لما صرح السنيور موسوليني ، في مساء يوم أول سبتمبر ، أعلى في نفس اليوم الذي أعلن فيه هتلر في خطابه في الريخستاج ، نبأ القرار الذي أصدره بالزحف على بولونيا ، أن إيطاليا ستلتزم الحياد ، ولن تبدأ أي عمل حربي ، حار الناس في تعليل موقف إيطاليا وموقف
زعيمها . ذلك أن إيطاليا هي الطرف الثاني في محور برلين رومة ، وهي حليفة ألمانيا بمقتضي معاهدة عسكرية عقدت في مايو الماضي ، وقد كانت إلي جانبها في جميع المواقف والمحاولات التي انتهت باستيلائها على النمسا وتشيكوسلوفاكيا ، ولم تنقطع لحظة عن تأييدها حتى في
مطالبها من بولونيا ؛ وإذا فقد كانت مفاجأة مدهشة أن يعلن الزعيم الايطالي تمسك إيطاليا بحيدتها في نفس اليوم الذي يبدأ فيه حليفة الحرب ضد بولونيا .
وقد استقبل العالم تصريح " الدوتشي " بالارتياح والتحفظ معا ، وما فتئ من ذلك الحين يتساءل عن خطة إيطاليا الحقيقية . هل يكون موقفها الحالي ستارا لخطة أخري دبرت باحكام ، وقد تفاجئ بها العالم في المستقبل القريب ؟ أم أن الزعيم الايطالي رأي في اللحظة الأخيرة بثاقب رأيه ألا يطرح إيطاليا في معركة ظاهرة العدوان ، محفوفة بالمخاطر ، مشكوك في عواقبها ؛ فآثر أن يعتصم بالحيدة ، وأن يحتفظ بقوي إيطاليا ومواردها سليمة ، بعد أن أنهكتها الحرب الحبشية ثم الحرب الأسبانية ، وأن يعمل علي إنمائها بدلا من تبديدها في مغامرة لا صالح لايطاليا فيها ؟
إن كل الدلائل والقرائن تدل حتى اليوم على أن زعيم إيطاليا يعني ما يقول ، ويرغب حقا في هذه الآونة علي الأقل ، في الاحتفاظ بحيدة إيطاليا ومجانبتها لهذا الصراع الهائل الذي أثارته حليفته ألمانيا الهتلرية بنزفها وتسرعها وإغراقها في التجني . ومنذ أول سبتمبر وإيطاليا تدل بأعمالها وتصرفاتها ، على أنها تؤثر حتي الآن أن تستقبل عهدا من السكينة ، وأن تحافظ قدر استطاعتها على السلام في حوض البحر الأبيض المتوسط . فأسطولها التجاري قد عاد إلي العمل داخل البحر الأبيض وخارجه ومصانعها التجارية تعمل ليل نهار لتلبية المطالب العديدة التي تنهال عليها ؛ وقد صرح السنيور موسوليني في هذا الصدد ، بأن إيطاليا يجب عليها أن تنتج وأن تبيع ، وأن تشتري . وقد تقدمت إيطاليا أخيرا بدليل عملي جديد علي هذا الاتجاه السلمي وهو أنها عقدت مع اليونان اتفاقا ، تسحب كل من الدولتين بمقتضاه قواتها العسكرية من الحدود الألبانية اليونانية إلي الداخل ، ونفذ الاتفاق فعلا ؛ وجاء في بعض الأنباء أيضا أن إيطاليا تخفض
قواتها في جزائر " الدود كانيز " إلي مستواها العادي وقت السلم .
هذا ، وقد شفع السنيور موسوليني ذلك كله أخيرا بتصريحات سلمية جديدة في منتهي الأهمية قال فيها : " إن سياسة إيطاليا لم تتغير منذ تصريح أول سبتمبر الذي أعلن فيه بأن إيطاليا لن تبدأ بأي عمل حربي ، وليس ثمة ما يدعو إلي تغيير هذه السياسة التي صادفت هوي في نفوس جميع الشعوب ، ومن بينها الشعب الألماني ، لأنها تعاون علي حصر نطاق الحرب في نطاق محدود" . ثم يقول : " إن الحرب قد انتهت في بولونيا ، ولم تدخل أوربا الحرب إلي الآن ؛ وإنه إذا ظهر أن تغيير هذه السياسة أصبح ضروريا فإنه سيدعو الشعب الإيطالي إلي الاستماع لبيانه " . ولم يخل بيان الدوتشي مع ذلك من بعض الإشارات الغامضة مثل قوله : " إنه يمكن تجنب الصدام بإدراك أن الرغبة في الاحتفاظ بالأوضاع التي استنكرها التاريخ واستنكرتها طبائع الشعوب ، ليست سوي وهم باطل " ، وهو قد يشير بذلك إلى الأوضاع التي قررتها معاهدة فرساي .
- ١ - وفي وسعنا أن نلمس في تطورات الحوادث الدولية منذ عقد الميثاق الألماني السوفيتي ، ما يلقي ضوءا علي موقف إيطاليا الحالي .
فقد عقدت ألمانيا الهتلرية ميثاقها مع روسيا البلشفية دون رأي إيطاليا وعلمها ؛ مع أنها هي التي حملت إيطاليا قبل ذلك على أن تعقد معها ميثاق مكافحة الشيوعية ضد روسيا ، ومع أن إيطاليا شريكتها في المحور وحليفها العسكرية ؛ فكان هذا التغيير الفجائي في سياسة ألمانيا بالنسبة لإيطاليا ، مثار السخط والشك معا ؛ وقد لوحظ أثناء الفترة التى عقد فيها هذا الميثاق ، والتي سبقت نشوب الحرب ، أن الصحف الألمانية أغفلت ذكر إيطاليا بطريقة منظمة ، ولم تذكرها إلا نادرا ، مما دل على بدء الفتور في علائق الحليفتين .
ولما ألقي هتلر خطبته في الريخستاج في صباح يوم أول سبتمبر ، وقال فيها إن ألمانيا ليست بحاجة إلي معاونة حلفائها ، وأن الجيش الألماني قادر وحده على ملاقاة أعدائه ، وألقي موسوليني تصريحه في مساء نفس اليوم بحيدة إيطاليا ، ألفينا في ذلك أول دليل على تصدع محور برلين رومه .
ثم كانت المأساة البولونية ، واجتياح الجيش الألماني لبولونيا ، وزحف الجيش الأحمر فجأة على الحدود البولونية واقتحامه لشرق بولونيا من الشمال إلى الجنوب ، واتفاق ألمانيا وروسيا علي تقسيم بولونيا علي النحو الذي تم ، وفوز البلاشفة بالنصيب الأوفر ، ومجاورتهم بذلك لحدود رومانيا والمجر من الجهة الشمالية .
وفي رأينا أن تطور الأمور على هذا النحو كان له وقع عميق في رومة ، وذلك لسببين جوهريين هما :
أولا - أن إيطاليا تخشي عود روسيا البلشفية إلي التدخل في شئون أوربا الوسطى ، بعد أن أقصيت عنها زمنا وتخشى من اقتراب البلشفية ذاتها من حدود المجر ويوجوسلافيا ورومانيا ، وتري في زحف البلشفية علي هذا النحو خطرا اجتماعيا يهدد إيطاليا ذاتها .
ثانيا - أن زحف البلاشفة نحو أوربا الوسطى ، يقوي الضغط الروسي على دول البلقان ، وقد يؤدي إلي إحياء نظرية روسيا القديمة ، في حماية روسيا المعنوية للأمم البلقانية السلافية ؛( يوجوسلافيا ورومانيا وبلغاريا ) ؛ ولما كانت إيطاليا تعتبر البلقان منطقة نفوذ لها ، ولاسيما بعد استيلائها على ألبانيا ، فإنها تري في ذلك خطرا على نفوذها التي عملت طويلا لتقويته ، وعلى مصالحها الاقتصادية العديدة .
ولهذا كله تري إيطاليا نفسها مضطرة أن تضع لنفسها سياسة عملية جديدة تتفق مع مصالحها الخاصة ، بعيدا عن ألمانيا الهتلرية التي نبذتها وشقت لنفسها طريقها الخاص بأساليبها الخاصة ، وعاونت على تقدم النفوذ الروسي نحو
أوربا الوسطى والبلقان ؛ وتري في اتباع سياسة الحياد والمحافظة على السلام في حوض البحر الأبيض المتوسط خير موقف تقفه في الآونة الحاضرة ، وهي تعمل على تقوية موقفها السلمي وتوطيده بمحاولة التفاهم مع دول البلقان على تأليف كتلة محايدة في شرق البحر الأبيض المتوسط .
ولكن ذلك لا يعني أن إيطاليا قد أفصحت عن سياستها المستقبلة تمام الأفصاح ، أو حددت موقفها من النزاع الدولي نهائيا ، فهذا الموقف يتوقف بلاريب على مجري الحوادث المقبلة .
ومن جهة أخري ، فقد أشار " الدوتشي" في تصريحه الأخير إلي " إمكان تجنب الصدام " وإلي أن الرغبة في الاحتفاظ التي استنكرها التاريخ واستنكرتها طبائع الشعوب ليست سوي وهم باطل . وقد فسر ذلك في انكلترا وفرنسا بأنه محاولة جديد من الدوتشي لوقف الحرب ، بعد أن حققت ألمانيا خطتها في القضاء على بولونيا ، ولكن رد انكلترا وفرنسا على لسان صحافتها كان سريعا واضحا ؛ وهو أنهما لم تدخلا الحرب من أجل بولونيا فقط ، ولكنهما دخلتا لإنقاذ أوربا من نير الهتلرية وطغيانها ، وإنه لا سبيل إلى وقف الحرب قبل القضاء على هذا النظام الهمجي .
وعلى ذلك ، فإن الحرب سائرة في طريقها ، وسوف يمضي وقت آخر قبل أن نستطيع استجلاء موقف السياسة الإيطالية بصورة نهائية .
وإذ كانت مصر من دول البحر الأبيض المتوسط ، وكانت من جهة أخري جارة إيطاليا في طرابلس ، فإنها تتبع هذا التطور في سياسة رومة بمنتهي الاهتمام ، وتستقبل تصريحات " الدوتشي " وتأكيداته عن حياد إيطاليا بمنتهي الارتياح ، وترجو ألا يكون في مجري الحوادث المقبلة ما يحمل إيطاليا على تغيير خطتها أو العدول عن حيدتها التي يتوقف عليها سلام البحر الأبيض المتوسط . ٠٠٠
