الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 172الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الأسبوع

Share

أمريكا تقتحم أبواب اليابان

حديث الأمم فى تفصيله لطيف ظريف ، فيه اللذة لطلاب اللذة ، وفيه العبرة لرواد السيرة ؛ ولكنه بعض التاريخ ، لهذا وجب أن تكون عبرته  أكبر من لذته . ورائد العبرة فيه يجب أن يرودها بذلك الصدر الرحب الذى يسع كل الأمم ، وبذلك الذهن السبور الذى لا يقتنط فينكص عن بلوغ الدوافع الانسانية

الأولى فى منابتها من طبائع البشرية ، وبذلك الأمل الفسيح الذى لا يضيق عن استيعاب كل آمال الشعوب ، أحمرها وأصفرها ، وأبيضها وأسودها ، وبذلك القلب السموح الذى يغفر للأمم ذل الضعف كما يغفر لها بطش السلطان ، وبنغر لها وضاعة الفقر كما يغفر لها غرور الثراء ، ويصفح فيها عن وداعة الجهل كما يصفح عن شراسة العلم ، بحسبان كل هذا مظهرا من مظاهر الحياة

وطورا من أطوار الانسان لا بد أن يتطوره في سبيله إلى غايته الأخيرة المعنية من هذا الوجود ، كما تسقط الشجرة أوراقها الصفراء كل شتاء لتتزين فى الربيع بأوراق جديدة خضراء ، وكما تنسلخ الثعابين من جلود لها قديمة لتلبيس جلودا أخرى جديدة تستجيد بها الحياة والنشاط .

بهذه الروح وحدها نصل الحديث فيما جرى بين أمريكا واليابان .

خرج الكومادور ، أمير البحر ، من هذا الحقل اليابانى القصير الصامت ، واعدا ، أو متوعدا ، أن يعود بعد أشهر لأخذ جواب اليابان عن كتاب رئيس الولايات

المتحدة إليها . وقد ساء الكومادور من هذا الحفل أن يؤمر فيه بمغادرة البلاد ، وان يغادرها توا لهذا ركب سفنه ، وبدل أن يوجهها إلى خارج الخليج ليخرج عن البلاد ، سيرها إلى داخله فى اتجاه العاصمة ، حتى لم يبق له على بلوغه إياها غير بضعة أميال . وظلت رجاله فى أثناء هذا تسير أعماق البحر . واليابانيون يتوسلون إليه أن يمنتع عن سير الماء وأذنه عنهم صماء . وبنى على هذا التفكؤ أياما متعمدا . فاما كان له ما أراد خلف المياه اليابانية إلى مياه الصين ، وهناك أقام فى انتظار العودة عند الآجل المضروب .

ولم يكد يختفى بأسطوله عن ساحل اليابان حتى أخذ الهرج مأخذه من الناس . وسرت فى البلاد موجة اضطراب يشوبه رعب . فتلك السفن الحربية الكبيرة لم يكن لهم عهد بها . وهى تدار بالبخار . وفيها من آلات الحديد شئ غريب ومدافعها طويلة قوية هائلة تخوفة . وقد كان حرص الأمريكان على دعوة ضباط البابان إلى زيارة السفن ، وتركوا لهم من الوقت ما فيه ينظرون يتفحصون . ونظروا طويلا ، وتفحصوا طويلا ،

وتعجبوا كثيرا ، ولكن لم تنبس شفاههم بكلمة تدل على عجب ، ولم تسنم أساريرهم عما كان يمثلج وراء جباههم من فكر تأثر . وكل الذى بدا عليهم أنهم كانوا كثيرى السؤال تواقين إلى علم كل شئ من هذا الجديد الذى يرون . غلت اليابان ماغلت ، ولكنها لم تدر ما تصنع . لقد نامت كل تلك القرون فى بيت مغلق الأبواب والنوافذ ، بعيدة عن كل ما يقلق النائم الهانئ من ضوضاء . فجاء هذا الطارق على غير انتظار ، فطرقى إحدى النوافذ طرقة عنيفة شدخها وفتحها وكاد ان ينط منها إلى عقر الدار ، ثم هو ترفق لامر فيى نفسه ، وذهب لكى يعود فيجد باب الدار نفسه مفتوحا لاستقباله . وقامت اليابان فى دهشة النائم الذى ايقظه الصوت العنيف بغتة من نوم

عميق ، فبدأ لها ما يبدو للمستيقظ المدهوش أول وهلة ، ان ندفع القوة بالقوة . ولكنها لم تلبث عند تمام صحوها أن أدركت حقيقة الحال ، وأيقنت أن دفع القوة بالقوة من المحال .

واستغرقت لتمام هذا الصحو خمسة أشهر كاملة ، أصدرت بعدها الأوامر إلى ثغورها بالكف عن مقاومة الأمريكين إذاهم عادوا . وصدرت هذه الأوامر فى الثانى من ديسمبر من نفس ذلك العام ، عام ١٨٥٣.

وكان شو جن اليابان قبل هذا قد مات ، فأرادت اليابان ان تتخذ من موته سببا إلى تأخير عودة الأمريكان ، فطلبت إليهم على لسان الهولندبين - وعاصمة ملكهم الشرقى عند ذاك فى باناقيا من جزيرة جاوه - أن يتمهل الكومادور فى العودة بأسطوله مراعاة للحداد ،

وحتي تتمكن الحكومة من مشاورة الأمراء فيما يتضمنه الجواب الامبراطورى المطلوب . فكان رد الكومادور على هذا الرجاء ان ظهر برجاله في خليج العاصمة البابانية شهرين أو ثلاثة أشهر أسبق مما كان وعد وقدر أولا .

وكان اصطحب معه في المرة الأولى أربعا من السفن ، فجاء هذه المرة وبصحبته عشر . وكان بلغ في المرة الأولى موضعا على مسيرة بضعة أميال من العاصمة أسموه لهذا بمرسى الأمريكان ؛ فأراد هذه المرة أن يبلغ العاصمة نفسها لتجرى المفاوضة فيها . وتوسل إليه اليابانيون أن يبعد عن هذا المرسى فى غير اتجاه العاصمة ، فما بلغوا منه مأربا ؛ فلما لم يجدوا لرجائهم نفعا ، طلبوا إليه أن يقلع عن عزمه بلوغ العاصمة ، وأن يرضى بيوكوهاما مكانا المفاوضة . وكانت فى قبالة ذلك المرسى ، وكانت عند ذاك قرية صغيرة ، فرضى بهذا منهم إبقاء على البقية الباقية من الكرامة فيهم .

والآن فلنترك للأمريكيين أنفسهم وصف ما حدث بينهم وبين البابان بعد ذلك . وقد كان وصفه كاتب منهم

على ظهر سفينة من سفن هذا الاسطول ، وبعث به إلى أمريكا فنشرته صحيفة Journal of commerce,New York   ف ذلك العام . قال الكاتب :

" وكان اليوم الثامن من مارس ، وهو اليوم الأول من ايام المفاوضة ، فنزل من السفن إلى الأرض تسعمائة رجل قد أثقلهم سلاحهم اثقالا . وانتظموا على البر

صفوفا على إيقاع الموسيقي الصداحة ، وبين الأعلام الملونة الخفافة ، واستعدوا لاستقبال الكومادور ، فلما ساد السكون نزل الكومادور من السفينة ، ووراءه بطانته من الضباط فى ذيل طويل فما كادت تمس الأرض قدمه حتى دقت الموسيقى ، وأطلقت المدافع ، وادى العسكر التنظيم بالسلاح . ومشى أمير البحر ببطانته بين صفين من الجند حتى بلغ مكان الاجتماع . وكان على الشاطئ وعلى تلاعه من اليابانيين جند كثير ، اخذوا ينظرون مستخيرين مستطلعين ، وكلهم عيون ، وكلهم أسماع " .

ولما فرغ الكاتب من وصف المكان قال : " فلما دخلنا جلسنا إلى طاولة . ثم دخل المفوضون اليابانيون فجلسوا إلى طاولة فبالتنا . ومن ورائنا وورائهم جلس الضباط اليابانيون راكعين . وجرت المفاوضة عن طريق التراجمة . فكان يدقي السؤال منا ، فيصل إلي الترجمان ، وهذا يؤدىه إلي ضابط ، يؤديه من بعده إلي ضابط أعلى منه ، فأعلى ، حتى يصل إلى المفوضين أخيرا ؟

وكلما تهيأ ضابط لأداء رسالته إلى من هو أعلى منه ، حياه بالسجود إلى الأرض .... وقدموا لنا المرطبات ، فكانت شابا ، ثم حلوى مختلفة الأنواع ، وكمكا كالإسفنج . واليابانيون قوم يغرمون بالسكر ويتقنون صناعة الحلوى ؛ وأخيرا قدموا لنا البرتقال وخمرا لذيذة فطمروها من خمير الأرز ، وتعرف عندهم بالصاكى . فكانت مأذبة كأخف ما تكون المآدب ، أبنا منها بالخيبة ،

وقد كنا جياعا . وزاد فى خببتنا أننا كنا نعلم أن البابانيين يأكلون بالعصى ، فأحضرنا معنا شوكات وسكاكين حتى لا نخدع بهذه العصى عن طمامنا . فتصور كم بلغ اليأس منا عند ما لم نجد لحما يقطع أو فرخا يشاك . ولما فرغنا صروا لنا - على عادتهم - ما بقي على أطباقنا من حلوانا لنعود إلى سفننا " .

ووصف الكاتب بعد ذلك لباس اليابانين ، وهى ثياب من الحرير زاهية ، ووصف سلاحهم ، وهما سيفان فى مناطقهم ، ووصف أحذيتهم وهى شباشب من قش يخلعونها على باب الدار ، ووصف شعورهم ، وهم يحلقها من فوق جبهتهم وعلى أم رءوسهم حلقا ، ثم قال :

" وكنا نجلس المفاوضة جلستين فى الأسبوع . وجرى العمل بيننا على نفس الأسلوب أياما ، إلا أنهم زادونا إكراما لما زادوا بأذواقنا علما . وفى جلسة من الجلسات قدمنا إليهم ما حملناه لهم من هدايا حكومتنا .

وتضمنت هذه الهدايا فيما تضمنت أقمشة وأدوات زراعية واسلحة نارية ، وتضمنت قاطرة بخارية تجر عربة ركاب ،

وكاتاهما فى ربع حجمها العادى . وأجرينا القاطرة بعربتها على قضيب اقمناه فى دائرة ، فظلت تجرى فى الدائرة بسرعة ٢٠ ميلا فى الساعة . ونصبنا لهم على الشاطئ تلغرافا طوله ميل وشغلناه . وقد اهتموا لهذا من سائر الأشياء اهتماما كبيرا ، ولكن لم يظهر عليهم عجب منه أبدا . فهكذا هم ، قادرون كل القدرة على إخفاء مشاعرهم والتحكم فيها . فقد امتحنوا على السفن المدافع ،

وامتحنوا الآلات فى تركز واستيعاب ، ولكنهم لم يظهروا دهشة ابدا . إن اليابانين فى قبائل البشر قبيل أدق خلقا من الصينبين ، وفيهم ذكاء وأدب وكرم ، ولكنهم قوم مترخصون فلا يعفون ، وطلاب ثأر فلا ينسون ولا يغفرون " .

وانتهت المفاوضة بالاتفاق . فأمضى الطرفان وثيقة

تضمنت اثننى عشرة مادة .

وجرت المادة الأولى هكذا : يكون بين الولايات المتحده الامريكية واليابان ، وبين قومهما ، سلام كامل شامل دائم ، وصداقة خالصة ، لا يستثنى منها شخص فى الأمتين ولا يخرج منها مكان .

وجرت المادة الثانية  هكذا : يفتح اليابانيون للسفن الأمريكية ميناءى شيمودة وها كورات ، لتتمون فيهما الخشب والماء والطعام ، وكذلك بالفحم وشتى الضرورات مما تستطيعه اليابان . ويفتح الميناء الأول عند إمضاء هذه الوثيقة . ويفتح الميناء الثانى بعد عام من إمضائها .

وجرت المادة الثالثة هكذا : إذا ارتطمت سفن أمريكية على ساحل اليابان ، ساعدتها السفن اليابانية وحملت رجالها إلى الميناءين السالفين وسلمهم إلى مواطنين لهم من الأمريكان يخصصون لذلك. ويرد إلى هؤلاء الرجال ما يكون قد أنقذ من متاعهم . ولا ترد اى من الامتين نفقة تكون أنفقتها فى إنقاذ المرتطمين ، على أى الساحلين وقع الارتطام .

وجرت المادة الرابعة هكذا : ويكون المرتطمون الأمريكان وغيرهم من رعايا الولايات المتحدة إذا نزلوا إلى أرض اليابان أحرارا كما هم فى أى أمة أخرى ، فلا يسجنون ، وإنما يخضعون لعدالة القانون .

وجرت المادة الخامسة هكذا : والأمريكان في الميناءين السالفين لا تطبق عليهم أمثال تلك القيود التي تنطبق فى على الهولندبين والصينيين فى ميناء نجزاكي . فتكون لهم حرية التجوال فى دائرة قطرها سبعة أميال من ميناء شيمودة ، وفى دائرة يحدد قطرها فى ميناء ها كودات بعد زيارة الأسطول لها .

وجاء بعد هذه المادة مواد أخرى ضمنت حرية المبادلة ، بضاعة بيضاعة ، أو بضاعة بذهب أو فضة . وجرت المادة التاسعة هكذا : واتفق الطرفان على

أنه إذا حدث فn المستقبل أن أعطت اليابان لأمة ثالثة رخصا أو منافع ليس فn هذه الوثيقة مثلها للولايات المتحدة ، ولأهل الولايات المتحدة ، صارت هذه الرخص والمنافع رخصا ومنافع للولايات المتحدة توا من غير مشاورة أو مفاوضة .

وقبيل اختتام المفاوضة ، وحين أوشك أن تتم الموافقة ، أولم الكومادور ولمة فى سفينته لليابانيين وكان عددهم سبعين . وجرى فيها على ما يتطلبه العرف الياباني ، فجعل في بطن السفينة مائدة المفوضين من البابانيين والأمريكان ولربابنة السفن ، وجعل على ظهرها موائد أخرى لمن دونهم فى الرتب ، ووصف الكاتب السابق هذه الوليمة قال : " وقد احسن اليابانيون الشهادة بالطبخ الأمريكي بما أكلوه . والشمبانيا أغرموا بها إغراما . وشرب منها أحدهم حتى بلغ به الفرح والمرح

مبلغا عظيما ، زالت معه الكلفة ، فقام يقبل الكومادور ، واحتمل الكومادور هذا التقبيل ، حتى إذا اشتد وحمى وطيسة ، وأخذت شارة الرئيسة على كنفه تدخل فى الصراع ، قام بدفع عن نفسه حر هذه الشفاه الجامحه"

وأعطي اليابانيون للأمريكان ثلاث صور من هذه الوثيقة كتبت كلها باليابانية ، وعليها إمضاآتهم ، واعتذروا عن إمضاء غيرها بأن إمضاءة الياباني لا تلزمه أمام القانون الياباني إذا كانت على وثيقة غير يابانية . وبادلهم الأمريكان صورا كتبت بالإنجليزية وإلى جانبها ترجمتها بالهولنديه والصينيه .

وفى غد اليوم الذى سلمت فيه الوثائق جاءت إلى السفن هدايا كثيرة ، بعضها لرئيس الولايات المتحدة ، وبعضها للكومادور ، وسائرها لرجال أسطوله .

اشترك في نشرتنا البريدية