الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 158الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الاسبوع، لصاحب الإمضاء

Share

علاوة الغلاء

أحسب أني قرأت منذ أيام أن الرقم القياسي لاسعار الحاجات بلغ نحوا من ١٨٥ ، على فرض أنه كان ١٠٠ قبل قيام الحرب الحاضرة ، أي في سبتمبر عام ١٩٣٩ ومعنى هذا أن قدرة النقود علي الشراء هبطت إلي أن صارت ٥٤ في المائة مما كانت ، فكانما الأجور والمرتبات قد أنقصت ٤٦ في المائة من قيمتها الأسمية

ومن أصحاب الأجور والمرتبات الثابتة موظفو الحكومة ومستخدموها . وقد كان الصخب قائما على هذه المرتبات وضخامتها ، فاقترح مقترح أن تنقص ١٠ في المائة ، واقترح آخر أن تنقص عشرين في المائة ، وغالي ثالث فاقترح أن تخفض الثلث ، أعني في ١/٣ ٣٣ % في المائة . ولم يجرؤ أحد ، بل لم يخطر على بال أحد أن يبلغ التخفيض ٤٦ % أبدا . ولكن الأيام استطاعت أن تفعل بالمرتبات ما لم تستطع أن تفعله الحكومات .

ومن حسن حظ الحكومة الحاضرة أن الغلاء جاء تدرجا ، فشرب الموظفون كأسه المرة رشفة رشفة . فكانوا اصبر على مرارته . فلما اخذت حلقاته تضيق على الرقاب فتحبس الانفاس ، جأروا بالشكوى ، فلبث الحكومة الدعاء ، وقررت علاوة الغلاء .

وجعلت الحكومة هذه العلاوة درجات ، بلغت دنياها ٥ % ، وبلغت قصواها ٢٥ % ، وقصرتها على المرتبات التي تبلغ ثلاثين جنيها في الشهر فالتى دونها .

وهذه العلاوة الدنيا ، علاوة ال ٥ % ، تعطي لمن مرتبه بين العشرين جنيها والثلاثين ، إذا كان له ولد

او ولدان . فاذا اعتبرنا مرتب الثلاثين وجدنا هذه العلاوة تبلغ ١٥٠ قرشا ، فيمنها الشرائية اليوم ٨١ قرشا . وإذا اعتبرنا مرتب العشرين وجدنا هذه العلاوة تبلغ ١٠٠ قرش ، قيمتها الشرائية اليوم ٥٤ قرشا .

أما العلاوة القصوي ، علاوة ال ٢٥ % ، فتعطى لمن مرتبه ٣ جنيهات شهريا فما دونها ، على ان يكون له ٢ اولاد او كثر وهذه الثلاثة الجنيهات قيمتها اليوم ٥٤×٣=١٦٢ من القروش . فزيادة ال ٢٥ % ترفع هذه القروش إلي نحو من جنيهين . فصاحبها بعد العلاوة لا يستطيع اليوم أن يشتري إلا ثلثي ما كان يشتريه قبل الحرب . ورجل له زوجة وثلاثة أولاد فأكثر ، وهذا مرتبه ، لا يمكن ان يكون ما يشتريه في العادة إلا خبز يومة وغطاء ظهره ونعل قدمه ، وخبز من يعول وعطاء من يعول ؛ ولا اكاد اقول ونعل من يعول . فهو مع العلاوة لا يستطيع اليوم ان يشتري إلا ثلثي هذا الخبز وثلثي هذا الغطاء . ومعنى هذا انه مع العلاوة سيكون اجوع مما كان قبل الحرب وأعري ، وأن زوجته وأولاده الثلاثة من بنين وبنات ، وهم في سن النمو ، سيكونون أجوع وأعري كذلك .

من أجل هذا عرفت الحكمة في أن حكومة لبنان زادت أمثال هذه الأجور أضعافا ، لا كسورا أرباعا وأعشارا .

