفسه ، وأعان الروس الاسري علي الخلاص . خلصوا من الأسر ولكن بعد أن فضوا فيه عامين أو يزيد .

ونهيأت السفينة للإبحار فصعد إليها كاشي ، وكانت تجارته ازدهرت في غيبته ، ففرق في رجالها أثواب القطن والحرير . وطباخ السفينة تعمد أن لا ينساه ، فأعطاء في سخاء ما أرضاه .

وبحرت السفينة الماء إلي سيبيرية ، وفي يدي ربانها كتاب . وكان الكتاب من الحاكم الياباني لتلك المقاطعة يخاطب فيه الروس . قال فيما قال :

" منذ اثنتي عشرة سنة أرمي الروس بشاطيء اليابان . ومنذ إحدي عشرة سنة عادوا ، فدخلت سفينة لهم ناجازاكي . وقد فسر قانون اليابان عندئذ لهؤلاء وهؤلاء تفسيرا لا يحتمل الابهام . ولكن يظهر مع كل هذا انكم لم تفقهوا ما قلنا لتباين ما بين لغتكم ولغتنا ، وللفرق الشاسع بين كتابتكم وكتابتنا اما الان وقد احتبسناكم طويلا ، فستكونون افقه لقوانيننا ، وافهم لقوانيننا فإذا عدتم إلى روسيا فأفهموا الحكام معنى هذه القوانين ، كيلا يتكرر ما كان . فان هم عادوا لقيناهم على الشاطئ بالقنابل . فليفهموا هذا ، وليفهموه جيدا ، حتى لا تكون مأساة "

ومضي الكتاب بقول : " وفي قانوننا أن الأوربي الذي يحاول في اليابان تعليم الناس النصرانية يعاقب عقابا قاسيا ، ثم هو

لا يعود إلي بلاده أحدا . ولكنكم معشر الروس لم تحاولوا تعليم هذا الدين ، ومن أجل هذا فككنا أسركم لتعودوا من حيث أتيتم . فاذكروا هذا ذكرا طويلا )) .

ومضى بعد ذلك يقول :

(( إنا معشر اليابانيين لا نطلب تجارة الأمم ، لانها لا تعوزنا ضرورات الحياة . وقد أذنا للأجانب أن يتجروا في ميناء ناجازاكي ، ومع هذا لم نسمح بذلك إلا للامم التي عاملتنا من قديم الزمان : للصينين والهولنديين . ونحن لا نتجر معهم للكسب ولكن لمآرب اخرى . وقد بيتراءى لنا من إلحاحكم في المتاجرة معنا انكم تحسبون أن عاداتنا وعاداتكم سواء . ولكنكم في هذا غير مصيبين . فالخير إذا ان تنسوا هذه التجارة ولا تذكروا لنا عنها في المستقبل شيئا أبدا )) .

اشترك في نشرتنا البريدية