الزيارة الملكية :
كانت زيارة جلالة الملك فاروق لجلالة الملك ابن السعود في أرض الحجاز مفاجأة سارة للعالم العربي ، ودليلا على أن مشروع الجامعة العربية قد جاوز مرحلة الكلام والأماني ، ودخل في دور التنفيذ العملي ، ومع أن هذه الزيارة كانت زيارة شخصية ، لا ترمي لغير تبادل المودة والإخاء ، وتوثيق روابط المحبة والوئام بين العاهلين الكبيرين ، فإنها جاءت متوجة للجهود السياسية التي نجحت في كسب موافقة عاهل الجزيرة على بروتوكول الإسكندرية ، وقبوله الاشتراك في مؤتمر الجامعة العربية الذي ينتظر عقده بعد حين
وقد تجلت في مقابلة الملكين العظيمين السجايا العربية الكريمة ، والروابط الروحية الوثيقة التي تجمع بين أبناء
العروبة ، ووحدة الأهداف السامية للشعوب العربية على تباعد أقطارهم .
ولنا أن نتوقع لهذا الحادث السعيد نتائج كبيرة ، وأن نعده فاتحة عهد جديد يقرب بين الأمم العربية ، ويحقق تعاونها الصادق على مواجهة الأحداث العالمية المرتقبة جبهة واحدة متضامنة القوى ، موحدة الصفوف
اللجنة الثقافية للوحدة العربية :
وقد يكون من حسن الاتفاق أن فرغت اللجنة الثقافية للوحدة العربية من مهمتها ، بعد أن أتمت إعداد برنامح حافل يحقق التعاون الثقافي بين الأمم العربية ، ويكفل زيادة الاتصال العلمي بينها . ولعل البدء بهذه الناحية الروحية من أقوي الدلالات على إدراك قادة هذه الشعوب
للأسس الصحيحة التى يقوم عليها التفاهم بين الأمم ، وإنا لنرجو أن نوفق لبيان جهود هذه اللجنة وقراراتها في عدد قريب من أعداد الثقافة
الاضطراب في سوريا ولبنان :
ويشاء القدر أن يفتح عيون الشعوب العربية في نفس الوقت على ما يستهدفون له من أخطار توجب ازدياد تضامنهم وتكاتفهم ، فقد بدا من تصرف فرنسا حيال سوريا ولبنان ما يدل على تلكئها في تنفيذ عهودها ، وتشبثها بسلطانها على أمور الجيش فيهما ، وهو تشبث يتنافى مع استقلالهما الذي اعترفت به كبريات الدول . وإذا كان هذا شأن فرنسا مع ما هي فيه من موقف دولي جدير بأن يشغلها بأمر نفسها ، ويصرفها عن المطامع الخارجية ، فكيف يكون الحال مع غيرها ؟
وفلسطين أيضا :
كيف يكون الحال في مواجهة هذه المشكلة الكبرى التي تتعقد علي الأيام ، والتي يواجه فيها العرب عوامل قوية تناهض حقوقهم وخصومة حارة تطالعهم من كثير من النواحي إن اجتماع كلمة الشعوب العربية ، وتوحد جهودها هو السلاح الوحيد الذي تستطيع أن تدافع به عن كيانها وتذود عن حياضها
اجتماع الأقطاب الثلاثة
جاءت الأنباء بقرب اجتماع الأقطاب الثلاثة : ستالين وتشرشل وروزفلت ؛ بل الراجح أن هذا الاجتماع قد حدث بالفعل في مكان يتكتمون ذكره، واجتماع هؤلاء الأقطاب عقب الانتصارات الأخيرة التى أحرزها الروس ، وبعد توغلهم في ألمانيا ، وقرب تهديدهم لعاصمتها يدل على أنهم سيتناولون تحديد موقفهم من ألمانيا التي توشك أن تنهزم ، وتقرير ما سيملونه عليها من شروط .
ولابد أن يتصارحوا في هذا الاجتماع على المبادئ التي سيضعونها لبناء العالم الجديد ، والسياسة التي سيطالعون بها أمم الأرض .
ففي هذا الاجتماع الخطير سيتقرر مصير العالم في فترة من الزمان تطول أو تقصر ، بقدر ما في قراراته من عدل أو حيف ، وما يسودها من بعد النظر ، أو تأثر بالانفعالات الوقتية
فياليت شعري ماذا خبأه القدر لأمم الأرض ، وهل سنشهد عالما جديدا يسوده السلام والطمأنينة أو تتكرر المأساة ، وتتغلب الشهوات والمطامع ، ونشهد بعد زمن قصير حربا ثالثة لا تبقي ولا تذر ؟ إن آمال الملايين التي تعيش على ظهر هذا الكوكب تتطلع لهؤلاء الأقطاب وتسأل الله أن يجعلهم أبطال الإنسانية المنقذين ، وبناة السلام الدائم ، ورواد النظام العالمي السعيد .
