كتبنا في هذا الموضوع منذ أسبوعين ، بينا كيف يجب أن نقلع عن الأعمال الارتجالية ، ونعمل على وضع سياسة ثابتة ورسم خطط واضحة في ضوء نتائج بحوث تجري على نطاق واسع في جميع نواحي الحياة . وقلنا إنه إذا عز على مكاتب الحكومة العادية أن تقوم بذلك العمل ،
فعلي الأحزاب أن يضع كل منها لنفسه مثل تلك السياسة الثابتة ، وترسم مثل هذه الخطط واضحة لتكون جزءاً من برنامجها الإصلاحي الداخلي تجذب به الناس وتكسب الأنصار . كما قلنا إن كل واحد من المتعلمين المستنبرين عليه واجب في عنقه أن يساهم في هذا العمل بكل ما أوتي من قوة ، وعلى كل طائفة أن تجمع من بينها جماعة تدرس تلك المسائل وتتقدم باقتراحاتها فيها .
ونحن وإن كنا نري أن المكاتب الوزارية الحالية لا تستطيع الاضطلاع بتلك المهمة ، إلا أننا نري ضرورة قيام هيئات جديدة في الوزارات يعهد إليها بإجراء تلك البحوث العلمية المقترحة ، وجمع النتائج التي نريد أن ترسم سياستنا على ضوئها ، ويحب أن ندرك أن عمل هذه الهيئات الفنية على جانب عظيم من الأهمية ، وألا تضن عليها بالاستقلال الضروري لرجال العلم والفن حتى يؤدوا عملهم كما ينبغي ، وكذلك لا نضن عليها بالمال اللازم ،
فكل قرش يصرف في هذا السبيل يؤتى ثمرته ، ويكون سبباً في ازدياد الثروة في البلاد بما يؤدى إليه من تحسينات في جميع نواحي الإنتاج الصناعي والزراعي ، وفي الشئون الصحية والاجتماعية والتربوية ، وغيرها مما ينهض بالسكان نهضة متعددة النواحي لعل النهضة الفكرية والخلثية من أهمها وأعمقها أثراً .
وكما خصصنا المقال السابق بالعناية بشئون التربية والتعليم بوزارة المعارف ، فنريد أن تخص بالعناية في هذا المقال شئون الفلاح ، لا سيما ما يتصل منه بوزارة الزراعة ، فلعل هذه الشئون تلى في الأهمية شئون التربية ، بل قد تسبق هذه في الأهمية في نظر الكثيرين من ذوى الرأي .
قلنا في عدة مناسبات إنه على الرغم من النهضة الزراعية التي يري البعض أننا نهضناها فإن أثرها في الفلاح لا يزال ضعيفاً غير محسوس ، فهو لا يزال بئن تحت نير الجهل والفقر والمرض ، ولا يتقدم خطوة واحدة ذات أثر ملموس في حياته الخاصة ، لا من حيث عمله العادي في الحقل ، ولا من حيث حياته الخاصة في المنزل أو العامة في المجتمع ، ولا من حيث حمايته مما يفتك به وبزراعته وبماشيته من آفات وحشرات ومكروبات ، ومما يمتص دمه قبل ماله من الوحوش البشرية التى تعامله أسوأ معاملة ، وتستغله أعظم استغلال بغير أدنى شفقة أو رحمة أو خشية من ضمير أو خوف من قانون .
والإصلاحات التي تمت فيما يمت بصلة إلى عمل الفلاح كلها هي الأخرى وليدة الصدفة أو الظروف الخاصة ،
أو السعي وراء الدعاية الخاصة أو الدعاية السياسية ، أو الاهتمام بالقشور دون اللب ، أو بالظاهر دون التغلغل في صميم الحياء الداخلية للفلاح والاهتمام بتفاصيلها ، وبالناحية العملية التى لها أثر مباشر في حماية نفسه وحماية محصوله وحماية ماشيته ، وأثر محسوس في كيفية قيامه بأعماله المهنية وأعماله الصحية وأعماله المعيشية وأسلوب الحياة التي يحياها .
كل ذلك يؤيد ما ندعو إليه من قيام هيئات فنية تدرس مشاكل الحياة الريفية ، وتمكننا من أن ندرأ عن أنفسنا الخسارة الجسيمة التى تصاب بها البلاد من جراء الآفات والحشرات التي تصيب مختلف المزروعات والمحاصيل ،
ومن جراء التصرفات السيئة التي أساسها جهل الفلاح وتخبطه على غير هدى ، وعدم أخذ الاغلبية العظمي من الزراع ، حتى من كبارهم ، بالاساليب الحديثة كاستغلال لآلات وانتقاء التقاوى والطلوقة ، وكذلك من جراء الأمراض التي تفتك بالإنسان والحيوان ، والعلل والخلل والفساد الذي يحل بالآلات الزراعية من جراء تسليمها لأسطونات جهلة أو لا ضمير لهم .
وإلي القارئ بعض مقترحات عملية لما يمس للفلاح في صميم عمله وحياته ، يصح أن يتخذ أساساً لما تدعو إليه من دراسة علمية دقيقة وتجربة عملية شاملة ؛ فلعل هذه التجربة وتلك الدراسة تؤدي بنا إلى أهداف معينة نضمها نصب أعيننا ، ونرسم لتحقيقها خطططاً عملية ومنهاجاً واضحاً كالذي تدعو إليه ، بحيث تتبين من خلال ذلك كله ماذا يصح أن ننتظر أن تكون عليه حالة الفلاح بعد مرور خمسة أعوام أو نحو ذلك .
فهناك أولاً هيئات البحوث : نلاحظ أن الموجود منها في الوقت الحاضر مركز في القاهرة ، بعيداً بعداً تاماً عن الفلاحين حتى المستنيرين منهم . والواجب يقضي بأن تنتشر مراكز البحث في القطر كله ، بحيث يقسم مثلا إلى عدة مناطق ، ينشأ في كل منها مركز أو أكثر لهذه البحوث ؛ ولا بد من أن تمثل إحداها الجهات الساحلية ، وأخرى المناطق البحرية ، وثالثة النواحي الصحراوية ، ورابعة المناطق القبلية على اختلافها وهكذا
وتبحث هذه المراكز طبيعة التربة ، وأثر الأحوال الجوية ، ومختلف أساليب الري والصرف ، وتعمل على تركيز مجموعة من المحاصيل الأكثر توافقاً مع ظروف البيئة في الأقاليم من جميع النواحي . وسيقتضي ذلك دراسات شاملة المحاصيل في مختلف ظروف الزراعة والري والجو ، ومحاولات علمية دقيقة لانتفاء خير أنواع المحاصيل ، وتحسين تلك الأنواع بالتدريج حتى تصبح بذرته خير البذور الملائمة وأنقاها ، وطرق زراعته خير الطرق الملائمة وأجداها ،
وبالجملة تعمل على أن توفر الظروف لرفع مقدار الإنتاج وحسين أنواعه إلي أقصي حد .
وتدرس هذه المراكز مختلف الآفات والحشرات التي تنتاب مختلف المحاصيل ، فتقف على كيفية نموها وانتشارها تمهيداً للعمل على مقاومة نموها وحصر دائرة انتشاء ،
والوصول في النهاية إلي إبادئها وتخليص الإقليم من شرورها . وذلك عمل لا يتسنى للفرد أن يقوم به مهما أوتى من مقدرة وسعة في المال ، ومهما استعان بالإساليب العلمية وحده منفرداً ؛ فإنه حتى لو نجح في إبادة ما في حقله فسرعان ما ينتقل إليه مدد جديد من الآفات والحشرات من جاره ، إذا لم يكن هذا الجار متخذاً نفس الاحتياطات ومنهما نفس الاهتمام ؛ فالحاجة إذاً ملحة إلي هيئة علمية ترسم الخطط وترشد الجميع.
ويتصل بهذا أيضاً عمل من أهم الأعمال التي تستطيع هذه المراكز أن تساعد الفلاح بشأنه ، ألا وهو إعداء المحاصيل للتصريف ، فهذا في ذاته فن لا يتقنه إلا قليل ؛ فهناك أمور بهذا الصدد يجب أن يتعلمها الفلاح مثل فرز المحصول فرزا جيداً ، وترتيبه ترتبياً تدريجياً من حيث جودة صنفه ومن حيث درجة نقائه ؛ ومثل مراعاة الأصول العلمية في تعبئته ، ثم في حزنه بحيث لا يتعرض الآفات بسبب خطأ في التجفيف أو بسبب تعرض للحرارة أو للرطوبة ،
إلي غير ذلك مما لابد منه لحفظ المحصول في حالة جيدة إلي أن يأتي الوقت المناسب لتصريفه في السوق ، وبذلك يحصل الفلاح على أعلى الأسعار ، وبتفادي فساد المحصول ، كما تؤدي هذه الخطة إلى انتظام التموين في القطر على مدار السنة كلها.
ويتبع هذا إلي حد ما الصناعات الزراعية التي تقوم على بعض المحاصيل التى تظهر أحياناً بكميات هائلة ، بحيث يضطر الفلاح إلى بيعها تواً مخافة تلفها ، فيضحى بها بأتمان بخسة ، ولو أنه استطاع أن يصنع منها أصنافاً محفوظة يعرضها في السوق وقت غياب الطازج مها لحصل على فائدة كبري ، وانتفعت البلاد بهذه المحاصيل أكبر انتفاع لا في داخليتها فحسب ، بل عن طريق التصدير أيضاً.
وما يقال عن المحاصيل الحقلية ينصرف كذلك إلي محاصيل الخضر والفا كهة والأشجار الخشبية والنباتات الطبية الخ.
وتدرس هذه المراكز الزراعية الحيوانات الأكثر انتشاراً ونفعاً في الإقليم بنية الوصول إلى انتقاء خير السلالات وتحسينها بحيث تصبر عالية الإنتاج ، سواء من جهة ما ندره من أين أو ما تحمله أجسامها من لحوم ، أو ما تنتجه من بيض وصوف أو من جهة عدد ما تلده الخ .
ويدخل في ذلك بالطبع دراسة خير الطرق للتربية وللتغذية وللعلاج مما تجهله الآن الأغلبية الساحقة من الفلاحين . إذ يتبع معظمهم طرقا تقليدية عتيقة لا يقوم كثير منها على أسس علمية ، وقد يكون بعضها ضاراً بالفعل .
لكن هذه الهيئات العلمية الفنية المنقطعة للبحث في حاجة إلى هيئات أخري تنفيذية إدارية ، تكون واسطة اتصال بين هيئات البحث هذه وبين جمهور الفلاحين ،
تنقل إليهم نتائج تلك البحوث وتبشر بينهم بما تشير به تلك الهيئات الفنية ، وتدعو لاتباع نصائحها ونتائج تجاربها بشتي طرف الدعاية والإقناع ، وبعمل حقول نموذجية تطبق فيها الأساليب العلمية الحديثة ، ويدعي الفلاحون لمشاهدتها وتفقد حالتها حتى يقتنعوا عملياً بفائدة هذه الطرق وذلك النصائح والإرشادات
ثم إن هذه الهيئة الوسيطة تقوم أيضاً بخدمة الهيئة الفنية عن طريق آخر ، وهو جمع البيانات والإحصاءات ،
ونقل آراء جمهور المزارعين وملاحظاتهم ومتاعبهم ورغباتهم إلى تلك الهيئات الفنية لتسترشد بها في أبحاثها ، وتحاول بوسائلها الفنية حل صعوبات الفلاحين وما يعترضهم من مشكلات ، وترد على ما يقيمون من اعتراضات ، وتكيف أعمالها تبعاً للبيانات والإحصاءات . وبذلك ترتبط الشئون العلمية البحتة بالشئون العملية البحتة ، وتكون كلها سلسلة واحدة متصلة الحلقات .
وهناك ناحية على جانب عظيم من الأهمية لما يتجلي فيها من تعاون وتساند ، وما تبذل فيها من جهود جمعية
يساهم فيها كل فرد من أفراد الشعب ، وينتفع الفرد بجهود المجموع ، ألا وهي حركة التعاون الزراعي ، التي بها يستطيع الفرد الصغير أن يساهم في الأعمال الكبيرة التي ما كان ليستطيع أن يزج بنفسه فيها ويظفر بقسط منها بغير فكرة التعاون وإليك بعض أمثلة توضح ما نقصد من ذلك .
فشراء الأراضي الواسعة ولا سيما البور منها وإصلاحها وزراعتها ، وما يتطلب ذلك كله من نفقات ابتدائية كبيرة لا يستطيع الفرد أن يضطلع بها ، كل هذه يسهل القيام بها تعاونياً ، وكذلك استخدام الآلات الحديثة الغالية الثمن عادة والتي تحتاج لنفقات كبيرة ، كل هذه لا يمكن أن يصرفها الفرد حتى ولو كان قديراً من أجل ارض ضيقة المساحة ، فإن فائدتها لا تظهر إلا عند استخدامها في العمل بمساحات واسعة من الأراضى ، فعندئذ يكون عنصر توفير الوقت والنفقة واليد العاملة ظاهراً للعيان .
هذا من جهة المصاريف التأسيسية ، ولكن هناك مصاريف أخري وإجراءات للإدارة والصيانة والتصليحات ،
فبالتعاون يمكن الحصول على أسطوات وميكانيكيين مهرة وتدريبهم جيداً وعمل ورشة منظمة مما لا يتسني للفرد أن يقوم به ، فإن نجاح مثل هذه الأعمال لا يكون إلا على نطاق واسع ، وهذا لا يتم إلا عن طريق الاشتراك والتعاون . فهذه الهيئات التعاونية تستطيع استخدام عدد معقول من الآلات وإدارتها وصيانتها على أكمل وجه ، وتمكين أكبر عدد من المزارعين من الانتفاع بها إلى أقصى حد وبأقلة نفقة ممكنة.
كذلك تستطيع هذه الهيئات التعاونية أن تربي الطلائق الجيدة الغالية من الحيوانات لتكون في خدمة المجموع . لتحسين النسل ، وتسعى لإقامة أسواق عامة منظمة ، ولإنشاء ، مستشفيات بيطرية جيدة ، ولتنظيم المعارض المختلفة في
المواسم الملائمة ، وتيسير حصول الفلاح على ما يحتاجه من غذاء وكساء وسماد وتقاوى الخ بأثمان معتدلة وبدون فش وفي حماية من المستغلين الذين لا يرحمون .
وبالتعاون يمكن تحسين الحياة الصحية والاجتماعية عن طريق حمل مشروعات للمياه الصالحة للشرب وللحمامات العامة ، وتوفير الأدوية اللازمة وعمل معازل للحيوانات المريضة ، وتوفير أسباب العلاج لها محليا أو بواسطة مستشفيات متنقلة ، وعن طريق عمل مشروعات للترفيه كإعداد راديو وجهاز سينما وعرض أفلام مناسبة ، وترتيب محادثات شائقة وغير ذلك من مستلزمات الحياة العلمية الحديثة مما يروح عن النفس ويشرح الصدر وبوسع العقل ويخلق الألفة بين الناس .
وبعد ، فهذه رءوس مواضيع واقتراحات تعرض على سبيل المثال فحسب من رجل ليس له صفة فنية ، وإنما هو متصل الريف وفلاحيه وحقوله ، لامس للحاجة الملحة لإنشاء هيئات كالتي وصفها هنا ، تقوم مثل تلك الأعمال التي سرد جانباً منها ، بغية حفر الفنيين على متابعة الدراسة وإبداء آرائهم ليعاونوا السلطات على تبين أهدافها ، وعلى رسم الخطط للنهوض بالفلاح وتحسين حالته من جميع النواحي

