ومن المهام الملقاة علي جوانب الأسطول أيضا حماية القواعد التجارية ، ويتوقف عدد المدمرات أو البوارج البحرية التي تحرس قافلة ما علي عدد البواخر التي تتولي حراستها . وتتلقي عادة هذه البواخر التعليمات الخاصة بإبحارها من ميناء معين بمفردها في موعد خاص ، ثم تتلاقي مع البوارج الحربية المكلفة بحراستها . وغالبا ما تسير البواخر التجارية الواحدة في إثر الأخرى علي شكل صفوف متوازية ، وتحدد سرعة القافلة بسرعة أقل باخرة فيها .
وعند ما يحل الليل يتحتم عدم إنارة أي اضواء بالمرة ، بل يحاكم أي شخص يشعل سيجارة فوق ظهر أي سفينة .
ويجب على ريان كل سفينة السير بالسرعة المحددة له بالضبط منعا من حدوث أي تصادم ، وبخاصة في الليل لشدة الإظلام التام ، فإذا زادت سرعة أي سفينة علي المقدر لها كانت عرضة للتصادم مع السفينة التي أمامها . وإذا نقصت من سرعتها المحددة لسيرها صدمت بمؤخرتها السفينة التي تسير في إثرها
ويخصص بعض الضباط ، سواء علي السفن الحربية او التجارية ، للمراقبة ، وهي عمل شاق ؛ ويجب ان تكون لمدي دائرة نصف قطرها نصف ميل من مقدمة او مؤخرة السفينة ، أو لبعض مئات من الباردات على جانبيها .
ويكلف الركاب في بعض البواخر التي تنقل المسافرين
مهمة المراقبة بنظام دوري ، وقد اشترك بالفعل في مهمة المراقبة بعض المصريين الذين حضروا من إنجلترا عن طريق جنوب إفريقيا .
وتوجه المراقبة بصفة خاصة نحو الغواصات المعادية . التي تزحف عادة نحو القافلة على بصيص نور الفجر الضعيف ، حتى تتلمس صيدها مختفية عن المدمرات ، وإذا حدث ولم تكن المراقبة دقيقة ، وتمكنت إحدي الغواصات من التسلل بين القافلة ، فإنها تصيب بطور يعد منها هدفها ، وفي هذه الحالة تطلق السفينة التي أصيبت صفارة إنذار قوية علامة على أنها دمرت ، فتنتشر بعيدا سفن القافلة ، وتتسابق المدمرات نحو مركز الإصابة لتحيط به على شكل دائرة ، محاولة اقتناص الغواصة لنسفها بالكثير مما تسقط من الغام الأعماق ؛ ولا يكتفي بهذه الألغام التي تلقي على مساحات واسعة لضمان اصابة الغواصة ، بل إن رجال المدفعية يكونون على استعداد لإطلاق مدافعهم عند مشاهدة اي اثر يدل على مكان الغواصة وهي تتحرك تحت سطح الماء ، فإذا وقعت الفريسة فيما نصب حولها من شراك كان بها ، وإلا فان القافلة تستأنف سيرها ، وتترك مهمة البحث عن الغواصة ومطاردتها لبعض الطائرات .
واخطر ما تتعرض له القوافل هو من فعال الغواصات ، أما هجمات الطائرات فهي نادرة ، وذلك لما تلقاه من إصابات كثيرة من المدافع المضادة الي تكون دائما على استعداد لتكبيل طلقات مستمرة نحو الطائرات المهاجمة .
وكما ان الأساطيل او القوافل تتعرض لخطر الألغام المبثوثة في جوف المياه ، والتي تبقى مثبتة ساكنة في مكانها ، إلي ان تتصيد فريستها وتتلمسها بوسائل مختلفة ، سيأتي ذكرها مختصرا فيما بعد .
