الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 306 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الحكم .، حول " ماذا نريد "

Share

( من المسئول عن الارتجال في المسائل الفنية ؟ وكيف يتحقق لها الاستقلال والاستقرار ؟ )

كتب الأستاذ محمد فريد أبو حديد في العدد ٣٠٤ من هذه المجلة تحت عنوان " ماذا نريد " ، وفي سبيل المطالبة بأن يكون تدبير الأمور الفنية في الوزارات من شأن الموظفين الفنيين الدائمين ، كتب يشرح كيف أن بعض الوزراء يهملون معاونيهم الفنيين ويتفردون بالاضطلاع بأعباء الوزارة اعتدادا منهم بمقدرتهم ، أو شكا منهم في مقدرة معاونيهم وقد بين الأستاذ أبو حديد الأضرار التي تنجم عن هذا ، وضرب لذلك مثلا بما حدث في وزارة المعارف في بعض العهود الماضية ؛ كما بين ما تعانيه تلك الوزارة بل ما يعانيه الأهلون جميعا من جراء تلك السياسة التى جرى عليها وزير ذلك العهد .

وقد ختم الأستاذ مقاله بأن انفراد الوزير بالعمل يعرض شئون الإنشاء والإدارة للتغير المستمر ، ويذيع

الاضطراب والتخبط في شئون الأمة الهامة ، والاستمرار على نقض ما أبرم وإبرام ما كان نقض ؛ ورسم العلاج بقوله : " ولا دواء لكل ذلك إلا بأن توجد في كل وزارة هيئة فنية جديرة بالثقة ، وان يوكل إليها تدبير الأمور في كل شأن من الشئون الفنية " .

ونحن نوافق الأستاذ على هذا المبدأ كل الموافقة  ونحسب أن كل عاقل يتمنى لو وجدت في كل وزارة هيئة دائمة ثابتة مستقلة تضطلع بالشئون الفنية . ولكننا نخالفه في أمرين : الأول لوم الوزير وحده على تلك السياسة التي اختطها ؛ والثاني ما قد يتبادر إلى الذهن من أن مجرد خلق تلك الهيئة الفنية الجديرة بالثقة ، وترك تدبير الشئون الفنية لها ، فيه الضمان الكافي لحسن سير المسائل من الوجهة الفنية كما ينبغي .

فأما عن الأولى فإننا نرى أن في عنق الموظفين الفنيين بكل وزارة أمانة ، هي ان يرعوا الشئون الفنية ويخصوها بعنايتهم ، وأن يدافعوا عنها بكل قوة إذا اصابها شئ من الضرر أو نالها سوء من أي جانب من الجوانب ، وعلى يد أي شخص من الأشخاص مهما كانت شخصيته ومهما علت منزلته . فلو أن الفنيين في وزارة من الوزارت رأوا الوزير يتخطاهم في المسائل الفنية بالكيفية التى صورها الأستاذ محمد فريد أبو حديد لكان من واجبهم ان يقفوا مدافعين عن وجهة نظرهم الفنية ، لا يخشون في ذلك لومة لائم ، ولا ينظرون لأي اعتبار خلاف الاعتبارات الفنية والمصلحة القومية

وليس معني هذا انني اقصد أن اكلف هؤلاء الفنيين شططا ، بمطالبتهم بمحاربة الوزير ، ومناصبته العداء ، ومهاجمتة بالعنف ، فهذا مالا يقول به إنسان ؛ فالوزير على كل حال هو المسئول الأول عن وزارته ، وله الكلمة الأخيرة في كل شأن من الشئون . وإنما الذي أقصده ان على الموظفين الفنيين ان يؤدوا واجبهم ، ويبرئوا ذمتهم ،

ويريحوا ضمائرهم ، ببسط وجهات نظرهم بالحسني مدعمة بأقوي الحجج الفنية ، ومستندة إلى الارقام الإحصائية ، ومبينة وجه الضرر فيما يريد الوزير إبرامه ، ووجه النفع فيما يشيرون عليه باتباعه

