الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 171الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع

Share

أمريكا تقتحم أبواب اليابان

وقف الربان أمير البحر على جسر القيادة من سفينته يتأمل ما بدا من الساحل على ضياء الصبح الطالع . فبدا له ساحل تركبه جبال تركب أعاليها الأشجار . وتكاد الخضرة تكسو أسافلها حتى حافة الماء . وزاد الصباح طلوعا فزادت الأشياء فى العين اتضاحا ، فبدا على تلك السفوح النائية الصامتة فسحات فى الأرض نعرت من الشجر المطبوع ليحل محلها النبت المصنوع مما غرست يد الانسان . ونابعث السفينة مجراها فى صمت فى محاذاة هذا الساحل ، وحولها توابعها الثلاث برباينهم ، وقد استعد رجالها أجمعين لملاقاة العنف بالعنف إن عنف كان . فقد كانت هذه السفن الأربع تمهلت وقتا طويلا على ساحل الصين تتأهب لهذه المرحلة الأخيرة الخطيرة من رحلتها ، وتجمع لها ما استطاعت من سلاح وعتاد ، وتفعل هذا فى وضح النهار فى غير موارية أو خفاء . فلا بد أن خبرها كان سبق إلى هذا الساحل ، ساحل اليابان ، حمله إليها ذلك النفر من الصينبين الذين كان يؤذن لهم بالدخول إليها والاتجار فيها على تلك الجزيرة الصغيرة من أرضها بالقرب من نجزاكى .

ولم يكن أمير هذا الأسطول - واسمه الكومادور بيرى commadore perry - يطلب فى الواقع حرب اليابان . وكيف يطلب حربهم وهو يحمل فى مخدعه من السفينة صندوقا جميلا من الذهب بلغت كلفته ألفا من الريلات ، تضمن خطابا رقيقا من رئيسه رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يتوجه به إلى امبراطور اليابان يطلب

فيه صداقته ، ويخطب ود أمته . وكيف يطلب الكومادور حربهم ، وهو قد حمل فى سفينته غير هذا الخطاب هدايا أشكالا وألوانا ، يتحف بها كاهل عظيم كاهلا عظيما . وهى عدا هذا عربون الود ، ومثل مما قد تجنيه اليابان من الخير لو أنها رضيت بالتاجرة وفتحت أبوابها للتعامل إما بيعا وشراء وإما مقابضة .

وقف الربان أمير البحر على جسر القيادة من سفيفته تأمل ساحل هذه الأرض المحرمة التى لم تطأها قدم إمريكي قبله ، ويفكر فيما عسى أن يجد فيها ، لا سيما فيما عساء أن يفعل إذا لم تلقه البلاد بالترحاب ، وهو غير مأذون بحرب ، ولو أنه غير ممنوع من دفاع . أما الحرب فقد أفهم صريحا أن رئيس الولايات الامريكية لا يستطيع أن يعلن الحرب من تلقاء نفسه ، وهو لابد راجع فيها إلى مجلس الشيوخ من أمته لإعلانها . وهو لم يفعل ، ولم يرسل باعثا على أن يفعل . كذلك جاءت مقاصد أمريكا من هذه البعثة صريحة فى كتاب رئيسها إلى وزير دفاعها . " فقد جاء فى هذا الكتاب أن مقاصدها ثلاثة :

أولا - الوصول إلى اتفاق دائم تكون من نتيجته حماية من يرتطم على ساحل البابان من امريكيين ، او من تضطره منهم قسوة الأجواء إلى دخول موانيها . وكذلك حماية ما قد يكون معهم من متاع .

ثانيا - الأذن للسفن الأمريكية بالدخول إلى ميناء أو أكثر من موانئ الأمة اليابانية لتتمون فيها بالطعام والماء والوقود وأشباهها ، أو لتصلح ما قد يصيبها من كوارث البحار .

ثالثا الأذن للسفن الأمريكية بالدخول إلى ميناء أو أكثر من موانئ الأمة اليابانية لتستبدل بما تحمل من بضائع بضائع أخرى أو مالا نقدا . فمن أجل هذه الثلاثة المقاصد الصريحة الواضحة ، لم

يكن لرب هذا الأسطول إلا المسالمة سبيلا ولكن المسالمة لم تنفع قديما فى اليابان . ففى عام ١٨٣٧ حمات سفينة أمريكية تدعى موريسن morrison ، جماعة من البابانيين ارتطموا على ساحل امريكا ، ساحل المحيط الهادى ، وجماعة اخرى منهم ارتطموا على جزر الفيليبين وتوجهت بهم جميعا إلى اليابان فلم يؤذن لها بالبقاء ، ولم يؤذن لليابانيين بالنزول . وعمد اليابانيون المرفوضون إلى حلق رء وسهم إعلانا للحزن على ما فاتهم من لقاء أهليهم ، وتطليقا لوطن لم يعد لهم محكم هذه القسوة المتناهية وطننا . وفى عام ١٨٤٨ سارت سفينة أمريكية اخرى إلى اليابان فى طلب أمريكيين ارتطموا بدورهم على ساحلها ، فلم يؤذن لركابها بالنزول ، وإنما أذن لهم باسترجاع المرتطمين من الأمريكيين .