وتستخدم الألغام عادة لغرضين ، الأول : هو حماية المياه الإقليمية والموانئ ؛ والثاني تعطيل حركة سفن
الأعداء في مداخل موانيه ، فتصبح الملاحة خطرة بإختراق هذه المناطق
وتبث الألغام في المناطق المحددة لها بسفن أو غواصات
أو طائرات خاصة لذلك . ولما كان حجم الألغام كبيرا ضخما ، لما تحويه من هواء يكفي لطفوها قريبا من سطح الماء بالإضافة إلي ما يوجد بها من شحنات مفرقعة قوية ، فان طائرات بث الألغام لا يمكنها أن تحمل أ كثر من لغمين ممغطسين في وقت واحد ، علي ان تقترب الطائرة من سطح الماء وتسقط الواحد بعد الآخر وإلا فانها تلقي باللغم ، ويكون به " براشوت " يفتح آليا عند اقتراب اللغم من سطح الماء
ولضمان سلامة السفن أو الغواصات التي تبث الألغام من الألغام نفسها ، يوجد عادة لكل لغم مثبت غاطس يصحب اللغم إلي قاع البحر ، ويعمل كهلب السفينة وعند ما يسقط اللغم مع الغاطس للقاع يطفو بمفرده إلي أن يصل قريبا من سطح الماء للارتفاع المحدد له ، ويضبط ذلك السلك السميك الملفوف والموجود بالغاطس
ويوجد لأغلب الألغام نتوءات بارزة من السطح العلوي ، وتتصل بمفجر ، فإذا اصطدمت سفينة بأحد هذه
النتوءات انفجر اللغم ونسفت السفينة في الحال
أما في حالة الألغام المغطسه ، فإنها تنفجر دون ملامسة السفينة . ولفهم طريقة ذلك يجب ان نفهم شيئا عن المغناطيسية الأرضية ، فمن المعروف ان الصلب الذي تصنع منه السفن يكتسب شحنة من المغناطيسية الدائمة تختلف وفقا للمكان والوضع الذي تبني فيه السفينة .
فاذا مرت سفينة بالقرب من أحد الألغام الممغطسة المتصل بمفجره أبره مغناطيسية ، تهتز الإبرة من أثر الشحنة المغناطيسية التي بالسفينة ، ويميل اللغم متجها ناحية السفينة ، ويكون لهذه الهزة أثر في قفل دائرة كهربيه يتفجر منها اللغم
ولقد بدأ الألمان باستخدام هذا النوع من الألغام في الحرب الحالية ، وكانت مفاجأة غريبة ، غير ان العلم لا يقف مكتوفا امام مشكلة تواجهه ؛ فقد التقط احد هذه الألغام بالقرب من جزء من شواطئ انجلترا ، وعكف على فحصه ودراسة تفاصيل تركيبه رجال من مصلحة الالغام التجريبية بإنجلترا ، وتوصلوا بعد عمل متواصل إلي معرفة سر صنعه ، وأمكن بذلك التوصل إلي طريق علمي للتخلص من ضرره ؛ ويتلخص ذلك في تفريغ شحنة المغنطيسية التي تحملها الباخرة ، بأن يعلق سلك سميك مشحون بشحنة كهربية حول الباخرة ، ليمنع من تأثير المغناطيسية علي الإبرة الموجودة باللغم
وتقدم الألمان بمفاجأة اخري أخيرة ، وهي انهم يستخدمون الغاما صوتية ؛ وتتلخص نظريتها في أنه يوجد للغم الواحد منها بوق حساس ، يلتقط اصوات المحركات بالباخرة فيهز لها ، وتحدث ذبذبات تختلف باختلاف قرب أو بعد محرك الباخرة منه ، ويترتب على ذلك اتصال آلي في جهاز اللغم فيحدث الانفجار
وتطهر المناطق التي يوجد بها ألغام ، ضمانا لسلامة القوافل أو سفن الاسطول ، بواسطة سفن خاصة هي
كاسحات الألغام . وهناك طريقتان لاكتساح الالغام
ففي المياه الضحلة يثبت سلك بين سفينتين من كاسحات الألغام ، ويتحرك تحت سطح الماء في اتجاه سير السفينتين ، فإذا صادف مسلكه لغما معلقا بسلك قطعه ، وترتب على ذلك ارتفاع اللغم وطفوه على سطح الماء فيدمر برصاص البنادق أو مدافع الماكينه .
