الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 368الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الحركة التعليمية :, خطرات

Share

قامت بمصر في العام الماضي حركة تعليمية قوية شاملة ، لفتت الأنظار إلى الأمور المتصلة بتربية النشء، وحولت الاهتمام إلى سياستنا التعليمية ، إلى أين تتجه ، وكيف تحتاط في رسمها ، وما أنفع الطرق التى يجب أن نسلكها لتربي الجيل الجديد خير تربية ، وتنهض بالبلاد نهضة قوية شاملة .

فهذا وزير المعارف قد توفر على دراسة حالة المدارس ، ونظر نظرة فاحصه في المناهج ، وإستعرض مختلف المراحل واتجه في بدء العام الدراسي إتجاهاً جديداً يختلف عن الإتجاه الذي كان سائداً قبل توليه وزارة المعارف . وحين ناقشه النواب وأهل الرأي ذكر لهم أنه لا يزال يدرس ، وأنه لم يقطع برأي نهابي بعد ، ووعد بأن يعرض ما يستقر عليه رأيه ؟ بعد الفحص والدرس ، على الأمة لتدلي برأيها فيه.

وبعد ذلك رأيناه يجمع اللجان ، ويقلب فيها مختلف الآراء ، ويستمع لختلف الأتجاهات ، وبزن حجج كل فريق ، ويبحث ذلك كله في ضوء ملاحظاته الشخصية ، وخبرته العملية التي إكتسها من إتصاله بالعمل في المعارف وزيارات المدارس ، ومناقشاته مع أولياء الأمور ونواب البلاد ورجال التعليم ، وكأنى به وقد رسم لنفسه خطة عمل على أن يسير فيها ورسم لنفسه سياسة اطمأنت إليها نفسه .

رجحنا ذلك حين رأيتاء قد استصدر مرسوماً بإنشاء المجلس الأعلى للتعليم ، ولم يمض على صدور المرسوم طويل حتى حدد موعداً لجمع المجلس لأول مرة ، وإفتتخه بالفعل بكلمة تبين منها أنه سيعرض سياسة مستقرة ، وقد رأينا المجلس قد إتخذ الخطة الحكيمة التي يجب إتباعها في مثل هذا الشأن من تأليف لجان صغيرة لدرس مختلف النواحي .

وها نحن نراه يسافر إلى السودان ليفتتح أول مدرسة مصرية صميمة في هذا القطر الشقيق الحبيبب ، وبنوه فيها بإتجاهات التربية الحديثة ويعلي من شأنها ، ويعلن إعتزامه

على أن يسير على مقتضاها في جميع المدارس التي تحت إشرافه.

وهناك إلي جانب هذه الحركة المؤتمر الذي دعت إليه جمعية المعلمين ، وبحثت فيه سياسة التعليم ، وإنتهت فيه إلي قرارات أبلغتها وزارة المعارف ، ورجت أن يكون لها نصب من عناية القائمين بوضع السياسة التعليمية الجديدة .

وفي الشهور الماضية شهدت مصر حركة قوية لم يسبق لها نظير ، وهي إختيار عدد كبير من توابع الخريجين ومن الأساتدة النابهين للسفر في بعثات علمية وعملية إلى مختلف أنحاء العالم ، إلى إنجلترا وفرنسا وبلجيكا وأمريكا ، وقد زاد عددهم على الثلثمائة ، وقد سافر معظمهم بالفعل ، وقد شرفهم مليك البلاد بتكريم منقطع النظير في حفل ملكي عظيم ، خطب فيه وزير المعارف خطبة ضافية .

وقد طلعت علينا الأهرام في الأسبوع الماضي بحديث قيم أدلى به ، حضرة صاحب السمو الأمير محمد علي توفيق ، تناول فيه " العلم والتعليم والنهضة العلمية في مصر " وأشار فيه إلي هذه البعثات واستحسنها وأثنى على فكرتها ، ولكنه لفت النظر إلى أمر آخر عظيم الأهمية ، ألا وهو أن العلم لا وطن له ، وأن سموه ينصح بضرورة استقدام عدد من فطاحل علماء الغرب ، للعمل في معاهدنا ، كما أشار بضرورة توجيه الشبان إلى الهندسة والكهرباء والميكانيكا والكيمياء ، فإن هذه العلوم وأمثالها قد أصبحت عماد المدنية الحديثة

من هذا العرض بتبين صحة ما قلناه في صدر هذه الكلمة من أن الاهتمام بشئون التعليم كان من الظواهر البارزة في العام الماضي ، وينتظر أن يكون كذلك في

علمنا الجديد ، ولذلك رأينا أن تدلى هنا ببعض ملاحظات وخواطر ، قد يكون لها بعض الأثر في هذه الحركة المباركة .

وأول ملاحظتنا خاصة بتكوين المجلس الأعلى للتعليم ، فقد ضم إلى عضويته كل من تولي وزارة المعارف ، وهذا الإختيار في نظرنا قد يكون فيه شئ من الإسراف ، وكنا مؤثر أن يختار الأعضاء على أساس تمثيل مختلف وجهات النظر ، بمعنى أن يطلب من كل حزب من الأحراب السياسية التي تتولى الحكم أو تشترك في مختلف الوزارات التي تقوم في مصر أن تختار من بين من تولوا وزارة المعارف منها عدداً مناسباً يمثلها في هذا المجلس ، كما يختار من بين من تولوا وزارة المعارف من الوزراء المستقلين بعض من كانت لهم آراء يعتد بها في هذا المضمار

كذلك كنا نود أن تمثل الهيئات التي تعبر عن آراء العلمين في مثل هذا المجلس ، فهناك جمعية المعلمين ، وإلى جانبها رابطة خريجي معهد التربية ، وكذلك رابطة التربية الحديثة ، فكان الأوفق أن يختار من هذه الهيئات أو يطلب إليها إختيار من يمثلها في هذا المجلس

تمثل هذا الإجراء كنا نضمن تمثيل وجهة نظر كل حزب سياسي أو طائفة من طوائف رجال التعليم ، كما أن ذلك كان يحفز هذه الطوائف وتلك الأحزاب إلى أن تجعل من برنامجها دراسة الأمور التربوية دراسة وافية ، وتكون لنفسها فيها سياسة واضحة ، فقد رأينا في العهد الأخير ، حين كانت السياسة التعليمية في إنحلترا محل دراسة وبحث أن تقدمت كل طائفة وكل حزب بآراء واضحة مدونة مؤيدة بالحجج ، وكان في إستعراض كل تلك الآراء منفعة عظيمة وفائدة كبرى لكل من إطلع عليها .

والأمر الثاني الذي خطر لنا ونود أن نلفت النظر إليه ، هو أنه من المستحسن ، في مثل الظروف التي نحن فيها ، أن نبذل معظم الجهد في إصلاح الأساليب القائمة ، وفي العمل على خلق روح جديدة قوية ملهمة ، بدلا من أن نبذل جهوداً كبيرة في إحداث تغييرات كثيرة في النظم وفي الأوضاع . فالعبرة في نظرنا بالأساليب المتبعة التي تمثل لب الموضوع والتي هي من صحيح التربية . أما النظام نفسه فقد يكون أمراً شكلياً ثانوياً لا يستاهل إضاعة الوقت والجهد في تغييره .

ثم إننا ننصح بألا يحدث أي تغيير جوهري قبل أن يجرب على نطاق ضيق ، وتستبين محاسنه ومسارئه ، توجه العناية إلى إستئصال ما به من عيوب ، وتحسينه بقدر الإمكان ، وعند ذالك فقط يصح أن يعمم .

ويقتضي ذلك بطبيعة الحال أن نعي على الدوام من الآن فصاعداً بجمع الإحصاءات ودراستها والاستفادة من دلالاتها ، وكذلك يحسن في مثل هذه المرحلة إجراء الاستفتاءات من آن لآخر لتعرف رأي رجال التعليم وأولياء الأمور وقادة الفكر في معظم المسائل والشاكل والتحسينات التي يجري والشروعات التي يراد تنفيذها ، وكذلك الشروعات التي تنفذ .

يمثل هذه الوسائل تضمن قيام كل تعديل أو تغيير على أساس علمي سليم ، وينتهي عهد الارتجال ، ويدرك الناس أن الأمر جد رهيب ، وأنه لا يجوز فيه الأخذ بفكرة عابرة أو رأي خطير ، فهو ليس باللعب الهين ، وإنما هو متعلق مستقبل أمة بأسرها وبسعادة الجبل القادم .

ننتقل بعد ذلك إلي نقطة ثالثة ، وهي ضرورة مراعاة المرونة في كل نظام ، وتجنب القواعد الصارمة والخطط

الجامدة ، فإن من الصلحة أن يكون في إستطاعتنا دائماً أن نحوز في خط سير التعلم تيماً لما يظهر فيه من حسن استعداد وتقدم من جهة ، أو من ضعف في الاستعداد وتخلف من جهة أخرى ، فلو أن كل عقل قدم له ما يناسبه على الدوام لكان الإنتاج جيداً باستمرار ، ولا طرد تقدم المتعلم في كل مرحلة من مراحل تعلمه

وأخيراً نعود للنقطنين الهامتين اللتين أشار إليهما سمو الأمير في حديثه ، وهما الأهتمام بالمعلوم العملية التي هي دعامة الدنيا الحديثة . وفي رأينا أن خير مظهر لهذا الاهتمام هو تشجيع البحث العلمي بكل الوسائل الممكنة ومنها إرسال البعثات من الذين أتموا دراساتهم بنبوغ ، وأظهروا استعداداً لمواصلة البحث ، ومنها تشجيع الأساتذة القائمين بالبحوث بالفعل ، وذلك بتسهيل مهمتهم بشتى الوسائل ، وتشجيعهم بكل الطرق وفي كل المناسبات

كما أن من أهم المظاهر لذلك التشجيع هو الأمر الثاني الذي أشار إليه سمو الأمير ، ألا وهو العمل على استقدام طائفة من العلماء الباحثين من الطراز الأول ، وإنتخاب مجموعة من المجدين المبرزين من الطلاب والمدرسين للعمل تحت إرشاد هؤلاء العلماء في البحث العلمي المنتج ليكتسبوا منهم خيرة بأساليب البحث الصحيحة ، وصرانا على طرائقه بحيث تتربي لديهم المواهب التي يلمحون بها النقط الجديرة بالبحث ، والملكات التي تمكنهم من رسم خطط البحث التي تكون أقرب إلي النجاح ، فلا تمضي زمن طويل حتي نجد من بين شباننا من يستطيعون إقتفاء أثر هؤلاء الفحول من العلماء ، فيحلون محلهم فلا نشعر بفراغ كبير إذا ما فارقنا هؤلاء العلماء الذين إستقدمناهم وعادوا إلي بلادهم . .

اشترك في نشرتنا البريدية