الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 210 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الحرب، ١ - الأساطيل البحرية

Share

سبق ان كتبنا في مقال سابق شيئا عن أعمال الطائرات وأنواعها المختلفة في الحرب الحالية ، وأوضحنا ما سيكون لسلاح الحو من أثر فعال حاسم في نتائج هذه الحرب

ولقد أصبحت أعمال وحركات الأساطيل وثيقة الارتباط بفعال الطائرات ، التي سهلت عمل الأساطيل باتساع الرقعة التي يمكن للطائرة أن تبسط الرؤية عليها ، وتكشفها وتمسحها في وقت قصير ما كان لسفن الأسطول ان تدركه إلا في ساعات طوال ، فالطائرة يمكنها في جو معتدل لخفة حركتها وسرعة طيرانها أن تكشف في نصف ساعة مساحة كبيرة من سطح البحر تعادل ما تمسحه خمس مدمرات مجتمعة معا في يوم واحد .

كما أن الطائرات قيدت حركات الأساطيل ، فبعد أن كانت سفنه تحاول تجنب ما يصيبها من قنابل السفن والغواصات المعادية ، اصبحت تخشى ما تستهدف له من أخطار القذائف التي تمطرها عليها الطائرات من الجو . ولنقصر حديثنا في هذا المقال عن بعض أعمال الأساطيل البحرية لنلم بشيء من حركاتها في الحرب

فالمواقع البحرية الحربية التي نلتمسها خلال الأخبار اليومية هي اقرب شبها بلعبة الشطرنج، فالبوارج والسفن الحربية الموزعة فوق سطح المياه هي قطع الشطرنج ، ورجال الأميرالية هم اللاعبون الذين يحركون هذه القطع وفق الخطط المرسوية

وعلي الأميرال ، أي قائد المعركة ، تفهم كل حركات خصمه في كل لحظة ، وليس ذلك لحماية بوارجه وسفنه

فحسب ، بل ليقدر الخطوة التالية التي عليه أن ينفذها ، إما لتحسين مركزه أو لايقاع الخسارة بقطع العدو ومنعه من إصابة أهدافه

ويجد لاعب الشطرنج متسعا من الوقت للتفكير في وضع خطط دفاعه وهجومه ، ولكن اميرال الإسطول عليه ان يفكر بسرعة في كل لحظة ، وان ينفذ أفكاره بسرعة أيضا

وتتسع الرقعة التي تتحرك فيها قطع الأسطول من الجانبين - أثناء المعركة لدرجة كبيرة ، فتكون القطع متباعدة لحد يصعب رؤيتها بسهولة ، ولكن على الاميرال بأن يقود المعركة وهو مدرك تماما مكان كل قطعة وخط سيرها وتحركها ، كما ان عليه أن يدرك اماكن قطع خصمة ، وإن كان هذا يتعذر عمليا ، إلا أن ذلك يعطيه صورة واضحة عن سير المعركة

وتساعد الاميرال علي ذلك لوحة كبيرة موجودة في غرفة خططه ، مبين عليها أماكن واتجاهات وسرعة كل قطعة من أسطوله

ومن هذه الغرفة يصدر الأميرال أوامره التي يتوقف عليها سير ونتيجة المعركة كما انه ينافي كل ما يرد له من أخبار ، مهما كانت صغيرة ، من أي قطعة من بوارجه أو مدرعاته أو مدمراته أو طائراته الاستكشافية

وتوجد هيئة مدربة من الضباط البحريين مهمتها اقتراح الخطة التى يجب اتباعها فورا وفق المعلومات التي تصلهم كل دقيقة .

ويقف الضباط والرجال البحريون الموجودون في كل قطعة من الأسطول علي ما يجري حولهم من المعركة على الجزء المخصص لهم في رقعة اللعب ، وعليهم ان ينفذوا بدون أي تمهل ما يصدر إليهم من اوامر من ظابط القيادة فهو وحده لديه معلومات عن سير الحركة عامة بتفاصيلها .

ويختلف مركز ضابط القيادة في وحدة الأسطول عنه

في الجيش ؛ في الحالة الأولى يكون مركزه في قلب منطقة القتال التي يتعرض فيها هو ورجاله لأشد الأخطار ، بينما يكون مركز زميله في القيادة في الجيش خلف الصفوف المقاتلة يصدر أوامره ليحركها للوجهة التي يراها .

وتصدر الأوامر الخاصة بإطلاق النيران وكذا  كل المناورات من غرفة الخطط ويلخص عمل الأميرال في أنه يحاول أن يتصيد كل قطعة من قطع خصمة لتكون تحت رحمة نيرانه ، فإذا فشل في ذلك امكن لبعض قطع العدو أن نقلت وتسدد إصابتها نحوه

ويزيد في صعوبة مهمة ضابط القيادة في أي سفينة حربية أنه يتلقي بإستمرار في كل لحظة أوامر من غرفة القيادة العامة تتغير موضعه أو مكانه ، وأن عليه أن يكون سريع التنفيذ

ويكون الأسطول من أنواع مختلفة من السفن الحربية ، ولكنا منها واجبات خاصة تؤديها ، ويتوقف مكان أي سفينة في تحركها علي نوع العمل الذي تقوم به .

