لما وقفنا ونحن فى برلين ، قبيل نشوب الحرب بأيام قلائل ، على نبأ عقد ميثاق عدم الاعتداء بين ألمانيا وروسيا السوفيتية ، أدركنا من التعليقات الرنانة التى قدمت بها الصحف الألمانية هذا الحادث إلى قرائها أن الحكم قد صدر على بولونيا ، وأن ألمانيا الهتلرية تمهد
بهذا التحول المدهش فى سياستها إلى القيام بضربة جديدة تكون بولونيا أول ضحاياها . ومع أن الصحف الألمانية ، ومحطات الاذاعة الألمانية لبثت أياما تفيض فى التنويه بأهمية هذا الميثاق ، وتصفه بأنه أعظم ظفر أحرزته السياسة النازية ، وأشد ضربة
أصابت المعسكر الديمقراطى ، وتشيد بقيمة الصداقة الجديدة بين روسيا وألمانيا ، فان الشعب الألماني لم يخف دهشته وذهوله من هذا التحول العجيب فى سياسة زعمائه وقادته . ألم يصف أدولف هتلر فى كتابه ((كفاحى)) حكام روسيا السوفيتية بأنهم ((مجرمون لطخت أيديهم بالدماء ، وأنهم لا يصلحون لعقد أى تحالف شريف ، أو يخلصون لأي تعاقد ؟ )) . ثم ألم يقل أيضاً (( بأن تحالف ألمانيا مع روسيا ، إنما يغدو نذير حرب جديدة ، وإن مثل هذه الحرب تنتهى بفناء ألمانيا )) ؟ لقد استمر هتلر ستة أعوام منذ تبوأ الحكم وهو يكرر الحملة على روسيا وزعمائها البلاشفة ، ويصفهم بأقسى النعوت ، ويوجه إليهم أشنع التهم ؛ وقد عقد هتلر مع إيطاليا واليابان ميثاق مكافحة الشيوعية ضد روسيا وزعمائها البلاشفة ، وكانت حملاته الرنانة على الشيوعية ودعاتها إلى أشهر قلائل من أبرز مظاهر الحكم النازى . ولما شرعت انكلترا وفرنسا فى مفاوضاتهما مع السوفييت ، حمل هتلر على الانكليز والفرنسيين ، وقال إنهم يحالفون المجرمين من دعاة الشيوعية واليهودية الدولية ، إلى غير ذلك مما هو مذكور معروف للعالم كله ؛ فما الذي حدث إذاً ؟ وما هى العوامل الحقيقية التى حملت هتلر على أن يري اليوم غير ما رآه بالأمس ، وأن يمد يده بالصداقة إلى أولئك الذين (( لطخت أيديهم بالدماء)) وأن يرى فى أولئك (( القتلة المجرمين )) أصدقاء يعتز بصداقتهم إزاء الدول الغربية ؟
لقد قدم هتلر جوابه بعد ذلك بأيام قلائل فقط ، فغزا بولونيا بحجة أنها رفضت أن تسلم إليه دانزيج والممر ، وانقضت قواته المدمرة عليها ، تحاول أن تنفذ الحكم القاسى الذى تطويه نصوص الميثاق الألمانى الروسى ؛ وقد ردت انكلترا وفرنسا على حركة هتلر الباغية ، فدخلتا الحرب إلى جانب بولونيا وفاءً لتعهداتهما ، وبدأت حرب
أوربية جديدة ، يرجح أن يتسع نطاقها فى المستقبل القريب ، فتغدو حربا أوربية عامة ، أو حربا عالمية أخرى .
ولعل أهم ما يشغل الأذهان الآن هو موقف روسيا وإيطاليا من هذه الحرب الجديدة ؛ فما هو موقف روسيا من صديقتها الجديدة ألمانيا ؟ وما هو موقف إيطاليا من حليفتها وشريكتها فى المحور ؟ إن مصاير الحرب القائمة تتوقف إلى أعظم حد على موقف هاتين الدولتين ؛ ومن المفيد أن نحاول أن نتعرف الاتجاه الذى تسير فيه كل منهما .
إن نصوص الميثاق الألماني السوفيتى لا تدلى فى ظاهرها بشىء أكثر من تعهد بتبادل بعدم الاعتداء ، وعدم انضمام أحد الفريقين المتعاقدين إلى كتلة معادية للآخر ؛ ولكن من المرجح أن يكون مصير بولونيا قد تقرر بتفاهم الفريقين ؛ وقد كانت بولونيا منذ نحو قرن ونصف فريسة لمطامع روسيا وألمانيا والنمسا ؛ وقد ائتمرت هذه الدول يومئذ على تمزيقها وابتلاعها ، ومحيت بولونيا من ذلك الحين من عداد الدول المستقلة حتى نهاية الحرب الكبرى ؛ فهل يعيد التاريخ نفسه ؟ وهل تشاطر روسيا ألمانيا فى الوقت المناسب مشروعها البربرى فى تمزيق هذه الأمة العريقة الباسلة واقتسامها من جديد ؟ فى الأنباء الأخيرة أن روسيا تقوم بتعبئة جزئية لجيوشها ، من ناحية الحدود البولونية ؛ ولكنا لا نعتقد أن روسيا تنوى أن تدخل الحرب إلى جانب ألمانيا ؟ وهى قد تنتهز الفرصة فتحتل بعض مناطق فى بولونيا الشرقية والجنوبية تدعى حقوقاً عليها ؛ ولكنها تؤثر بلا ريب أن تبقى بعيداً عن هذه المعركة التى تتحطم فيها قوى الدول ((البورجوازية )) وأن تعمل لبث دعايتها الثورية فى الوقت المناسب ، وتؤثر من جهة أخرى أن نتفرغ لكفاح اليابان فى الشرق الأقصى
إن الخصومة بين البلشفية والنازية قوية مؤتلة ، ولا يكفى فى إزالتها أن يعقد بينهما ميثاق سياسى ؛ وروسيا تخشى بلا ريب أن تشتد وطأة العسكرية البروسية فى أوربا الشرقية ، كما حدث فى الحرب الكبرى ، فتغدو خطراً عليها ؛ ومن ثم فإنا نرجح أن روسيا سوف ترقب تقدم الألمان نحو الشرق باهتمام وتوجس ، وسوف تبقى على قدم الأهبة لا لتأييده بل لوقفه ، الهم إلا إذا كانت قد عقدت بين الفريقين معاهدات سرية بتقسيم المناطق المفتوحة ، وهذا ما لا تؤيده القرائن والظواهر .
وأما موقف إيطاليا فلا يزال لغزاً يصعب تفسيره فهى مرتبطة مع ألمانيا بمحالفة عسكرية ، وقد ناصرتها حتى اليوم فى كل حركاتها واعتداآتها فى أوربا الوسطى ، وقد أيدت قضيتها فى دانزيج والممر ؛ ولكن السنيور موسولينى لم يكن راغباً فى أن تنشب من أجل ذلك حرب أوربية ؛ وقد بذل جهوداً عديدة للتوسط فى حل النزاع بطريق التفاهم ، ولكن تعنت هتلر وتسرعه حالا دون ذلك . ولما شعر هتلر بأن إيطاليا لن تجاريه فى خوض غمار الحرب ، أعلن فى خطابه الأخير الذى ألقاء فى ٣١ أغسطس ، أن ألمانيا تعتمد على جيشها وحده ، وليست فى حاجة إلى أية معاونة خارجية ؛ وفى مساء نفس هذا اليوم أعلن موسوليني أن إيطاليا لن تدخل حرباً اعتدائية ؛ ثم تكررت بعد ذلك التصريحات والقرائن بأن إيطاليا ستلزم الحياد التام على الأقل فى المرحلة الحاضرة .
وموقف إيطاليا الحالى يدل على حكمة وحصافة ، فهى بموقفها الجغرافى معرضة لتلقى أشد الضربات من جانب انكلترا وفرنسا ، وليست لها مصلحة تجنيها من وراء مناصرة ألمانيا فى حركتها الباغية ؛ على أنه ليس ثمة ما يدل على أن إيطاليا سوف تلزم هذه الحيدة إلى النهاية إذا تطورت الحرب واتسع نطاقها . وقد وقفت إيطاليا
مثل هذا الموقف فى الحرب الكبرى ، ومع أنها كانت مرتبطة مع ألمانيا والنمسا بمعاهدة التحالف الثلاثى ، فإنها آثرت أن تبقى حيناً بمعزل عن الحرب ؛ ثم دخلت بعد ذلك إلى جانب الحلفاء لأنها رأت مصلحتها فى ذلك . وليس من ريب فى أن عقد الميثاق الألماني السوفيتى كان له فى إيطاليا أسوأ وقع ، لأن ألمانيا التى جرت إيطاليا من قبل إلى عقد ميثاق مكافحة الشيوعية ، أقدمت على مصادقة روسيا دون مشاورة حليفتها إيطاليا ، وإيطاليا لا تزال على خصومتها لروسيا ؛ ومن جهة أخرى فقد قضى عقد هذا الميثاق على صداقة اسبانيا لمحور برلين رومه ، وأضاع بذلك آمالا ًكانت تعلقها إيطاليا على هذه الصداقة.
وعلى ذلك فمن المرجح أن تبقى إيطاليا على حيدتها حيناً ، وأن تسترشد إذا دخلت الحرب بمصالحها قبل كل شىء ؛ وليس بعيداً أن يقع التفاهم بين إيطاليا وحليفتيها القديمتين انكلترا وفرنسا على مزايا ومنافع ترضى بها الدولتان الديمقراطيتان أمانى إيطاليا ، فتلتزم الحيدة إلى النهاية أو تقاتل إلى جانب المعسكر الديمقراطى كما حدث فى الحرب الكبرى .
إن المعركة لا تزال فى بدايتها ، ومن الصعب أن تقع الآن على مواطنها الحساسة ، فلا بد من أن نتتبع خطواتها حيناً ، قبل أن نحاول تعرف هذه المواطن .