وقد يعتذر ضعاف الإيمان بأن ما تدعوهم إليه وما تعده من واجبهم ، امر غير معقول ، وانه قد يكلفهم تدخلا قد يحسب عليهم من وجهة آداب المجتمع وقواعد السلوك غير مرغوب فيه . فالرجل الفني في نظرهم موجود في مركزه ويتقاضى مرتبه على ان يقوم بما يطلب منه من اراء ، وما يكلف به من اعمال ، على الوجه الذي ترتضيه المصلحة ؛ فإذا كان الوزير في حاجة إلى نصيحة قدمها وإن استغني عنها فليس من الحكمة أن يقحمها عليه

ونتيجة الآخذ بهذا الرأي ، أنه عندما يوجد الوزير الذي وصفه الاستاذ فريد أبو حديد يوجد إلى جانبه عشرات من الرجال الكبار ، ومئات ممن يلونهم ، لا عمل لهم ، مادام الوزير قد استخار الله ، وعقد النية على ان يعمل بنفسه منفردا بغير حاجة إلى مشورة الرجال الفنيين حسب مقتضيات مراكزهم ، وطبقا لنوع عملهم ، وإنما يكتفى بواحد أو اثنين يصطفيهما للاستشارة من آن لآن ، إذا شعر بحاجة إلى تلك الاستشارة .

فهؤلا ، القوم الذين وضعوا على الرف ، ولم يطلب منهم استخدام عقولهم ومواهبهم ، وبذل قصاري جهودهم في سبيل الإنتاج ، قنعوا بأن يروحوا ويجيئوا كل يوم إلى مكاتبهم منتظرين حتى يقضي الله امرا كان مفعولا ،

ويأتيهم الفرج بتغير الحال ، ولم تحدثهم أنفسهم - طبقا للقاعدة الذهبية التى ذكرناها من قبل - بأن يتناولوا مشروعات الوزير واعماله بخير ولا بشر . فهل وجهة نظر كهذه يصح أن تقبل من أصحابها ؟

لا نظن ذلك ، فنحن لا نقر مثل تلك القاعدة التي يتخذها البعض تكأة لإرضاء الضمير ، وحجة للسكوت ، وسببا للتغاضى عما يجري أمامهم وتحت اعينهم من الخلط والعبث ؛ وإنما نري ان كل موظف فني يجب ان يعتبر نفسه مسئولا عن كل ما يجري حوله ، مطالبا بأن يؤدى واجبه الفني ولو لم يطلب ذلك منه . والطرق لأداء هذا الواجب عديدة بحيث إذا سد احدها في وجهه فأمامه طرق اخرى يسلكها . فهو لا يعدم وسيلة لإسماع الوزير رأيه ونشره على الناس ، وتأييده بكل الطرق المشروعة ، وبسطه لقادة الرأي في البلاد والدفاع عنه أمام الجميع .

وقد يعترض معترض بأن من يفعل ذلك يستهدف لغضب الوزير ونقمته ، كما حدث بالفعل في بعض حالات معروفة ، ولكن هذا راجع إلى ان الذين يتصدون لمثل

تلك الأعمال قليلون بحيث يستطيع الوزير ان ينال منهم . أما إذا كان الرجال الفنيون في جملتهم اقوياء ، متضامنين ،

ضمائرهم حية ، وتحمسهم للفن وللمصلحة عظيم ، وإيمانهم برسالتهم راسخ ، فإن الوزير ما كان يستطيع ان يهمل رايهم ، ولا ان ينال من بعضهم ، ولا ان يستهين بالشئون الفنية ويحسبها مجرد تسلية ! وذلك لعلمه ان وراءها حراسا يقظين لا يمكنون احدا من العبث بها ، وعندئذ يحسب لهم الف حساب ، ويتردد قبل ان يتخذ خطوة كالخطوات التي أشار إليها الأستاذ أبو حديد .

