وإننا نطالب بأن يكون تدبير الأمور الفنية في الوزارات من شأن الموظفين الفنيين الدائمين .
ليس من طبيعة الأشياء أن يكون في الحياة ما هو خير محض ، ولا ما هو شر محض . فالمحاسن وأضدادها تجتمع في الصعيد الواحد في أكثر الأوقات ، وكلما زادت تجارب الإنسان في أمور الحياة وزاد اطلاعه على الحقائق ، تبين له أن الأسماء الجميلة قد تخفي تحتها بعض ملامح لا تمت إلى الجمال بسبب .
أقدم هذه المقدمة القصيرة على سبيل الاعتذار بين يدي رأي اريد ان اسوقه في الديمقراطية ، فالديمقراطية هي النظام المفضل في العالم كله ، وهي النظام الذي قد ارتضيناه في مصر ، وهي عند وزن النظم ومقارنتها بعضها ببعض أفضل طرق الحكم . هذا لا نشك فيه ولا نتردد في الإقرار به . ولكن الديمقراطية نظام أقامه الإنسان ، والإنسان ليس إلها منزها ، فهي مثل سائر أمور الحياة البشرية لا يمكن ان تنطوي على خير محض خال من كل شر . بل لقد ثبت أن لها مساويء تحاول الأمم جميعها أن
تدمن النظر إليها والاحتيال في علاجها ، وتدبير ما يحفظ المجتمعات من آثارها .
فمن مساوئها التي يحسن بنا ألا نغفل عنها ، أنها تجعل الحكم في يد طائفة من المواطنين الذين لم تسبق لهم في كثير من الأحيان خبرة بأمور الوزارات التي يلونها
ففي النظم الديمقراطية مثلا يختار الوزراء من بين السياسيين الذين لا يشترط فيهم ان يكونوا من اهل الخبرة في الأمور الفنية . لان السياسي إنما يصرف جل اهتمامه إلى الشئون العامة ، وأكثر ما يعنيه من أنواع الدراسة هو ما يمس النظريات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ؛ وإذا اتفق انه من الفنيين فإنه يجد في مشاكل الحياة العامة ما لا يبقى له وقتا لتخصص فني معين
وقد يكون الوزير في الحكم الديمقراطي الصحيح عضوا في حزب من الأحزاب ، يمتاز بقوة شخصيته او بمقدرته على الكفاح ، أو بسحر بيانه وأثر فصاحته في جماهير الناس ،
ومثل هذا لا يطلب منه ان يكون صاحب تخصص فني أو علمي . فمجمل هذا القول إن الوزير في الحكم الديمقراطي قد يلى أمور وزارة من وزارات الدولة مع أنه لا يدعي إلماما بما تحتاج إليه تلك الوزارة من علم أو فن
وهذا بغير شك من المساويء التي لابد منها في الحكم الديمقراطي ، والحكومات الديمقراطية تعرف هذا العيب المنطوي في نظامها ، وتحتال عليه بحيلة بسيطة : وذلك انها تخصص الوزراء لأمور السياسة العليا ، وتوجيه الشئون نحو الهدف الأسمى الذي تتجه إليه ؛ وأما رسم خطط السير وإنفاذ التفاصيل فلا يتدخل الوزراء فيها
بل يكلونها إلي المختصين من موظفي الدولة الذين يقضون حياتهم في معالجتها والتوفر على درسها . فمن اشد الامور خطرا على الحكومة الديمقراطية أن يحاول الوزراء الجمع بين الهيمنة العليا وبين رسم الخطط وإنفاذها ، فإن هذا الخلط لا يمكن أن يفتح إلا اضطرابا وفسادا وتناقضا .
هذا قول عام يصدق على النظم الديمقراطية في العالم كله ، ويشمل مصر كما يشمل كل دول الغرب والشرق التي تتمتع بالحكم البرلماني . ولكن مصر تختلف عن كثير من البلاد الديمقراطية الأخرى فيما للوزير من نفوذ عظيم لا نظن أن وزيرا يتمتع به، في الأمم الديمقراطية الآخري . فلا تحسب أن في بلاد العالم وزيرا يستطيع أن يمحى إلي جانبه كل نفوذ الموظفين الذين يساعدونه كما يمحي نفوذ الموظفين المصريين إلى جانب وزرائهم ! هذه حقيقة اساسية يجب علينا ان نتحقق منها ، وان نحلها محلها من العناية ، وان نتدبر في آثارها لكي نحتال عليها بما يحقق المصلحة العامة التي ترمي إليها .