فالمدرعات Cruisers- هي عيون أي كثافات الأسطول المتحركة ، فهي تنتشر في المقدمة تكشف الطريق ، وتجمع كل ما يمكن من المعلومات عن سفر العدو كما أنها تحاول في الوقت نفسه منع مدرعات العدو من التسلل لجمع معلومات عن قطع الأسطول

وللمدرعات مهمة اخري هي أنها تتعقب سفن العدو حين تبغي الارتداد دون قتال ويساعد علي اداء وظيفتها هذه أنها سريعة الحركة

وقد تسبح الغواصات بين المدرعات والبوارج لتتصدى لأي قطعة من سفن العدو إذا حاولت الإفلات من كشافات الأسطول

وتتخذ البوارج Balleships  لنفسها مكانا في وسط رقعة اللعب ، أما المدمرات فإنها تحيط بالبوارج لتكون

كستار واق لها عندما تطلق الأخيرة قذائفها .

كما أن للمدمرات Destroyers وظيفة مواجهة هجمات غواصات العدو ، وان تبث طور ببدلتها الموجهة نحو مدمرات العدو

وعند ما تقترب بوارج الجانبين المتحاربين من مدي قذائف كل منهما تنسحب المدمرات حتي لا تكون هدفا للاصابة بقذائف المدافع الثقيله

من هذا يتبين موضع كل قطعة من سفن الأسطول على رقعة اللعب قبل بدء القتال .

وتوجد تشكيلات متنوعة وعديدة لتحرك سفن الأسطول ، ويعتبر الكثير منها سرا من أسرار الأميرالية البحرية ويتوقف مهارة ونجاح ضابط القيادة في استخدام التشكيلة المناسبة في اللحظة المناسبة ، وغالبا ما يستغرق التغيير من تشكيلة لأخري وقتا لا يزيد على العشرين دقيقة

وتسير السفن الحربية عادة إما علي شكل خط طولي ، أي الواحدة في إثر الآخرى ، وفي هذا الوضع تكون القطع معرضة لخطر الغواصات ، وإما ان تسير في شكل

خط عرضي ، أي الواحدة بجوار الآخر ، وفي هذا الوضع يقل عدد المدافع التي يمكن تصويبها نحو سفن العدو

وغالبا ما تتخير قطع الأسطول عند سير معركة ما

تشكيلة تجمع بين الوضعين ، فتقلل بذلك ما أمكن من أهداف الغواصات ، حيث يكون كل صف منها ستارا

يحمي الذي يليه ، كما انه يمكنها بسهولة وسرعة تغيير وضعها للوضع الطولي استعدادا للقتال

ومن أهم الأعراض التي يبغي تحقيقها ضابط القيادة ان يقوم بمناورات تساعده على تسديد كل قذائف سفنه في وقت واحد ، بينما يتخذ من سفن العدو القريبة منه ستارا يحفظه من قدائف باقي هذه السفن ، وبهذا يمكنه ان يعطل عددا من قطع العدو ، حتى من قبل بدء الحركة

ومن الرسم يتبين معني ذلك ، فالسفن المظللة يمكنها تركز قذائفها بشدة علي سفن العدو الأمامية غير المظللة

أما العدد الباقي منها فيتفرغ له فيها بعد ، وتبقى هذه السفن غير المظللة في وضع يعطلها من تصويب قذائفها

وعند ما يظهر لاميرال الأسطول أن الحركة ليست في مصلحته يحاول في الحال سحب أسطوله ، ويقوم بعملية بث الألغام في طريق البوارج المطاردة ، بل يمكن ان يسدد نحوها طور بيدا ، وعادة ما يكون إصابة الطوربيد محققه حينما يطلق تجاه سفينة تقترب منه في مساره ، بخلاف ما لو اطلق نحو السفينة وهي تتباعد عنه

ويتوقف - على أي حال - نجاح أميرال البحرية على سرعته في إرسال الأوامر لكل وحدة من وحداته ، ويعتمد في إصدار اوامر على طرق التخاطب بالإشارة المختلفة ليبقي علي صلة دائمة ببارجة القيادة قبل وخلال المعركة .

وقد يظن أن اختراع التلغراف اللاسلكى أمكن به الاستعاضة عن طريقة التخاطب بالسيمافور ، ولكن في زمن الحروب لا تقل اهمية استخدام طريقة السيمافور عن التلغراف اللاسلكي إن لم يكن أهم منها ، فالأجهزة نفسها والهوائي تكون عرضة للاصابة بقنابل العدو ، كما أنه يمكن احداث اضطرابات صوتية تعطل سبيل التفاهم

ورغما من أن إرسال الرسائل يكون عن طريق الشيفرة بمصطلحات سرية ، فان هذا يهدي العدو إلي معرفة مكان السفينة التي تصدر هذه الرسائل وقد سبق أن ذكرنا أن المدمرات الحربية تتخذ لنفسها مكانا بين المدرعات المتقدمة وبين القطع الكبيرة ، فهي تؤدي وظيفتين : الأولى انها تقف كستار واق للقطع الكبيرة ؛ والثانية انها تتلقي التشكيلات المختلفة للرسائل البصرية عن طريق السيمافور وتنقلها إلي القطع الكبيرة

وعندما تكون المسافات كبيرة بين بعض القطع وبعضها تستعمل إشارات ضوئية للتخاطب بواسطة فتحات تسد وتفتح لتحدث ومضات ضوئية ، وتبلغ بارجة القيادة عادة

تعليماتها لبقية السفن عن طريق التخاطب بالأقلام .

وعند ما تقترب المدرعات التي تسير في المقدمة من سفن العدو يبلغ ذلك فورا بإشارات لاسلكية ، في حين يتعذر علي سفن العدو استخدام اللاسلكي حتي لا يكون ذلك سبا في تحديد مواقعه

ومهمة رجال اللاسلكي بكل قطعة من قطع الأسطول استقبال وإرسال مئات التقارير والتعليمات المتداولة بين السفن وبعضها ، كما انها تحاول التقاط الرسائل اللاسلكية المنبعثة من سفن العدو

(له بقيه)

اشترك في نشرتنا البريدية