الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 168الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الحرب :، حرب الطائرات

Share

لقد أصبح الهجوم بالطائرات ، سواء على الأهداف العسكرية أو المدنية ، مظهرا ملموسا من مظاهر هذه الحرب الحالية ، وأصبح سماع صفارات الانذار أمرا عاديا ، قد ينذر بشر مستطير ، وقد تمر الطائرات بسلام لغرض استكشافي

والطائرات عندما تبغي هجوما نحو هدف معين ، تهجم عادة على شكل سرب لا يزيد عن خمس وعشرين طائرة ، وتتتابع موجات الأسراب متتالية علي فترات متقطعة الواحد تلو الآخر ، ويحاول كل سرب أن

يكمل ما فات السرب الذي سبقه ، أو أن يزيد من شدة الاصابات .

وكثيرا ما توجه هذه الطريقة الموجية نحو مراكز متعددة في وقت واحد لتشتيت الجهود الدفاعية ومنعها من تركيز انتباهها في الدفاع عند نقطة واحدة .

ويتكون السرب عادة من قاذفات قنابل مثقلة بما تحمل ومن طائرات مقاتلة تحمي القاذفات وتسهل لها مهمة إلقاء القنابل على الأهداف التي تقصدها .

قاذفات القنابل :

في الوقت الذي لا يمكن للطائرة المطاردة ذات المقعد الواحد البقاء في الجو أكثر من ساعتين ، نجد ان قاذفة القنابل يمكنها البقاء برجالها في الجو لمدة عشر ساعات ، معرضين لبرودة شديدة ناشئة عن ارتفاعهم لمسافات عالية

ومهمة قاذفة القنابل هي الاهتداء لهدفها وإلقاء القنابل عليه ، والواقع ان الاهتداء إلى هدف على بعد مئات الأميال من قاعدة الطائرة ، وشق الطريق إليه ليلا في الظلام ، مع عدم وجود اجهزة راديو تساعد الطائرة

على تحديد الموضع في الظلام الدامس الناشئ عن إطفاء الأنوار في البلاد المقصودة ، كل هذا يجعل الوصول إلي الهدف صعبا ويحتاج إلي مهارة فائقة

ويساعد أفراد الطائرة على الوصول إلي أهدافهم و تعاون رجالها تعاوناً تاماً , ومعرفة الملاح الجوي الذي بالطائرة طريق سيره ؟ فعليه قبل مغادرة المطار ان يعمل حساب التغيرات التي تقابلة في الطريق ، وان يدرس الطريق الذي سيخترقه من ماء او ارض ، وان يعرف جميع نقط

المطاردة والمدافع المضادة التي عليه أنت يتجنبها وان يكون مزودا بالمعلومات التي تقدمها طائرات الاستكشاف .

وأهم ناحية أخري تستحق منه العناية دراسة حالة الأرصاد الجوية ، ومنذ بدأت الحرب الحالية تعتبر التقارير عن الأرصاد الجوية من الأمور السرية التي يجب عدم إفشائها ، مع أنه كانت تذاع قبل الحرب من محطات الاذاعة الأجنبية التنبؤات بحالة الجو التى تعدها محطات الارصاد الكثيرة الموجودة في إنجلترا وألمانيا

وسائر بلاد العالم لهذا الغرض

ولنضرب مثلا نبين فيه أهمية التغيرات في حالة الجو ، وما تحدث من معاكسات للطيار ما لم يتداركها ! فالريح إذا تغيرت أو اشتدت بحيث كانت تهب عمودية مثلا علي خط سير الطائرة ، فإنها تبعد الطائرة عن قصدها وتسبب لها انحرافا كبيرا يترتب عليه إصابة نقطة اخري خلاف الهدف المقصود ، ما لم يكن الطيار مدركا لتغير سرعة الريح ، فينحرف بطائرته بزاوية مخصوصة تمحو أثر سرعة الريح ، فيصيب الطيار هدفه تماما

فحين تقوم الطائرة من المكان ! في الرسم قاصدة مكان لضربه , فان خط سيرها يكون محددا في الاتجاه أ ب ، أما إذا تغير اتجاه الريح وكان عموديا على جنب الطائرة ، فان الطائرة تصل إلي نقطة ح بدلا من ب ، ويترتب على ذلك إصابات خاطئة غير مقصودة

ومهمة قاذف القنابل هي تصويب القنابل وإلقاؤها بعد تقدير العوامل التي تؤثر فيها كارتفاعها وسرعة الطائرة والانحراف الذي تحدثه الريح الخ . ويستعين الطيار على ذلك بالأجهزة الموجودة في الطائرة ، ولها أزرار إذا ضغط عليها

فاصل  يده اليسري انسابت القنابل الواحدة بعد الأخرى .

ومما يزيد في صعوبة مهمته اضطراره إلى البحث عن الأهداف التي يبغى إصابتها في وقت زاد فيه إتقان فن إخفاء المواقع الحربية أو المصانع أو المخازن ؛ ولهذا فانه يلجأ إلي ملاحظة ظلال المبانى المرتفعة وعليه ان يعرف كيف يميز بينها وبين مدلول كل منها كعلامات يسترشد بها في الوصول إلي أهدافه

ولاحكام تسديد إصابة الأهداف إذا كانت الطائرات غير منقضة يتحتم على قائد الطائرة ان يوجهها في اتجاه مستقيم ، على حين يقوم قاذف القنابل بإلقاء قنابلة بعد ان يكون قدر العوامل التي تؤثر على سير القنبلة كما ذكرنا ، وهذه اللحظة من أخطر اللحظات التي تمر بالطائرة ، فهي تعطى فرصة لبطاريات المدافع المضادة ، لحساب سرعة وارتفاع الطائرة لتكون عاملا في إصابتها .

فإذا أجبرت المدافع المضادة للطائرة على الابتعاد عن

هدفها فإنها تغير في خط سيرها وتعرج اتجاهها وارتفاعها ، فيصعب علي المدافع المضادة ملاحقتها او حساب موقعها بالضبط

والرسم المبين هنا يوضح طريق سير القنبلة عند سقوطها في الجو من الطائرة التي تسير في خط مستقيم كما انه يبين مدى الانحراف الذي يحدث لها من اثر الريح ويترتب عليه إصابات خاطئة

والطائرات المهاجمة لا تنساب منها القنابل عندما تكون فوق هدفها تماما علي ارتفاع 10000 قدم مثلا ، لأن سرعة الطائرة تدفع القنبلة بعيدا عن هدفها ، كما أن تيارا من الهواء قد يحرف القنبلة عن مسلكها ؛ فكلما كان سقوط القنابل من ارتفاع شاهق كان مجال خطأ إصابة الهدف كبيرا

والقنابل كأي جسم يسقط في اتجاه الأرض يكتسب سرعة عند هبوطه ، فكلما كان ارتفاع القنبلة عاليا كانت سرعة هبوطها كبيرة جدا

فمثلا إذا سقطت قنبلة من ارتفاع ١٦٠٠ قدم فإنها تهبط ١٦ قدما بإنتهاء الثانية الأولى ، وتقطع ٦٤ قدما بعد الثانية الثانية و ١٤٤ قدما بعد الثانية الثالثة ، و ٢٥٦ قدما بعد الثانية الرابعة ، وهكذا ، أي أنها تصل للأرض بعد عشر ثوان ، ويظهر ذلك بوضوح في شكل ١٣

كما انه يتضح من الشكل المجاور له السرعة التي تهبط بها نفس القنبلة التي تلقي من نفس الارتفاع ، فسرعة هبوطها في نهاية الثانية الاولي 32  قدما في الثانية ، وفي نهاية الثانية الثالثة تكون سرعتها 66 قدما في الثانية . . وفي نهاية الثانية العاشرة اي عند وصولها للأرض تكون سرعة هبوطها ٣٢٠ قدما

ويمكن بسهولة حساب السرعة التي تهبط بها أي قنبلة ، وكذا زمن وصولها للأرض من ارتفاع الطائرة التي تلقي القنبلة .

الطائرات المنقضة :

والطائرات المنقضة تهبط عادة من ارتفاع كبير ) ١٠٠٠٠ قدم مثلا ( بزاوية حادة كبيرة وبسرعة عظيمة والرسم ) شكل ٤ ( يوضح الطريق الذي تسلكة طائرة منقضة لاصابة هدف معين ، فحين تصل إلى الوضع ) ١ تقذف بقنابلها ثم تعود إلي الصعود في الجو

وطريقة إلقاء القنابل أنه يوجد تحت جسم الطائرة " شوكة قاذفة " وظيفتها أخذ القنابل وإلقاؤها وقت

انقضاض الطائرة بعيدا عن مروحة الطائرة تجنبا من إصابتها .

ولما كانت الطائرة المنقضة تكسب سرعة كبيرة أثناء هبوطها فانه توجد فرامل هوائية air Brakes  مثبتة بالجناحين تحرك عند الهبوط بحيث تصنع زاوية قائمة مع سطح الجناحين

للتخفيف من سرعة الهبوط الكبيرة

بقيت مسألة طريفة نود أن نسجلها في ختام هذا المقال ، فقائد الطائرة المهاجمة يحتاج إلى الاحتفاظ بجزء كبير من نشاطه وهدوء اعصابه بالقدر الذي يساعده على نجاح مهمته الشاقة ، وهي إلقاء قنابله علي الأهداف التي تبعد عن قاعدة طيرانه بمئات الأميال ، ولذلك فهو يستعين بصديقه جورج " وهو جهاز الى معقد التركيب ، يطلق عليه الطيارون الانجليز اسم " جورج "

ويلتمسون منه العون في قيادة زمام الطائرة في الساعات القليلة التي تسبق الوصول إلي الهدف .

وأخيرا ، لقد وثب الطيران وثبة جبارة في الفترة القصيرة التي مضت بين الحرب العظمي الماضية والحرب الحالية ، وأصبحت الدول المتحاربة تتسابق في بناء طائرات من مختلف الأنواع ، ويدرب لها شبان ينتخبون بشكل خاص ، وما ذلك إلا لأهمية الدور الذي تلعبه الطائرات في الأغراض الحربية . وبانتهاء الحرب الحالية ينتظر ان يكون للطيران شأن كبير ايضا لتحقيق اغراض اخرى .

فهل يقدر لنا أن نري اليوم الذي تنتشر فيه ثقافة الطيران بين أبنائنا ، وان تزداد قوة أسطولنا الجوي نرجو أن يتحقق ذلك ، وأن يكون قريبا

اشترك في نشرتنا البريدية