والان فلنتكلم عن الامر الثاني ، وهو هل مجرد خلق هيئة فنية جديرة بالثقة في كل وزارة لتدبير الشئون الفنية فيه الضمان الكافي ؟

الواقع أن كل شئ يتصل بهذه الهيئة متوقف على جدارتها بالثقة ، وليس يكفي في نظرنا ان تكون جديرة بالثقة من الناحية الفنية وحدها . فكم سمعنا عن هيئات فنية قديرة وضعت مشاريع او نظما أو قواعد فنية ، وأيدتها بحجج فنية قوية ، ثم لا تلبث نفس هذه الهيئات ،

عند ما تتبدل الظروف ويبدو لها ان اتجاه اصحاب السلطان قد تغير ، ان تتقدم بمشاريع او نظم او قواعد فنية في نفس الموضوع السابق ، مخالفة التي وضعتها من قبل ، أو لعلها على عكسها تماما ، ولم تعدم حيلة لدعم هذه المشاريع أو النظم او القواعد المضادة بحجج فنية جديدة قوية تؤيدها ، وتبرر الأخذ بها دون سابقاتها

فهل مثل هذه الهيئات على كفاية أعضائها الفنية جديرة بالثقة ؟ اظن لا . وإنما نحن نطلب الجدارة بالثقة من ناحية اخرى ، وهي ناحية القوة النفسية ، والشجاعة الأدبية ، والأمانة العلمية ، التى تجعل هذه الهيئة تخضع لسلطان واحد فقط هو سلطان الضمير وسلطان المصلحة العامة الحقيقية ، ولا تتأثر بأي اعتبار اخر ، ولا تستجيب

لأي إيحاء ، ولا تلين أمام أي تهديد ، ولا تحسب حسابا لأي شخص أو مصلحة خاصة من أي نوع من الأنواع .

على أننا نري أن تحقيق هذا الأمل لا يتأتي إلا إذا سرت هذه الروح في الامة ، واحس الناس في قلوبهم بحاجة ملحة إلى ذلك الاستقلال الفنى ، وملكت هذه العقيدة على أفراد الشعب - ولو المستنيرين منهم - نفوسهم ، وأصبح هناك رأي عام يؤيد هذا الاتجاه ويعززه وينادي به .

فهذا في نظرنا هو سر نجاح استقلال الهيئات الفنية في البلاد كانجلترا ؛ فالقوم هناك كلهم مؤمنون به فلا تملك الحكومات أن تحيد عنه ، ولا يجرؤ وزير ان يعبث بهذا الاستقلال الفني لأية هيئة من هيئاته ، في أية  ناحية من نواحي الحياة العامة

فعلينا إذن أن نجاهد لإذاعة هذه الروح ، ونعمل لكسب الاستقلال الصحيح للهيئات الفنية . فكما ان الاستقلال السياسي لا يتحقق إلا بعد جهاد ، والمبادئ الديمقراطية لا تستقر إلا بعد دعاية قوية ؛ لأن السلطة تستهوي النفوس ، وكل شخص يتلذذ من الاستمتاع بالسلطة والنفوذ الذي لا حد له ، فليس إذن من السهل إقناعه بأن ينزل عنها مختارا ، بل لا ينزل عنه إلا مرغما .

فكذلك الأمر هنا يحتاج إلى كفاح ، فهو ليس بالهين الذي يحل بمقال أو بمقالين ، او بتقرير او اثنين ، أو حتي بقرار أو قرارات ؟ وإنما هو مبدأ يتطلب منا دفاعا قويا ، وسعيا حثيثا ، ودعاية واسعة ، ومحاربة بالطرق المشروعة لمن سيقفون ضده ، وتأييدا لاولئك الفنيين المتصفين بالشجاعة في الدفاع عن الحق ، حتى يكثر عددهم ، ويقوي حزبهم ، وينتصر جانبهم .

فإذا تم لنا ما يقرب من هذا كله ، كان لنا ان نؤمل في أن يكون " تدبير الأمور الفنية في الوزارات من شأن الموظفين الفنيين الدائمين كما يقول الأستاذ أبو حديد ، ومن يدري فلعل ذلك مستطاع وقريب المنال ؟ !

اشترك في نشرتنا البريدية