وفى هذا العام ، عام ١٨٥٣ ، وجد رب هذا الأسطول نفسه يسير إلى نفس هذا الساحل الممنوع ، وليس معه علة بتعلل بها كالتى تعلل بها سابقوه ولكن معه خبر منها - خطاب صريح فى موضوع صريح ، وحول الخطاب مدافع تؤيده ، إن لم يكن بمخبرها ، فعلى الأقل بمظهرها .

وكان هذا الصباح صباح اليوم الثامن من يوليو . فلما انتصف نهاره ، بلغت السفن رأس ساجامي ، وهو رأس فى مدخل الخليج إلى عاصمة اليابان ، يدو yado عاصمة الشوجن ، أى عاصمة الحكم الفعلى فيها . فظهر على الساحل القريب ما فيه من حقول خضراء ، وما فيه من بساتين غناء . وفى الأفق البعيد تراءت الجبال عالية رفيعة . ولم يكد الأمريكان أن يقتربوا من هذا الرأس الأرضى حتى خرج لهم منه عشرة من القوارب تعترض سبيلهم ، ولكنها لم تستطع أن تلحق بهم . خلفوها وراءهم بعيدا . ودخل الأسطول الخليج العظيم ,

فحاد إلى يساره ، حتى إذا بلغ مدينة أوراكاوا ألقى مراسيه بالقرب منها . عندئذ سمعت ثلاثة مدافع تنطلق من الشاطئ ، وخرج منه على أثر ذلك قوارب أربعة يقوم على التجديف فيها رجال عرى ، لهم جسم سوى ، وعضل قوى ، وهم يتصايحون إذ يجدفون . وفى مؤخرة كل قارب علم ذو ثلاثة ازياق ، زيق اسود فى اوسطه ، وزيقين أبيضين على جانبيه . ووقف إلي سارية العلم رجال أربعة فى لباس حسن ، وقد حمل كل منهم سيفين .

واقتربت القوارب من سفن الأسطول ، وجرى الحديث بين القومين فكان نقاشا طويلا منع فيه الأمريكان اليابانيين من الصعود إلي سفنهم إلا أن يكون فيهم من هو فى مرتبة رب الأسطول ، الكومادور يرى ، حتى يلتقي ند بند . ولم يكن بين اليابانيين إلا ذو المقام الثانى فى المدينة وانتهى النقاش إلى أن صعد هذا لتمهيد اللقاء الواجب . فلما صعد لم يقابله الأميرال نفسه ، وإنما دفع إليه بوكيله . فأفهمه الوكيل الغاية من قدومهم ،

وانه خطاب حملوه من رئيس دولة إلى رئيس دولة لا بد ان يتسلمه رجل فى الدولة اليابانية نأبه كبير المقام . وأفهمه انه لاجدوى من اللجاج. وأخذ الضابط اليابانى يستفسر عن الاسطول من اين جاء ، وكم به من الرجال ، فقطع عليه الامريكى استفساره ، واستوقح سؤاله ، وافهمه كذلك ان من الوقاحة ايضا ان تبقى هذه القوارب اليابانية الصغيرة حول الاسطول تخفره على عادة اليابانين ،

وأن الخير كل الخير فى صرفها . وأراد الضابط أن يعطى الآميريكى صورا مطبوعة بالهولندية والفرنسية والانجليزية لايضاحات جرت العادة بتسليمها لكل سفينة أجنبية تأتي ساحل اليابان . فرفض الأمريكى أخذها

عندئذ رجع الضابط اليابانى إلى قاربه ، وانصرفت القوارب ، ولكنها بقيت تخفر من بعيد . وبعد ساعة

عاد الضابط الياباني يقول إن رئيسه يعتذر عن تسلم الكتاب ، وإنه يشك فى ان يكون للكتاب جواب ، وان نجزاكى هو الميناء الوحيد الذى تدخله سفن أجنبية فقيل له فى غير إطالة ، إن كان هذا هكذا ، فسيشق الأسطول طريقه فى الخليج إلى أبعد مما فعل ، وسيقوم الأسطول بتقديم الكتاب بيد رجاله عند ساحل العاصمة ، عندئذ اضطرب الضابط ، وسألهم أن يرجئوه إلى الغد ، ففعلوا .

وخيم الليل . ونقمص البحارة اليابانيون بعد عرى ، وتزينوا بملابس زرقاء ازدانت بأشرطة بيضاء وحمراء ، وبشارات سوداء ، تفصح بألوانها وأشكالها عن مراتبهم . والضباط منهم غطوا رءوسهم بأغطية جميلة زانها لحلاؤها ، وشارة الرتبة فيها وهى من ذهب فى مقدمتها .