ليت شعري لماذا لا تحبس الحكومات أمثال هذه الأجور الصغيرة عن اصحابها ، وتتكفل عوضا عن ذلك ، في هذا القرن ، بإعاشة اجرائها أدنى إعاشة ، وإعاشة من ينجبون ، ما دام أن هؤلاء إنما ينجبون لخدمة الوطن والدفاع عن البلاد ؟

أوليت شعري لماذا لا يعود الرق من جديد ! لقد كان في الرق يعمل العامل ويكد ، ولكنه كان آمنا هي

طعام يومه وطعام غده ولم يكن بعدم دفئا ، ولم يكن مكلفا بعياله ، ولم يخش التعطل أبدا . لقد استعاض الرقيق برقه حرية واسعة ، لكنها حرية التائه في الصحراء الجرداء الواسعة ، له أن يجوب ما شاء من فجاجها ، وان يطوي ما ود من أطرافها . فله الحرية أن يطلب العمل فلا بجده ، وله الحرية ان يطلب الطعام فلا يجده ، وله الحرية ان يجوع ما لذه الجوع ، وأن يعري ما لذه العري ، وله الحرية ان يتخير من الوان المرض ما استطاب ، ومن صنوف الألم الجثماني والألم النفساني ما استعذب ، وله الحرية ان يطارد في الطريق وهو يطلب احقر الارزاق ، وله الحرية ان يتقبل بالرضا وهو في سبيل ذلك اقدر ما تبرزته أفواه السادة الكرام . لقد كنت أعرف من الرقيق ، أو بقايا الرقيق ، من كان ينتفض للاهانة ويستخدم من الهدية خشية أن يكون فيها معني مستور من معاني التصدق والاحسان

على أني ما كنت أقصد إلي أن أتعرض لعلاوة الغلاء من حيث مقدارها ، من حيث كفايتها أو قلتها ، فهذا امر قد يقول بعض الناس إنه موكول لمقدور الحكومة ، وما تستطيع من الأمر وما لا تستطيع . وقد يكون ما يقولون حقا وقد يكون ما يقولون باطلا . وإنما الذي قصدت إليه أولا أن استخرج من هذه العلاوة وما جرى في تقريرها ثلاثة امور جديدة هامة ، لأنها تتصل بالمبادي الاجتماعية والاقتصادية وبالطور الذي تطورته مصر ، وقد تتطور ، من حيث لا تدري

المساواة في التضحيات :

وأول هذه الأمور قصر هذه العلاوات على صغار الموظفين وحرمان كبارهم منها . ولعل من القراء من يذكر انها كانت بعد الحرب الماضية علاوة غلاء عمت

جميع الموظفين دون تمييز بين أصاغر وأكابر . فهذا التغير في عقلية الحكومة تغير خطير ، لأنه يماشي الزمن الحاضر الذي يقول بالمساواة في التضحيات ، والمساواة في الآلام ، إن تكن هناك آلام . والغلاء الحاضر هم الناس جميعا ، وأرهق الميزانيات جميعا ، ميزانية الصغير وميزانية الكبير . ولكنه بينما أكل من شحم الكبير نراه قد أكل من لحم الصغير ومن عظامه ، وليس الذي يعطي من شحمه كالذي يعطي من لحمه وعظامه ؟ بهذا تقول كل الديمقراطيات ، وبهذا أخذت حتي الدكتاتوريات ، وهي اشتراكية في جوهرها وقد أخذت به الحكومة فيما مضى فيما يختص بالضرائب ، ولكنها أخذت ، أخذ المترفق الحذر ، فلم تقتطع من شحم الأثراء شحما كثيرا . وعلى كل حال فالمبدأ عظيم ، والأخذ به تأخر كثيرا ، فلعل الحكومة ماضية فيه بخطى أثبت وجرأة أكبر .