فالوزير المصري يستطيع ان يأمر بما يشاء بغير ان يجد ما يحد من سلطته في النظام القائم والعرف المتبع ؟ والوزير المصري مخير فيما يبيحه للموظفين الذين يساعدونه من فرص إبداء الراي او رسم الخطط او إنفاذها ، ولو شاء ان يكون هو المتصرف المطلق في امور وزارته لما منعه من ذلك
مانع من قانون أو عرف . فإذا اصيبت وزارة بوزير يحسب ان له كفاية خاصة تجعله قادرا علي كل شئ وان له ذكاء يمكنه من إدراك كل شئ ، وان له سعة في العلم تجعله يقدر على تدبير كل شئ - إذا اصيبت وزارة مصرية بوزير مثل هذا - لم يستطع شئ ان يقف في سبيله ، وامكنه ان يكون المحرك لكل ما في وزارته ، والمدبر لكل شئونها !
ولقد دلت التجربة على أن الجمع بين معالجة المشاغل السياسية والمشاغل الفنية أمر غير متيسر في الحياة . وأن الوزراء الذين يدعون المقدرة على ذلك لانهم من افذاد البشرية ، إنما ينتهون بوزارتهم إلي شئ يقرب من الإفلاس ، ويقتحمون بها من الوسائل ما يقرب من السخف ، والسخرية . ولنضرب لذلك مثلا ماحدث في وزارة المعارف في بعض العهود الماضية ، عندما جاء إليها الوزير الذي يحسب انه من فلتات العبقرية التى تستطيع كل شئ . وتقدر على كل شئ ، وتسئ الظن بكل ما خرج من غير دائرتها الذهنية
ولسنا نلقي القول جزافا ، بل نذكر يوما منذ سنين طلع فيه مثل هذا الوزير على وزارة التعليم :
لم يكن لذلك الوزير علم بأمر من أمور التعليم ، كما هو طبيعي لمن كان مثله في دراساته ووجهة حياته ، وليس ذلك بعيب فيه ، فقد يكون له امتياز في طريق آخر لا ينازعه فيه منازع ولكنه كان يقبض على صولجان الوزارة ، وكان في استطاعته أن يأمر وان ينفذ ، فظن أنه قد يبلغ من العلم بالتعليم ما لم يبلغه رجال خصصوا كل حياتهم له . وأعد عدته واطلع على بعض كتب التربية ، ثم فحص بعض ما رفع إليه من مذكرات ، واعجبته بعض أفكار هنا وهناك فيما قرأ من ذلك كله ، فتحمس لها حماسة بالغة ،
وآل به الأمر إلي رأي قاطع في ضرورة الإصلاح في نظم التعليم بحسب تلك الأفكار ، ودعا إلى إصلاحه دعاية فسيحة . ثم اصلح التعليم الثانوي . . ومنذ ذلك الإصلاح ارتفعت اصوات كليات الجامعة تلوم التعليم الثانوي ، وتلقي
عليه تبعة إسفاف التعليم الجامعي . ولسنا نشك في أن الإخفاق المريع الذي يصيب طلبة الجامعة في أول عهدهم بالدرس فيها راجع إلي وقت الإصلاح الذي ابتدعه ذلك الوزير المتحمس . ولقد قرأ ذلك الوزير ، فيما قرأ من الكتب والتقارير ، ان إذاعة الروح امر لابد منه إذا شئنا ان يكون التعليم مجديا ، وسمع ان هناك شيئا اسمه التعليم بوساطة النشاط الذاتي ؛ فاخترع مراقبة اسماها مراقبة النشاط
المدرسي ، وابتكر أسماء استعارها استعارة من بعض ما سمع عنه في بعض المدارس الإنجليزية ؛ نذكر منها نظاما سماه نظام الأسرات . ومضت سنوات فإذا بمراقبة النشاط المدرسي قد أصبحت اداة ، لكى تجعل النشاط بابا من أبواب التظاهر لا روح فيه ؛ وإذا بالأسرات تنام قريرة العين تحت طبقات من رمال النسيان