والساحل انطمس بدخول الظلام ، إلا من نيران أوقدوها للخفارة على طوله ، وسكون الليل ساد إلا من أجراس أخذت تدق كل ساعة فتتردد اصدؤاها إلى السفن الراسية فى السواد المخيم عبر الماء والهواء .

وأصبح الصباح فجاء إلي الأسطول حاكم البلدة نفسه وأخذ بدوره يعتذر عن تسلم الكتاب . ثم عاد بعد أخذ ورد يطلب المهلة حتى يتصل بالعاصمة . فضربوا له أجلا ثلاثة أيام .

وبقيت السفن هذه الثلاثة الأيام تسير قاع البحر فى هذا الخليج . وتقدمت بهذا السير نحو العاصمة اميالا ، وكلما تقدمت جاءها الحراس يعلنون رجالها بأن سير البحر لا يجيزه القانون اليابانى . ولكن الرد كان دائما : ولكن القانون الأمريكى يجيزه . وفى عشية اليوم الأخير حضر حاكم البلدة مستبشرا ، يحمل إلى الأمريكيين خبرا يطيب به خاطرهم . أن الكتاب سيجئ لتسلمه كبيران من اليابانيين فى حفل مشهود . ولم يفته أن رجاهم أن يكفوا

عن سير الماء ، ولكنهم لم يستمعوا له .

وجاء يوم الحفل المشهود . فاختار اليابانيون له بقعة على نحو ميلين من تلك البلدة ، وحشدوا عند ساحاها عسكرا كبيرا بلغ خمسة آلاف . واقاموا عليه بيتا عاجلا للقاء الأمريكيين . وانتظم الجند حول هذا البيت بالرماح وعليها الرايات فى حمرة وبياض . ومنهم من حمل البنادق ولكن من طراز قديم والمدافع صففوها ، ولكنها كانت أحرى بالزينة منها بالإطلاق . والقوارب اصطفت

فى الماء ووقف رجالها إلى سواريها فى أزهى ثياب . وصنع اليابانيون ما أمكنهم للظهور بالقوة والسلطان . وأوجس الأمريكان من هذا الظهر خيفة ، فاقتربوا بسفنهم وعليها الرجال ، ولكن عند مدافعهم ينتظرون الأمر

بإطلاق النار إن كانت خيانة . ونزل من البحارة عدد عظيم فى نظام فخم ونزل الكومادور أمير البحر اخيرا . وساروا جميعا بين الجند اليابانى إلى بيت اللقاء . وكان بيتا اصطنعوه سريعا لهذا الحفل ، واثثوه سريعا . وسار الأميرال ورجال حاشيته من هذا البيت على بساط من قطيفة يؤدي بهم فى أقصاء إلى كراسى صفقت لهم على اليمين وكان على يسارها كرسيان جلس عليهما أميران هما رسولا سيد اليابان فى استلام الكتاب . وكانا فى ثياب من الحرير أثقلها وشئ الفضة والذهب . ودخل الكومادور ، فقام الأميران فأنحنيا انحناءة كاملة للقادمين ، ثم عادا فجلسا ، فجلس القوم أجمعين .

وظل الأميران طول الحفل فى مكانهما لا يتحركان كأنهما بعض الأصنام . وقام بين القوم الترجمان . فلما تسلم اليابانيون صندوق الذهب والكتاب الذى احتواء ، سلم أكبر الأميرين إلى الترجمان إقرارا باستلامه وكان كتابا باليابانية ، ترجمه الترجمان إلى الهولندية وجاء فى الكتاب :

" هذا إقرار منا باستلام خطاب رئيس الولايات المتحدة بأمريكا الشمالية ، تسلمناه لترفعه إلى السدة الامبراطورية . . . وقد اخبرنا كم مرارا يا معشر الأمريكان ان العاملات الأجنبية لا تؤدى فى هذه البلدة ، بلدة

أوراكاوا ، وأن مكان أدائها ميناء ناجازاكى . ولكن ظهر الآن ان الأميرال بوصفه رسول الدولة الأمريكية يرى فى هذا سبة لنفسه وهوانا لسيده . وقد نظرنا فى الأمر فصوبنا وجهة نظره ، وأقررنا عدالة مطلبه ، وعلى هذا تسلمنا كتابه نقضا للقانون اليابانى . ولكن مع هذا ، فهذا المكان من اليابان لا يجوز أن تجرى فيه

مفاوضة ، ولا يجوز أن يجرى فيه ترحيب وتكريم وإذا وجب عليكم يا أهل أمريكا أن ترحلوا بعد تسلم كتابكم ، وأن ترحلوا توا " .

فأجاب الاميرال على هذا بأنه سيرحل ، ولكنه سيعود لاستلام الجواب فى أبريل أو مايو . فسأله الترجمان : وتعود بهذه السفن مرة اخرى ؟ قال : نعم ، وبأكثر منها . ووقف الكومادور للرحيل ، فوقف الأميران ولم ينبسا يبنت شفة ، لا أولا ولا آخرا ، فلو أنهما ولدا أخرسين ما كانا أكثر صمتا .

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية