الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 305الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الحكم، فى ثنايا حديث

Share

جري الحديث في المجلس عن مصر ، وأي حديث تنبسط إليه النفوس انبساطها إلي حديث مصر ؟ إن الأمال لتستشرف المستقبل ، وإن الآلام لتظل عاتية من ثنايا العبر المتكررة في الماضي ، وإن القلوب لتتأمل هذه وتلك في عزة مخلصة لا تحمل على الآلام حقدا ، ولا تستسلم للاماني غرورا . بل تتطلع إلي الغد راجية أن يكون خيرا من الآمس في خشوع المجرب الذي عرك الحادثات ، وخرج من بينها بندوب تذكره بالنضال الطويل . وكانت الساعة صافية هادئة تجردت فيها النفس من الأهواء ، وسبحت في عالم المثل والصور ، حتى شعرنا بأن المجلس يغشاه ضوء أزرق رفيق من أضواء الأفق الأعلى

وكان النيل يجري تحت أعيننا ، ذلك النيل الذي شهد تصرم الأجيال وتقلب الدنيا بين الدول والأجناس ، فكان يذكرنا بمصر الخالدة التي انبثت على ضفافه مدنية وحيدة في عالم موحش مقفر من المدنيات ، والتي عاشرت أمم العالم واحدة بعد واحدة ، حتى وقفت في هذا القرن العشرين مرة اخري في مفترق الطرق ، تدعو بنيها بأن يشدوا المناطق حول الأوساط ، وان يستعدوا للوثبة الجديدة مع المدنية الجديدة

لقد كان ذكر مصر في ذلك المجلس عطرا للجو ، ونشوة للفكر ، وعلالة للقلب المتوثب القلق ! ولقد خيل إلي وانا في ذلك المجلس ان قلبي ينفث لهبا بعد أن حسبته قد اكتهل وهدأ ، واحسست الشعلة القديمة تشب فجأة لتدلني على ان الجمرة لا تزال هناك تتقد في طي مكمنها ، ولا تزداد على الأيام إلا تعمقا .

كان الجمع من الأصدقاء في منزل الدكتور بهى الدين بركات باشا ، وهو غني عن التقديم لأهل مصر جميعا ، فلا حاجة بنا معه إلى تقديم . غير ان شيئين فيه يقربانه إلي " الثقافة ويجعلانه من اسرتها ، فهو رجل من رجال الفكر الحر ! والثقافة ما زالت منذ نشأتها منبر الفكر الطليق .

وهو رجل وهب نفسه لمصر كافة غير مقيد بحزب ، بل يخدم الحقيقة وحدها ، والثقافة مند أوليتها تهب نفسها لمصر كافة ، ولا تخدم إلا الحقيقة وحدها

وتشعب الحديث وتدفق حتي بلغ الحكم ومسئوليته أمام الأمة ، فقال أحد الأصدقاء مشفقا : " لقد شاعت في البلاد التهم حتى ساءت الظنون ، ولا ندري إذا صحت قالة السوء هل يمكن الإصلاح ؟ "

فانبري صاحب الدار يتحدث في صوته الهاديء " ليس من الحق أن نحكم على الأمة بما نراه على ظاهرها .

لم توجد أمة في العالم جمعت كل الخير ، ولا أمة اجتمع لها كل الشر . هكذا كانت الأمم قديما وحديثا ، وهكذا الأمة المصرية اليوم . فكل شعب يضم ثلاثة صنوف من الناس : صنف من الاخيار الذين يميل بهم الطبع إلي تحقيق الخير ، وهؤلاء طائفة صغيرة تختلف نسبتها إلي جمهور الشعب ؛ فقد تزيد في بعض البلاد ، وقد تنقص في الأخرى ، ولكنها في كل الاحوال قليلة إذا قيست بمجموع الأمة . وهناك صنف آخر من الأشرار الذين يتصفون بالجرأة على مقارفة الشر ، وهم كذلك فئة قليلة إذا قيسوا بمجموع الأمة . وأما كثرة الناس والسواد الأعظم من الأمم ، فأفراد يجاهدون في غمار الحياة ، فيهم دوافع كامنة غامضة ، لا يوجبون على أنفسهم واجبا في الخير ،

ولا يقحمونها قسرا في مقاحم الشر ؛ وهؤلاء قد ينصرون كتيبة الخير ، كما قد تنتصر بهم كتيبة الشر ، لأن فيهم عناصر كل ذلك متفاوتة كامنة . ومن هنا تتمثل لنا

مسئولية الحكم . فإذا اتيحت للأمة قيادة من الأخيار اظهرت كل ما في سواد الشعب من عناصر النبل والكرم والإيثار والتضحية ، وإذا تولت شئون الامة قيادة من الأشرار ، أظهرت كل ما في سواد الشعب من الجشع والأثرة والظلم والقسوة

وساد المجلس صمت قصير . ونظر صاحب الدار إلي ما وراءه نحو النهر الساكن الذي كان يتلألأ تحت أنظارنا . ثم انطلق صوت متحمس فقال :

" وهكذا استطاع الرسول عليه الصلاة والسلام أن يسمو بالعرب مع رسالته إلي أعلى الآفاق ، وهم هم العرب الذين كانوا من قبل أضيع الأمم شأنا " ! - وقال صوت آخر : - وهكذا استطاع سعد أن يحدث في مصر تاريخ نهضة . وقال ثالث في حيرة :

" ولكن هذا الرأي يبريء الأمم من تبعات الحياة ، ويجعل الحكم هو المسئول وحده ، مع ان روح الحكم احري أن يكون صورة من روح الأمة " وتطاولت الأعناق نحو السائل تتحفز للجواب ؛ وسبق صاحب الدار هادئا فقال :

لاشك في أن الحكم والأمة يتكاملان في الصورة ولو بعد حين ، فحيث تسمو الأمة في مجموعها يسمو الحكم بغير شك ، وحيث تسف الامة في مجموعها يوشك الحكم أن يتبعها إلي الإسفاف . ولكن الذي يأخذ بيد الأمة نحو العلا أو يتدهدي بها إلي الهوة هو رأسها . هم قادتها المسئولون عن مصائرها . فعاد السائل فقال : ولكن الأمة مختار قادتها ، وهم يكونون على صورتها ، فالمسئولية الكبري عائدة إليها لأنها هي التي اخرجتهم على

الصورة التي تختارها ! نعم . قد يفرض بعض الناس سلطانهم على الأمم قسرا ، ولكن سلطانهم لايدوم إلا حينا قصيرا مادامت لهم القوة على القسر والإرغام ؛ ثم تعود الأمم فتنطلق وتختار لنفسها .

فقال صاحب الدار في حرارة :

لك أن تقول ذلك بغير شك . فالأمة هي التي تختار قادتها ولو كان ذلك بعد نضال طويل وتجارب مرة ،

ولكنها إذ تختارهم تلقي إليهم قيادها وتأتمنهم على مصيرها ، فليس لهم ان يعتذروا بشيء في الامة ، او يحاولوا الاستتار وراءها . والأمم لا تتردد في طاعة القادة فيما يتجهون إليه إذا انست منهم انهم يتخيرون لها السبيل في حزم ونزاهة ، وإذا وثقت انهم يعملون لها ويخلصون في النصح والاجتهاد في خدمتها

إن القادة أشبه الناس بالرعاة . وصورة الراعي هي الصورة التقليدية للزعيم . فالقادة مطالبون بأن يتخيروا السبل للشعوب التي يرعونها ؛ فإذا ادعوا انهم قد ضلوا السبيل ، لأن الأمة هي التي ضلت بهم ، كانوا مثل الرعاة الذين يعتذرون عن هلاك القطيع بأنه هو الذي صرفهم عن سواء السبيل وجمح بهم إلى الهاوية

وأي راع ذلك الذي ينقل طرفه في سواد قطيعة مترددا ، ثم يلحق به حيث سار ؟ .

وعاد الصمت حينا واتجهت الأنظار إلي النهر الهاديء الذي عاش طوال العصور ، وسبح الخيال واثبا نحو المستقبل عند ما يتعاقب على هذه الأرض جيل بعد جيل ، وتمثلت لنا سيرة هذا العصر الحاضر ، إذ تتناقلها الاحاديث بعد دورة السنين الطويلة ، وسألت نفسي : ليت شعري ماذا يكون حديث المستقبل عن هذا الحاضر ومكانه بين

حقب الزمان ؟

اشترك في نشرتنا البريدية