كان لنا قبل الحرب العالمية الأولى نظام بسيط للخدمة المدنية ، ولكنه على بساطته وضيق نطاقه كان نظاما دقيقا واضحا ، يشبه في كثير من الوجوه نظام الخدمة العسكرية ، فكان الموظف يعرف حدوده ومسئولياته وخطوات سيره في سلك الوظائف ، والنتائج المحتومة لكل تصرف من تصرفاته ؛ وكان يستطيع أن يتكهن إلى حد ما بما سيكون عليه مستقبله المادي بعد فترة من الزمان . وبعبارة مجملة كان هذا النظام يتسم بالوضوح والدقة والتسلسل المتدرج ،
وكان فوق هذا نظاما موضوعيا لا يتأثر بالاعتبارات الشخصية ؛ وبهذا سلمت أداة الحكم من التصرفات الشاذة التي لا تستند إلي قواعد معروفة .
ومع أن ذلك النظام كان لا يخلو من عيوب
وليس أقلها جموده وإضعاف شخصية الموظف ، والحد من حرية تصرفه وحصره في مجال ضيق لا يسمح بتحقيق آماله الواسعة وإشباع طموحه للرقي - مع هذا كله فقد كان الموظفون في ظله يشعرون بشيء من الطمأنينة والاستقرار ، ويجدون في صرامة أحكامه وازعا يزعهم عن التقصير والإهمال . ولئن كان ضيق نطاقه قد وقف بهم عند حدود لا تمتد لأبعد منها آمالهم ، فقد كان لهم في التسوية بينهم في المعاملة ، والتزام قواعد عامة تطبق عليهم جميعا بعض العزاء عما كان ينقصهم .
ثم كانت الحرب العالمية الأولى . وللحروب ظروف خاصة تجيز المحظور وتحظر الجائز ، وتفرض على الحكومات واجبات جديدة لم يكن لها عهد بممارستها ، وتؤتيها سلطات
واسعة لم تكن تتمتع بها في أوقات السلام ، ولهذا دخل كثير من التغيير على النظام البسيط الذي كانت الخدمة المدنية تسير عليه قبل الحرب ، وحل محله في كثير من الأمور نظام مؤقت جديد تغيرت فيه الحدود والمسئوليات ، واختلفت فيه الأحكام وتبدلت فيه المعايير .
وخضع الجميع لهذا التبدل الذي طرأ على أوضاع الخدمة المدنية ، واعتبروه ضرورة تزول بزوال الحرب ، ثم لا تلبث الأمور أن تعود سيرتها الأولى متي وضعت الحرب أوزارها .
ولكن هذا التقدير كان بعيدا عن الصواب . فالتغيرات التي تمت خلال الحرب كانت أعمق غورا وأبعد أثرا من أن تزول بزوالها ؛ وكان الرجوع إلى نظم ما قبل الحرب ، أمر يتنافى مع طبيعة الأشياء ، فقد وطدت كثير من التصرفات التى تمت خلال الحرب أقدامها ، وألف الناس أوضاعها بحيث لم يعد سبيل لتركها .
وزاد في صعوبة ذلك قيام الحركة الوطنية المصرية ، وتطلع الآمال لعهد جديد يقوم على اسس قومية ، اوسع مدى وأسمى هدفا من أن تصلح لها أداة الحكم السابقة التي اقترنت بالعهد البغيض ، الذي لم يكن للمصريين شأن في إدارة سياسته العليا .
وتولى المصريون أمورهم فدخلت الخدمة المدنية في انقلاب جديد ، نكون ظالمين لانفسنا إذا لم نقرر أن هذا الدور الجديد قد امتاز بنشاط قوي دب في كل نواحي الحياة الحكومية ، وبتفكير مصري خالص أنتج مشروعات كثيرة نافعة في مختلف الوزارات ولكننا يجب أن نصارح أنفسنا بأن هذا النشاط صحبته مع الأسف بعض أمور كان لها اثر كبير فيما وصلت إليه حالة الخدمة المدنية اليوم في بلادنا مما نشكو منه .
من هذه الأمور أن الآداة الحكومية قد استغلت الرغبة الظاهرة في النهوض بها ، واخذ كل قسم من اقسامها يوسع
نطاقه ويكثر موظفيه وينحلهم الألقاب ، ويغالي في طلب الدرجات التي تناسب الوضع الجديد دون ان تقتضي ذلك مصلحة العمل ، ودون ان يكون لهذا التغيير أثر في الإنتاج .
وسري هذا الروح في كل نواحيها ، فأخذت المصالح والإدارات تتنافس في هذا التفخيم لمظاهرها ، والتوسيع في عدد موظفيها ودرجاتهم حتى تضخم عدد الموظفين وتضخمت ميزانيتهم تضخما مصطنعا لا يقابله إنتاج جديد .
