جلست الأستاذ تشرب فنجان القهوة في حجرة الأساتذة العامة ، وقد بدا عليها شئ من الإعياء والضيق . ثم انطلقت تقول : ستقر عيني حينما تنتهي " دوشة " الامتحانات إنها أشق علي من المحاضرات .
قلت ، وكنت جالسا بالقرب منها : ألما تفرغوا بعد من تقدير الدرجات ؟ قالت : ليت المسألة اقتصرت على تقدير الدرجات ؛ إننا نكتب كذلك تقريرا عن كل طالب وطالبة ، وعلى هذا التقرير يتوقف المصير . قلت : أفهم هذا جيدا ، فأنتم في قسم الدراسات الاجتماعية الاجتماعية ، تعدون مشرفين اجتماعيين ومشرفات ، وزائرين وزائرات . ولا بد من تقدير الناحية العملية لكل طالب أو طالبة عند التقدير العام .
الأستاذة : الأمر كذلك . وهنا صعوبة من أض الصعوبات ؛ فلا تحسبن الآراء تتفق دائما في تقدير الناحية العملية لكل طالب ، لأن هذه أدق من تقدير الجواب التحريري ، ولكل استاذ ذوقه ومذهبه .
قلت : إن نتائج الامتحانات - عملية كانت أو نظرية - ستظل دائما موضع الخلاف ، لا سيما إذا كان التقدير فيها ذاتيا ، وهذا شأن كل فن أو بحث ليس له قواعد علمية محددة . وكثير من الدراسات الاجتماعية لم تقنن مقاييسها بعد . ولكن كيف حال الطالبة فلانة في الامتحان ؟
الأجنادة : فلانة ! أنت تعرفها خير معرفة . وفي مكنتك أن تحكم على قدرتها .
أنا : أما قدرتها في المواد النظرية فهي عندي من الممتازات ، ولكي أسأل من الناحية الأخرى ، الناحية العملية ؛ إذ أخشى ألا تكون موفقة فيها .
الأستاذة : لخشيتك هذه نصيب كبير من الصحة . فهي - كما عرفت مما كتب عنها من تقارير - غير صالحة لمهنة الخدمات الاجتماعية . ولذلك يتجه الرأي إلى أن تمنح الشهادة وينص فيها على ذلك .
أنا : لست أفهم ما تقولين ؛ طالبة أمضت في قسمكم ثلاث سنوات ، تدرس وتتمرن ، وقد نجحت في كل سنة من السنتين الماضيتين ، تقولون لها في هذه السنة : أنت فاشلة في الناحية العملية .
الأستاذة : رويدك ، ودونك فكرة عن هذه الطالبة . لقد قلنا لها في نهاية السنة الأولى إننا غير مطمئنين إلى مستواها العملي ، ولكنا لم نشأ أن نحرمها الاستمرار في الدارسة لمجرد هذا الشك ، لاسيما وكانت قد أمضت عندنا سنة واحدة . وفي آخر السنة الثانية وجدناها لم تتحسن في الناحية العملية ، فأنذرناها إن هي أرادت الاستمرار في الدراسة إلى النهاية تحملت عاقبة هذا الضعف ، واقترحنا عليها أن تنتقل إلى دراسة أخرى نظرية محضة ، فآثرت البقاء في دراستها على عهدتها .
قلت : إن الفتاة ذكية ومجدة ، ولهذا ولا شك أثره في اتقان العمل ، والقيام به على أساس من المعرفة الصحيحة
قالت السيدة : إن جوهر الخدمات الاجتماعية - كما تعلم - هو التفاهم والعطف على من تحاول توجيهه وإصلاحه وتنازل كل حالة بما يناسبها من حدب ولباقة . والخدمات الاجتماعية تتناول مشاكل بشرية ، فهي تحتاج إلى فهم للنفسيات المختلفة وظروفها ، وإلى الترفق في معالجة هذه الحالات وقيادتها . وعلاج هذه المشاكل والعلل فن وعلم معا ، ولا تكفي معرفة العلم . وليس كل عالم اجتماعي فنانا اجتماعيا مصلحا ، وكم مصلحين اجتماعيين ومرشدين لم تخرجهم مدرسة .
قلت : ومصير هذه الفتاة بعد السنوات الثلاث في المدرس والعمل والتحصيل ؟
الأستاذة : ستمنح الشهادة ، وينص فيها على أنها فشلت في الناحية العملية من الدراسة .
أنا : وما قيمة هذه الشهادة بهذه الصورة ؟ الأستاذة : تحصل بها علي عمل في أي مصلحة من مصالح الخدمة الاجتماعية ، أو في جمعية من الجمعيات أو مؤسسة من المؤسسات الاجتماعية أو الشركات .
- قلت : وكيف تفيد بهذه الشهادة ، وفيها نص الفشل ، إنها سوف لا تؤهلها لعمل .
الأستاذة : يظهر أنك لا تعرف نظام التوظف عندنا ، إن مثل هذه الفتاة تمنح من الوظيفة ما يعادل وظيفة زميلتها الناجحة في التمرين العملي ، إلا أن الأولى لا تعمل بعد التوظف في الخدمات الاجتماعية المباشرة ، ولكن تقوم بوظيفة إدارية ، في ميدان الخدمة الاجتماعية ، تتصل بدراساتها
التي نجحت فيها . وسوف تنتج في عملها هذا انتاجا موفقا كما كانت موفقة فيه أثناء الدراسة .
أنا : ومرتبها ! السيدة : سيكون مرتبها كزميلتها الناجحة ، وإن كانت فرص الناجحة في الترقي أكثر من صاحبتنا . أنا : هذا غير عدل . كيف يستوي مرتب هذه ومرتب تلك ؟ .
الأستاذة : المرتب في هذه البلاد لا يطرد مع المؤهلات ، وإنما يتوقف على العمل والإنتاج . ألا تعرف أن كناس الشارع مرتبه عندنا أكبر من مرتب بعض المدرسين في المدارس الابتدائية والثانوية ؟ إن الأساس في المرتب أن يكفل للعامل وأسرته عيشة مريحة . ولهذا لا يصح أن يقل عن قدر معين تحدده نفقات المعيشة . ولو قارنت مرتب الكاتبة على الآلة بمرتب الممرضة أو الزائرة الاجتماعية ، أو العامل في مصنع النسيج ، أو سائق السيارة لوجدت الفرق بينهما قليلا بالرغم من اختلاف الثقافة ومدة الإعداد والدراسة . إن كلا من هؤلاء يؤدي عملا نافعا يستحق من أجله أجرا يعيش به هو ومن يعول .
قلت : وإذا فلا خوف على صاحبتنا هذه أن نوصد أمامها أبواب العمل .
الأستاذة : كلا . إن ميدان العمل متسع . والشهادة التي ستمنحها الطالبة تبين نواحي قوتها ونواحي ضعفها . وستجد عند التوظف من العمل ما يناسب نواحي القوة عندها . إن الخطر في أن يوكل إليها من العمل ما فشلت فيه أثناء الدراسة .
قلت : وهل لهذه الغاية تكون الامتحانات ؟ قالت : نعم هذه إحدي غاياتها ؛ إنها تبين ما عند الممتحن من النواحي الصالحة فتستقل أو تنمي ، كما تبين درجة تقدمه أثناء مرحلة الإعداد المهني ، فيوكل إليه في المجتمع ما يناسبه من عمل .
وهنا كانت فترة الاستراحة قد انتهت . وهمت الآستاذة بالإنصراف فانصرفت ، وفي ذهني تتردد العبارة : " نظام معقول "
( جامعة مانشستر)