الأخوات المتعطلات

وثاني التعليقات التي أعلقها علي العلاوة تلك التفرقة الخبيثة التى فرقت بها الحكومة بين واجب الموظف نحو أولاده وواجبه نحو أخوانه وأقول خفية لأنها كانت تفرقة سلبية وصلت إليها بأنها لم تذكر شيئا عن هؤلاء الأخوات ، ولم تجعلهن عاملا مؤثرا في تقرير الاعانة والواقع ان مشكلة البنات الأخوات مشكلة من المشاكل الاجتماعية الخطيرة التي لابد ان يكون لها علاج . إن الزمن سيعالجها حتما إذا قصرنا نحن في علاجها فلم لا نعالجها نحن ، ونجعل التطور اختيارا يدل أن يكون اضطرارا ؟ إن روح الزمن الحاضر تقول : إن الرجل الذي لا يعمل لا يأكل . وقضي الزمن كذلك بالمساواة بين الرجل والمرأة وهو سائر في سبيل مساواتها سيرا حثيثا . وهي مساواة في الحقوق ، كما هي مساواة في الواجبات . إذا وجب أن نقول : إن اليد التي لا تعمل لا تأكل كائنة هذه اليد

ما كانت ، وإن اليد التي لا تستطيع أن تعمل يجب أن تتعلم كيف تعمل وهذا مبدأ تطبيقه في ريف مصر هين ، لان كل امرأة هناك تعمل ، ولكن نساء المدن لا تعمل ، ويقضي العرف بأن لا تعمل ، ويقضي العرف بالعار على من تعمل ، ولكنه لا يقول شيئا عن هذه الآلاف المؤلفة من البنات المتعطلات اللاتي يعشن عالة على أخ كثير العيال ، أو حتي على أب مرهق بالأحمال

إن الأمة التي تريد أن تعيش في هذا الزمن الحاضر يجب ان لا نتخلف عن هذا الزمن في أفكارها ونظمها واقتصادها . ومسالة البنات المتعطلات ليست مسألة اجتماعية فحسب ، بل هي أيضا مسألة اقتصادية فتعطيل أيدي الاناث يعطل نصف الأيدي في الأمة ، وتعطيل نصف الأيدي معناه تنصيف الانتاج والأمم الآن في حروبها وسلمها إنما تعيش وتحيا بانتاجها

لقد هزني هزة كبيرة ذلك القرار الذي عرضه المستر تشرشل على البرلمان الانجليزي يطلب تجنيد كل النساء الانجليزيات في الأمة البريطانية ، مما دون العشرين إلي ما فوق الأربعين ، ولا يستثني الأمهات فيما يفيض من أوقاتهن . تصورت عندئذ ما يكون الحال لو تقدم سري باشا بهذا إلي البرلمان

إن العيشة الحرة بين الأمم في هذه الأيام غالية . ولابد من دفع ثمنها مهما علا وغلا ، ولا يغنينا التغافل عن الحقائق شيئا . فالذين يثيرون الماضي ، ويستنجدون بالعرف كلما طلب الاصلاح ، إنما يستنجدون بالأوهام ، ويطلبون المتعة بالاحلام ، وهي متعة الخراف التي ترعي في خمولها على خضرة الحقل الجميلة حينا قصيرا ، ثم تأتيها سكين الجزار .

لقد احسنت الحكومة في إغفال حقوق الأخوات في  إعانة الغلاء إحسانا كبيرا ، فلعل الناس يفهمون مغزاه ،

ويتداركون الأمور بتعليم المرأة لتكون قرينة للرجل فيما يلتئم وطبيعتها من أعمال الحياة المدنية الحاضرة .

العزاب

وثالث التعليقات التي أعلقها على علاوة الغلاء تلك التفرقة التي اخذت بها الحكومة بين المتزوج والأعزب ؛ وقد احسنت الحكومة في هذا ايضا ، فالحقوق والميزات يجب ان توزع وتقسيم على حسب الواجبات ، والموظف والأعزب قد قصر في حقوق الدولة ، لا شبهة في هذا . فالأمم بجودة رجالها ، ولكنها بأعدادهم ايضا ! والأمم حولنا تعد بالملايين الخمسين والسبعين والثمانين والمائة ، وما زاد على المائة . حتى المستضعفون هم بأعدادهم قوة ، مثال ذلك الهند والصين والامة التي نجمع بين الضعف والفلة تجمع بين الأذلين

وقد سمعت من العزاب انتقادا لنظام العلاوة ، فهم يقولون إنهم لم يتزوجوا لانهم يعولون اخوات ، وربما يعولون أيضا آباء وأمهات وقد يكون هذا حقا ، ولكن من الحق ايضا ان من المتزوجين مسن يعولون آباء وأخوات . فاغفال هذه القرابات سوي بين هؤلاء وهؤلاء

وقف الغلاء خبر من علاوة الغلاء

فهذه ثلاثة مبادئ اتخذتها الحكومة في تقرير علاوة الغلاء . وهي كلها مبادئ محمودة .

ولكن أي علاوة للغلاء تنفع إذا لم تصحبها تدابير شديدة لوقف هذا الغلاء ان يتصاعد ، ولم تجد الحكومة إلي الآن التدابير الكافية لوقفه ، غير التسعيرة !

أنصت في الأسبوع الماضي إلي تسعيرة الأشياء التي تذيعها الحكومة على الناس وكان بجواري سيدة اجنبية فضحكت ، فقلت : علام تضحكين ؟ قالت : اضحك من هذا الحالم الذي يخبرنا ان اللحمة بأربعة قروش أو خمسة ،

وأن القماش بكذا ، والدقيق بكذا ، إلي ما هناك من أشياء القوائم ؛ فاما أن يكون هذا المذيع سكران ، وإما أن نكون نحن السكاري .

وقالت : إن الشعب يهمه أن يدفع لا ما يجب أن يدفع . ويهمه إذا دفع وجد الشئ الذي يدفع له . ماذا يهم الجمهور ان يعلم ان تمن المريخ كذا ، ولكن الزهرة كذا ، ما دام أن المريخ والزهرة لا ينزلان إلي الأسواق

وقالت : لو كنت من حكومتكم لنعت هذه الاذاعة ، لأن فيها تشهيرا لا يجوز أن يتكرر كل أسبوع . سمعت هذا ولم أبحر جوايا

وعلى كل حال فقد كانت الحكومة في تقرير هذه العلاوة كيسة في اختيار موعد التنفيذ . ذلك انها قرنتها بإنزال قرض القطن إلي السوق . وقد سحب هذا القرض من التداول بضعة ملايين من الجنيهات ، وبسحب هذا المال من السوق سيقل ما بقي منه في ايدى الناس . وبسبب قلته ترتفع قيمته ، وتزيد قدرة النقود على الشراء فيقل الغلاء

وقد اقتدت الحكومة المصرية في هذا بسائر الحكومات ، لاسيما الحكومة البريطانية . فالحكومة البريطانية لجأت إلى القروض من الشعب لأغراض ليس من أقلها تقليل المال الذي تتداوله ايدي الناس ، وعمدت إلي هذا الغرض إعلانا وفي غير خفاء ؛ ولكنها لجأت إلى أساليب أخرى يكون من الاسراف أن ترجوها من حكومتنا ، أو من أى حكومة مصرية سابقة أو لاحقة ، ما بقيت تجارة البلد في أيد غير ايديها ، وما دام أن هذه التجارة تدور لغير صوالح أبنائها ، وما دامت هذه التجارة تحتمى بالقانون المصري ما تحمى صوالحها ، فإذا جري القانون بغير هذه الصوالح ، التمست لنفسها غير هذا القانون حاميا .

اشترك في نشرتنا البريدية