ومن هذه الأمور أن الرغبة في تيسير سبل الخخدمة المدنية لكل مصري صالح لها قد استغلها كثير من الذين لا يصلحون لها ، والتمسوا الوسيلة إليها بمختلف طرق الوساطة والإلحاف حتى ظفروا بها من غير استحقاق ،
وأضافو إلى عدد الموظفين الزائدين على حاجة العمل عددا جديدا لا يعملون ولا يصلحون لعمل . وطبيعي ان يكون هذا التضخم المصطنع عاملا من العوامل التي تعيق السلطات الحكومية عن الرقابة الدقيقة لكل فروعها ، ومحاسبة المهمل والمقصر ، وتبين الكفايات الممتازة ؛ وبهذا سادت روح الاستهتار بالواجبات ، ودب اليأس في قلوب الا كفاء الذين أصبحوا لا يحس أحد بوجودهم ولا يلمسن جهودهم وكفايتهم .
وزاد الطين بلة اشتداد الخلاف بين الأحزاب التي تتعاقب على كراسي الحكم ، وانتهاز الوصوليين فرصة هذا الخلاف للمغامرة بالانتفاع منه ؟ فأخذ كثير من الموظفين يشايعون أحزابا معينة - وقد لا يكون ذلك إلا حين يلمحون في الافق املا في اقتراب توليها الحكم ويستغلون صلتهم بتلك الاحزاب لتخطى رقاب غيرهم من الموظفين الا كفاء ، والوصول قبل دورهم إلي أعلي الدرجات .
وهكذا انتهت الحال في امر الموظفين إلي جعل الاعتبارات الحزبية عاملا في تعيينهم وترقيتهم وفصلهم
وبهذا فسدت بعض روح الموظفين واعتلت ضمائرهم .
وأحسب أساس هذه الحال فكرة خاطئة نبتت في رؤوس بعض السياسيين ، وقواها هؤلاء الوصوليون في نفوسهم حتى خدعوا بظاهرها نفعها وعموا عن نتائجها الوخيمة على البلاد .
تلك الفكرة هي اعتبار حكومة بعينها ، أو بعبارة اصح هيئة سياسية خاصة هي الهيئة التى يجب ان يدين لها الموظف وحدها بالولاء ويناصب من عداها البغض والعداء ؛ وليس من شك ان هذه الفكرة بهذا الوضع تخلط بين الحكومة والدولة ، أو بعبارة أوضح بين حزب معين والدولة .
إن الأحزاب والهيئات السياسية التي تتعاقب على الحكم هيئات عارضة قد تتبدل وتتعدل ، ويقوم مقامها احزاب وهيئات غيرها بوليها الشعب ثقته ؛ ولكن الدولة فكرة خالدة تبقى مهما تغيرت الحكومات وتعاقبت على الحكم الأحزاب ، فهي تمثل روح النظام والقانون والهدف المشترك الذي يتجه إليه المصريون جميعا ، والتاريخ المشترك الذي يؤلف وحدتهم ؛ هذا الشخص المعنوي هو وحده الذي يجب ان يدين له الموظفون بالولاء ويخلصوا له في أداء واجبهم . وكل حكومة شرعية على الحكم يجب ان يعاونها كل موظف في حدود قيامه بواجبه المرسوم طبقا للقواعد الموضوعة . ويجب ان تحترم الحكومات جميعا هذا الوضع ،
والا تنظر للموظف بعين غير عين التقدير لمدي إخلاصه للدولة وادائه لواجبه نحوها . هذا مبدأ عام يجب ان يسلم به الجميع وتتفق الاحزاب كلها على احترامه مهما اشتد بينها النزاع ؛ وهذا هو المعمول به في الامم الراقية التى توطد فيها نظام الخدمة المدنية . وعلي هذا الاساس نستطيع ان نقول إنه لا يجوز ان يقام اي وزن في تقدير الموظف لمذهبه السياسي ، وإن عمله وحده واداءه واجبه الحكومي المنوط به يجب ان يكون هو اساس تقديره .
ولا محل لمكافأة موظف تخطى رقاب من يسبقونه من الموظفين إلا ان يكون ذا كفاية ممتازة يعترف بها الجميع . وخير ضمان لدلك ان يترك هذا الحق لهيئة عليا بعيدة عن أن تؤثر فيها الاعتبارات الحزبية ، ولا محل لان يعاقب موظف او يفصل إلا لاعتبارات تتصل بعمله وواجبه ، وتتولى عقابه هيئة قضائية بعيدة عن المؤثرات .
وأخيرا يجب أن يطمئن الموظف إلي أن الأمور كلها تسير سيرا طبيعيا ، لا تتدخل فيه الوساطات والشفاعات والصلات الحزبية أو العائلة .
اما التضخم ووجود كثير من الطفيليين لا يعملون ، فيجب ان يكون محل عناية الحكومة ، وان تكل لهيئة نزيهة نشيطة فحص كل فروع الوزارات والمصالح واعمالها ، وتقرير الاختزال الواجب إجراؤه في موظفيها ودرجاتها ، ووضع نظام دقيق يحدد اختصاصها وعمل كل موظف فيها .
بهذا تعود الطمأنينة والاستقرار والثقة بالعدالة لجمهور الموظفين ، وبهذا يتسني قيامهم بواجبهم على
الوجه الصحيح

