مر علينا منذ تسلمنا مقاليد بلادناً وأصبحنا مسئولين عن تصريف أمورنا ورسم سياستنا وتنفيذ مشروعاتنا نحو عشرين عاما . فهل إذا استعرضنا ما تم في تلك الفترة الزمنية الطويلة من إصلاحات ، وما نفذ فيها من مشاريع ، وما أفادت البلاد من هذا الحكم الوطني ،
وما جنت من الخير على يد أبنائها ، هل إذا استعرضنا كل ذلك اطمأنت له نفوسنا وارتاحت إليه ضمائرنا ، ولمحنا فيه أملا في مستقبل زاهر ، وتبينا من خلاله ماذا سيكون شأننا بعد عشرين سنة أخري ، وإلى أي مستوي سنصل في شتى نواحي الحياة ، وماذا ينتظر أن تكون نواحي القوة فينا ، وأين يخشى أن تكون نواحي الضعف لا تزال كامنة ، إلي غير ذلك من التنبؤات والاستفهامات ؟
لا أظن أن فينا الكثيرين ممن يجرؤون على الإجابة عن تلك الأسئلة بالإيجاب ، وان يقرروا إمكان تحقيق هذا كله ! وما ذلك إلا لأن الأمور قد جرت عندنا خلال
تلك الفترة تقريباً على غير أساس ، وسارت سيراً مضطربا ؛ فالسياسة التي توضع من آن لآن في بعض الأحوال سياسة ارتجال ، والخطط التي ترسم قد تكون وليدة الصدفة .
ويأتي الإيحاء بهذه الخطط وتلك السياسة في العادة نتيجة لظروف عارضة ، أو رغبات تبدو من جهات عالية ، او فكرة عابرة تروق في عين أصحابها من ذوي النفوذ ، أوميل خاص واتجاه معين في الوزير الذي يتولى الوزارة ، أو رغبة في الدعاية الشخصية والسياسية ، أو غير ذلك من الصدف والظروف الطارئة .
والذي يستعرض بعض خطب العرش يجد أمثلة كثيرة تؤيد ذلك فيجد مثلا فيما يختص بوزارة المعارف (وهي التي سنخصها بالكلام في هذا المقال) أن بعضها يهتم بالتوسع الجامعي ، وبعضها يهتم بالوعد بالنهوض بالتعليم الصناعي ،
وبعضها يبدى عناية بالفنون الجميلة ؛ والطابع الذي يغلب عليها جميعها تقريباً هو التعميم في الكلام ، وإيراد وعود شاملة عائمة كالنهوض بالتعليم ومسايرة التقدم ، والعناية ببعض النواحي من غير تحديد أو ارتباط باتجاه معين . والطابع الثاني الذي يلمح في هذه الخطب هو مايتم عن العناية بالكم قبل الكيف ، فيتردد فيها صدي التوسع في التعليم الاولي وفتح المدارس والفصول الجديدة إلي غير ذلك ، مع أن
البلاد تشكو من أقصاها إلي أقصاها ، ومن الرجل العادي إلي الوزير ، يشكو الجميع فشل التعليم الأولي وضعف الروح في التعليم العام ، وعدم تبين الهدف في التعليم الفني ، إلى غير ذلك من العيوب التي كانت أولى بالعلاج .
فهل آن الآوان لأن تستدير البلاد هذا العهد الغامض العائم ، الذي يسود فيه الارتجال وتتحكم الصدف ؟ هل ستصدف عن تلمس المشروعات التى يوحي لأولى الأمر بتتبعها ، أو المشروعات البراقة التي تصلح أداة للدعاية الواسعة ، ولفت نظر الجمهور والفوز بالتهليل والتصفيق والمديح والثناء ، وتدرسها كلها دراسات سطحية لتتخذ فيها قرارات سريعة بغية التعجيل بإخراجها إلى حيز العمل ، ونشرها على الناس ليتناولوها بالتعليق والتقريظ ؟!
ألم يحن الوقت بعد لان نستقبل عهداً جديداً يكون أساس الحكم فيه الدراسة الهادئة الوافية العميقة لكل مشكلة من مشاكل الحياة ، ولكل نقص ظاهر في المجتمع ،
ولكل ضعف يجر على البلاد الشر والوبال ، وبالاختصار لجميع العوامل التي تؤدي إلى التأخر وتقف عقبة في سبيل النهضة والتقدم ، ثم ترسم في ضوء كل تلك الدراسات خطططاً محكمة للعلاج ولتلافي كل تلك العيوب ؛ ويكون لهذه الخطط أهداف معينة تصل بنا إلى مستويات معقولة من الرقي ، في فترات محدودة من الزمن ، بأساليب تتفق مع روح العصر وحاجيات البلاد ، وعقليات بنيها وبناتها واستعداداتهم وميولهم ، والمثل العليا التى تلائمنا وتتمشى مع ظروفنا وتتفق مع تقاليدنا وتاريخنا بوجه عام ؟!