ثم عاد ذلك الوزير مرة أخري إلي الوزارة فأراد أن يدخل في التعليم بدعة جديدة تضيف إلى مجده القديم مجدا جديدا ، فأقبل على بعض الكتب يقرؤها ، وبعض التقارير يعتكف على استيعاب ما فيها ؟ وكان لا يفتأ يتحدث عن عجز من معه من الموظفين ، ويباهي بأنه وحده الذي يعمل ويجتهد ، حتى عثر مرة اخري على صيد سمين في صورة اسم ديمقراطي جميل ، وهو " تسوية الفرص "
ذلك بأنه قد علت في بلاد الإنجليز صيحة من وجود مدارس ممتازة في بلادهم ، ينال المتخرجون فيها قسطا اوفر من سواهم في وظائف الدولة وفي ثقة جمهور الامة ، واراد الصائحون الإنجليز من تلك الصيحة ان يسووا بين الناس جميعا بأن تكون لهم مدارس متساوية ، ينال المتخرجون فيها حظوظا في الحياة متساوية .
فأعجبته تلك الصيحة ، فاعتكف مرة أخري وأخرج تقريرا ، يردد الصيحة قائلا : " يجب ان نسوى الفرص في التعليم " .
والحق إنها لصيحة كريمة تلك التي ترددت في بلاد الإنجليز . وإنه لجدير بمصر ان ترددها وان تعمل على تحقيقها ، لأن هذه التسوية هي لب الحياة الديمقراطية ، ولا
تستحق الديمقراطية أن تسمى باسمها إذا هي لم تسو بين ابناء الأمة في فرصة التعليم . ولكن ماذا اعد ذلك الوزير لتلك الصيحة وراء الدعاية الواسعة التي دعا بها ؟
فلينظر الناس حولهم ليروا الأبناء الذين يترددون على أبواب المدارس لا يجدون فرصا متساوية ولا غير متساوية . وليتبصر المصريون في عواقب ما ينشأ من هذه الحال ، إذا قامت في مصر مدارس خاصة ممتازة لتعليم ابناء الطبقات الموسرة أو المتوسطة التى لاغني لها عن التعليم ثم ليحكموا ماذا ادى إليه رأي الوزير الذي اراد ان يفوز بالفخر كله ، وان يكون هو الذي نقل الصيحة ، وهو الذي رسم الخطة ، وهو الذي أجاب نداء الديمقراطية .
إنه لم يستطع شيئا لأن طبيعة الأشياء تأبي إلا أن يكون للاصلاح مراميه وخططه ووسائله
فعلينا الآن أن نتدبر في الخروج بالتعليم من الورطة التي تورط فيها ، نتيجة محاولة الجمع بين التوجيه الاعلي وبين تدبير الغايات والوسائل . ولا مناص لنا إذا اردنا الإصلاح من أن نرد الأمور إلي نصابها ، وان يلجأ الوزير إلى الموظفين المساعدين الذين جعلوا حياتهم كلها لذلك التدبير . فإذا كان هؤلاء حقا لا يستطيعون شيئا كما كان يدعي ذلك الوزير في مجالسه ، فالامر هين ؛ فلنبحث عن سواهم ممن يستطيعون ، اللهم إلا إذا كانت البلاد كلها قد صارت عاجزة حقا عن ان تجد في الوف الفنيين من يستطيع مساعدة الوزير
إن تغيير الوزراء امر طبيعي للحكم الديمقراطي ، فإذا كان الوزير يعمل وحده ويجتهد وحده ، تعرضت شئون الإنشاء والإدارة للتغير المستمر تبعا لتغير الوزارات . وهذا امر يذيع الاضطراب والتخبط في شئون الامة الهامة ، والأستمرار على نقض ما ابرم وإبرام ما كان نقض . ولا دواء لكل ذلك إلا بأن توجد في كل وزارة هيئة فنية جديرة بالثقة ، وان يوكل إليها تدبير الامور في كل شأن من الشئون الفنية .