أما الطريقة الثانية فيقوم بتنفيذها باخرة واحد بمفردها ، وطريقة ذلك ان يثبت السلك الكاسح بطرفي السفينة بطريقة تبعد حركته عن السفينة الكاسحة نفسها ، وزود هذا السلك بجرارة حادة قاطعة تقطع كل ما يصادفها من سلوك الألغام المثبتة كما هو واضح في الطرف الأيسر للرسم أعلاه
وعندما تعمل كاسحات الألغام ترفع فوق ساريتها ثلاث كور لونها اسود ، محذرة بذلك باقي السفن لتبتعد من الاخطار المحيطة بها ، كما ان رجالها يرتدون ملابس الإنقاذ باستمرار وقت عملهم
وأخيرا يتوقف نجاح أي سفينة حربية أو تجارية ، أيا
كان نوعها، على مهارة ضابط القيادة او مساعديه الذين يتولون شئون الملاحة في تعرف المكان الحقيقي الذي تسير فيه السفينة ؛ وعلى ضابط القيادة أن يتفادي المناطق الوعرة الخطرة ، سواء اكانت طبيعية كالصخور او الرمال . أم غير طبيعية كالألغام ؛ ويساعدة على تعرف الاماكن التي يجتازها وكذا تحديد موقعه بالضبط احدث الوسائل من آلات الملاحة ، فهناك البوصلة البحرية -Gyroscopie Compass التي لا تتأثر بمغناطيسية السفينة ، وهناك أجهزة لاغطات الأضوات لقياس الاعماق ، وهناك آلة السدس وغيرها .
وقد يظن لأول وهلة من الناحية النظرية أن الاعتماد على تطبيق هذه الآلات يجعل الملاحة امرا يسيرا ، ولكن الحسابات التي تجمع منها تكون مليئة بالأخطاء العجيبة .
فقد يهب ريح قوي أو تؤثر تيارات الماء غير الثابتة على السفينة فتنحرف عن طريقها ويجد الربان نفسه في نقطة غير التى يقصدها نتيجة اعتماده على البوصلة وحدها .
وأضبط الطرق التي يتبعها لتحديد مكانه بالضبط هو أن يتخير نقطتين ثابتين على الأرض من النقط المعروفة أو المميزة والمبينة بالخرائط التي عنده ، وإذا تعذر ذلك يلجأ إلي الشمس أو احد النجوم المعروفة ، وفي الحالة الاولي يجعل السفينة رأسا لزاوية ضلعاها ينتهيان بالنقطتين الثابتتين ؛ وفي المرة الثانية يجعل الضلع الاول للزاوية ينتهي بالشمس أو النجم ، والضلع الثاني مع سطح البحر ، ويساعده في قياس الزاوية آله السدس وبذلك يمكن للريان تحديد موضع السفينة بالضبط .
ويحسن أن نعود للماضي قبل أن نختم هذا المقال ؛ ففي الحرب يتطور وينتفع بكل المخترعات العلمية لاقصي حد ممكن ؛ ولما كان اساس الحرب السرعة ، فقد
تطور أساليبها ؛ فقد كانت المواقع البحرية تدار بالمراكب الشراعية ، وكان قائد المعركة مقيدا ويخضع في تنفيذ خططه لعوامل الريح ، ولكن ، استخدم البخار في إدارة الاساطيل البحرية فزادت سرعة السفن الحربية ، فبعد سرعة ٤٠ ميلا في اليوم - وهو متوسط سرعة المراكب الشراعية - زادت السرعة إلي ٤٠ ميلا في الساعة ؛ كما زادت حمولتها ، فبعد ان كانت لا تعدو الألف طن ( وهي أكبر حمولة لاكبر يارجة في الحرب الأسبانية الانجلزية) ، أصبحت آلافا مؤلفة ( ٤٢٠٠ طن للطراد)، وهذه الأطنان الثقيلة تضم أثقالا كبيرة من القذائف
وزالت دولة الفحم وازاحة البترول عن عرشه ، واكتشف المحرك ذو الاحتراق الداخلي ، وآلات الديزل ؛ وكلها ادوات تحقق جنون السرعة التي ينشدها الإنسان ، ولا نعلم ماذا سيكون نصيب العالم منها .