وأعود فأؤكد ضرورة بناء سياسة المستقبل ورسم الخطط له ، واختيار الوسائل والأساليب على الدراسات الواسعة المستفيضة في غير ما تسرع أو إهمال لأحد العوامل وبغير تقيد بالأشخاص أو الزمن ؛ فالمهم في هذا الأمر هو
استيفاء البحث من جميع نواحيه . وبين يدي الآن مثل رائع يوضح ما أعنيه في هذا الشان ، أورده للقراء لتوضيح الفكرة التي أقصدها . فهذا تقرير عن التعليم الثانوي في إنجلترا معروف بتقرير Spens سبنز، وصادر في نوفمبر سنة 1938،
ويقول واضعوه في مقدمته إنهم بدأوا في درس المسائل التي عهد إليهم بها في أكتوبر سنة 1933. ومن هذا يتبين أن دراسة الموضوع من أوله إلى آخره حتى تقديم التقرير استغرقت خمس سنوات كاملة . وقد عقدت اللجنة بكامل هيئها أربعة وسبعين اجتماعاً ، فيما بين أكتوبر سنة 1933 إلى سبتمبر سنة 1938، واستمعوا إلي 150 شاهداً ،
وتناقشوا معهم . وهذا عنصر علي جانب عظيم من الأهمية ألا وهو التحدث إلي المشتغلين بالموضوع ، ويهتمون بالأمور التي هي محل الدراسة والبحث . وقد أثبتوا في آخر التقرير أسماء هؤلاء الأشخاص الذين استطلعوا آراءهم . ونظرة واحدة إلى هذه القائمة تدل على مبلغ اهتمام اللجنة بتعرف آراء جميع الهيئات ، وعدد من الأشخاص يمثل وجهات النظر المختلفة ونواحي العمل والوظائف ؛ فمن هؤلاء الذين حادثوهم من يشغلون وظائف حكومية رسمية ، كالمفتشين وكبار المفتشين ونظار المدارس ، ومتهم من يمثلون الإدارات المشرفة كمديري التعليم في مختلف المناطق ، ومنهم من يمثلون جماعات المعلمين من مختلف الطوائف البنين والبنات ، أو اتحادات النظار والناظرات ، أو أساتذة الجامعات ورجال العلم والاجتماع ، وغير ذلك كله مما يجعل الدراسة شاملة وافية ملمة بجميع النواحي كما قدمنا .
وقد ألفت تلك اللجنة الرئيسية لجانا فرعية لدراسة مختلف نواحي البحث الذي عهد إليها به ، كالمناهج ومحتوياتها وأهميتها ، وارتباطات مختلف الموضوعات بعضها ببعض ، وأوجه النشاط في المدارس القديمة التقليدية والمدارس الحديثة ، كما خول الجان الفرعية أن تضم إليها من تشاء - وفي فبراير
سنة ١٩٣٦ انتخبت الهيئة الرسمية الاساسية لحجنة صغيرة مؤلفة من سبعة أعضاء منها ، لوضع اقتراحاتها بشأن نص التقرير النهائي ؛ وهذه اللجنة اجتمعت 38 مرة فيما بين مارس سنة 1936 وأكتوبر سنة 1938
وقد أرفقت اللجنة قائمة أخرى بأسماء الهيئات والأشخاص الذين أمدوها بالمذكرات والإحصاءات ، وغير ذلك من البيانات المتصلة بالبحث ، ومن هؤلاء الأشخاص الذين ساهموا في هذا العمل كثير من رجال التربية وعلم النفس البارزين في إنجلترا.
أوردت هذه التفاصيل لأبين نوع الدراسة المجدية التي أقصدها ، والتي يرجى من ورائها رسم سياسة خالصة لوجه المصلحة ، مبنية على أسس علمية وبيانات رقمية وتجارب شخصية ، واتجاهات الرأي العام العلمي السائد ، وأماني الذين يضطلعون بالمسئولية ويقومون على التنفيذ ، كالمدرسين والنظار والمفتشين وغيرهم .
وبعد ، فمن الذي سيضطلع مهمة تلك الدراسات ؟ هل ندعها لمكاتب الحكومة والأفراد الذين جربناهم ، والذين درجوا على الاهتمام بالرسميات والإداريات لا بالدراسات الفنية ؟! فهذه وزارة المعارف مثلا تتبع نشاطها تجده أكثر ما يكون في أمور تافهة في مواسم معدودة ؛ ففي أول العام يمضى شهر أو اثنان وكشوف التنقلات يعتمد الواحد تلو الآخر . وهي حركة لو فحصتها لم تجدها قائمة على سياسة ثابتة معينة مبنية على قواعد منطقية ومبادئ عادلة ؛ وفي آخر العام يصرف شهران أو ثلاثة في امتحانات صارمة ،
لعلها أشد وبالا على التعليم من جميع العلل الآخري وأعظم دواعي فشله . ومن الغريب أنه كلما كثر الكلام في عيوبها والتحدث عن أضرارها ازدادت الوزارة اهتمام بها وتعظيما لشأنها !!
أين هذه المسائل التافهة من الدراسات الضرورية لسياسة الوزارة نحو أمور هامة كفلسفة التعليم وأهدافه ، والروح التي تسود المناهج والتدريس وإعداد المعلم وتوجيهه ، والتربية الخلقية والدينية ، وإعداد الشبان للكفاح في المجتمع الحديث ، ورسم سياسة رشيدة للمباني وللشئون الصحية ، وغير ذلك من المشاكل التي تنتظر الحل ؟!
ورأيى أن مثل تلك الدراسات سواء في وزارة المعارف أو في غيرها من الوزارات يجب أن تكون هدفا لمختلف الأحزاب ، ليضع كل منها لنفسه بإزائها سياسة مرسومة ورأيا واضحاً ينادي به ويكسب له الأنصار . كذلك هي أمانة في عنق المتعلمين المستنيرين المجربين المستقلين في آرائهم . واجب على هؤلاء أن يتشاوروا ويتعاونوا ، كل طائفة منهم في دراسة الناحية المتصلة بعملها وفنها ، ووضع سياسة مناسبة ورسم خطة محدودة يدعون إليها ، يفعل ذلك رجال الزراعة ورجال الهندسة ، ورجال التعليم ، ورجال الاقتصاد ، ورجال الطوائف الآخر كل فيما يخصه .