اجتماع البرلمان :
بدأ البرلمان جلساته ، وشغل فيما عقده من الاجتماعات بتشكيل لجانه وتكوين مكتبيه . وتدل الظواهر على أن المعارضة القوية ستكون في مجلس الشيوخ ، وإن كنا نرجو أن تكون معارضة هادئة رزينة نافعة . ويبدو أن الحركة الحامية ستكون حول دستورية بعض القوانين التي أصدرتها الحكومة الحاضرة ، وأخصها ما يتصل منها بالانتخابات
وبمناسبة الحديث عن البرلمان ، يتساءل البعض : لماذا لا تعمل الحكومة على إشاعة الحياة النيابية في البلاد بتقوية المجالس البلدية ، والمجالس القروية ، ومجالس المديريات ، وتوسيع اختصاصاتها ، والتنازل عن جزء من السلطة المركزية لهذه الهيئات المحلية ؟ إن مثل هذا التغيير كفيل بتربية الشعب على الحياة النيابية ، وتعويده الاضطلاع بالشئون العامة والمساهمة في احتمال تكاليفها .
ومن شأن هذا النظام أن يدرب الباخبين على حسن استخدام أصواتهم ومراقبة ممثليهم المحليين عن كثب ، كما أنه سيكفل إبراز الكفايات النيابية فيمن ينتخبون فيكون ذلك تمهيدا حسنا للتقدم لعضوية البرلمان . وفيه عدا ذلك زيادة في الاهتمام بالشئون الخاصة لكل إقليم ، وتقليل من الأعباء التى تتحملها الحكومة والمسائل الصغيرة التى تشغل وقت البرلمان .
إن الفكرة ، فيما يبدو ، جديرة بعناية الحكومة ، خليقة أن تضعها في طليعة المسائل التي تشتغل بها
ازدياد أعباء الحكومة :
ويسوقنا الحديث عن الحكومة إلى ثقل الأعباء الملقاة علي كاهل الحكومة ، وعظم المسئوليات التي تضطلع بها وأعباء الحكومة في الظروف العادية كبيرة تتطلب كفاية عالية وعملا متواصلا ، وحكمة فائقة فكيف والظروف التي تواجهها الحكومة ظروف غير عادية ، والمشاكل القائمة التي يطلب إليها معالجتها مشاكل معقدة شائكة ؟
فمشاكل التموين وعدالة توزيعه على أفراد الشعب ، ومحاربة السوق السوداء ، والغلاء المصطنع ، وتدبير المواد الضرورية للبلاد واستيرادها من الخارج .
ومشاكل الطوائف المختلفة ، ومطالبها المتعددة ، والتوفيق بين ما اتخذ من قرارات الإنصاف ومقتضيات العدالة بالنسبة لمن لم ينصفوا .
ومشكلة الميزانية وتضخمها ومصروفاتها الكثيرة التي ربطت على إيرادات غير ثابتة ، والاستعداد لآثار ذلك في المستقبل
ومشاكل المرض والجهل والفقر ، التي تنخر في عظام سواد الشعب ، ووضع الخطط القوية البعيدة المدى لمكافحتها ، ولتنظيم الحياة الاقتصادية في البلاد ، وإنعاش الإنتاج ، ومشاكلنا السياسية الكبرى ، وتحديد مركزنا الدولي علي أساس يحقق أمانينا ويحفظ عزتنا القومية
كل هذه ، وآلاف غيرها ، من المشاكل الحاضرة ، والمشاكل التي ستطلع علينا بعد انتهاء الحرب خليقة أن تشغل رجال الحكومة وتقض مضاجعهم ، وتستغرق كل تفكيرهم
فإذا قدرنا عظم هذه المهمة الملقاة على عواتقهم ، كان واجبا علينا أن نعاونهم أجل معاونة ، وألا نزيد أعباءهم بما نثقل به كاهلهم من المسائل الصغيرة ، ونشغل به أوقاتهم من الأمور التافهة
ليس من العدل ، ولا من المصلحة ، أن يغشي أبواب الوزراء كل من له مطلب صغير أو مسألة خاصة ، يمكن أن تحل بالطرق العادية ، ليشغل الوزير ويضيع جزءا من وقته الثمين بالاهتمام بهذه الجزئيات ، مهما كانت صلته بهذا الوزير ودالته عليه .
وليس من الوطنية ألا تفكر الجماعات إلا في مطالبها المادية الصغيرة ، وتخلق من أجلها المتاعب وتشغل بها الحكومة بأساليب الإلحاح والرجاء المتكرر .
وقد يكون من واجب الحكومة أن تأخذ هذه الأمور كلها بالحزم ، وتقضي علي كل هذه المشاغل الصغيرة بتنكب سياسة استرضاء الجماعات ، وبدل الوعود، وخير ما تصنعه أن تخصص لهذه الشكايات مكتبا خاصا يدرسها عاجلا ويضع الاقتراحات العملية لإنصاف كل ذي ظلامة .

