الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 350الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الحياة الجامعية :، فايد، عدد

Share

هو فتي في الرابعة والعشرين ، متوسط القامة ، أخضر العينين ، يمشي في خفة ، ويكثر من حركاته وإشاراته حين يتحدث ، جميل النكتة ، حلو الدعابة ، تعلو  الابتسامة شفتيه دائما إلا حين يضيق صدره من الحياة ، عندئد يعبس ويقطب ثم لا يلبث ان يعود إلي الابتسام

كان النهار قد كاد ينصرم ، والوقت صيفا ، وكان فايد قد استيقظ من النوم متكاسلا متثاقلا ، فجلس على مقعده حينا ، وقد أسند رأسه على راحة يده  ، واخذ ينظر إلي محتويات غرفته . .

وتنهد فايد يبعث عن نفسه ألما مكبوتا ، وقال كمن يستغيث

وارباه

وجال ببصره هنا وهناك في شئ من التهكم  والسخرية . نظر إلي ما بغرفته من اثاث . . أثاث بال عفى عليه الزمن . نظر إلي السرير الكبير الضخم الذي كان يهتز ويتأرجح ، وإلي المائدة العرجاء ، وإلا المقعدين المحطمين ، وإلى الحصير الرث المهلهل ، وإلى الأواني المبعثرة في كل مكان . . ثم إلي الصور المعلقة فوق الجدران ، صور لابطال التاريخ ونجوم الشاشة البيضاء . .

وهز فايد رأسه ، ثم وقف ينفض عن نفسه عناء الكسل ، ولكن دون جدوي . . تثاءب مرة ثم أخري ، ثم وقف يطل من شرفة غرفته الخشبية إلي الطريق الممتلئ ، بالأطفال وهم يلعبون ويملأون الدنيا صراخا . سحقا لهذه الغرفة الضيقة ! سحقا لهذه الزنزانة المخيفة ! قال فايد هذا ساخطا ، ثم مد يده  يتناول حلته . . حلته البالية التي اشتراها منذ سنين ، وقلبها مرة بعد مرة ؟

ووقف أمام المرأة المهشمة يعالج ما بهندامه العتيق ، ثم أغلق غرغته ، وغادر الدار بعد أن ألقي التحية على جارته الفتاة الرشيقة الحسناء .

كان فايد كلما ضاق ذرعا بهذا المكان ، يفر إلى العاصمة ينشد فيها شيئا من التسلية يروح بها عن نفسه المثقلة بالهموم . وعن فؤاده المعبأ بالمآسي .

كان فايد يبتسم للدنيا في صبر وأمل .

وركب فايد الترام فأخذ يمشي ويزحف كالسلحفاة . وانزوي فايد في احد الاركان ، واخذ يمتع ناظره بالمنازل الجميلة والفلات الفخمة التي على الجانبين . . ثم قرض على أسنانه . . إن الحياة جميلة ساحرة ، وإن الدنيا تضحك لبعض الناس .

والتفت يمينا يرقب مشاجرة بين كمسري الترام وبعض الراكبين وأنصت فايد للشتائم وهي تنطلق من الأفواه كالقنابل ، ثم أخذ يضحك في صمت . .

وامتدت يده  نحو جيبه ، وتحسست ما به من نقود نقود قليلة لا تغني ولا تسمن . . وصمت فايد .

ووصل الترام ميدان الملكة ، فنزل وانطلق يسير بين الجموع المتزاحمة ، ثم حانت منه التفاتة إلي ساعة البريد فإذا بها تدق الثامنة

وبسط فايد صدره يستنشق الهواء ، وابتسم ابتسامته الحقيقة الحلوة التي تعلو ثغره كلما ارتاح باله وهدأ خاطره . . إنه في القاهرة ، والأنوار قد بدأت تتلألأ في الطرق وفي المحلات وفي دور الملاهي

اين يذهب ؟

وأخذ فايد يفكر . وهو سائر في الطريق نحو شارع فؤاد . . أين يقضي المساء ؟ أين يجد اللذة والمتعة والرفاهية ؟

ونظر فايد إلي الأنوار ، وهز رأسه في أسف . . هيهات !

إن المال قليل ، وإن النفس وجلة :

ومشي مطاطئ الرأس إلي إحدي دور الخيالة ، ثم وقف قليلا يتطلع  إلى الصور ، ويعجب من الواقفين . . إن الناس يتخذون زينتهم عند كل سينما ، وإنهم يذهبون رجالا ونساء وهو ؟

وهز رأسه في أسي ، وتقدم إلي النافذة ليقطع تذكرته وتريث قليلا يتأمل الفتاة وهي تأخذ منه النقود . . إنها فتاة ساحرة وإن عينيها خضراوان .

ودخل دار الخيالة ، وجلس يستمع إلي الموسيقي التي كانت تصدح في المكان . . كانت موسيقي شجية . ودق قلب فايد دقا عنيفا وقال يحدث نفسه . . إن الموسيقي ترطب القلوب وتطيب الافئدة ، القلوب العزل والافئدة الحزينة . ليتنى  استطيع أن أعزف . . ليتني

وبدأت السينما تعمل ، فاضطجع فايد في كرسيه ، وأخذ يتأمل الصور وهي تتري علي الشاشة ، وينظر بين الحين والحين إلي الجالسين معه في الصالة .

كانت القصة ذات معنى ، وذات مغزي . . إنها تصور الفناء في الحب ، والبقاء على الهوي . . إنها تمثل المتحابين وقد أخلصا . .

وتمتم فايد يحدث جاره : أين الحياة من شئ كهذا ؟ !

ثم جمع فايد اشتات نفسه ، عند ما انتهي الفلم وهم واقفا وغادر المكان سيرا علي الأقدام بين ضجيح السيارات الواقفة عند الباب .

وأخذ فايد يمشي في الطرقات يضرب هنا ويضرب هناك وهو يفكر . . إن في دار الخيالة عجائب ، وإنها تملأ الذهن بالأحلام . . إن قلبه يدق وإنه في حاجة إلي فتاة كالتي رآها على الشاشة . . فتاة يشكو لها آلامه ، ويبث احزانه ، ويحدثها عما في حياته من أفانين .

وألهاه الأزدحام عن التفكير ، فسار على مهل يتأمل المحلات ، وينظر إلي ما بداخلها من معروضات . . كان

يرى فساتين للسهرة طويلة ، وملابس للبحر قصيرة . . ووقف يحك ذقنه ويبتسم . . ثم نظر إلي حاجيات الأطفال

وعادت الذكري بفايد إلي أيام الطفولة . . يوم كان بقريته صبيا صغيرا يلعب .

وضحك فايد وكاد يستلقي على قفاه  . . تذكر الجلباب الرث المرقع ، وتذكر اللعب التي كان يصنعها من الطين ، وتذ كر حين كان يبكى ساعات وساعات وهو ملقي فوق كوم من التراب ، وتذ كر الضرب بالعصى

وأفاق فايد من تخيلاته فمشى في الطريق صامتا ساهما ، فقادته قدماه  ، دون وعي منه ، إلى محل البرازيل .

يا إلهي ! وتحسس  ما تبقى معه من نقود ، ولم يلبث ان مرق بين الناس المكتظين كالذئب يريد الفرار ، ثم توقف هنيهة واحتسي كوبا من الماء المثلج ، وعندئذ برقت عيناه فغادر المكان يشمخ بأنفه ، ويرفع من رأسه .

لكن فايد لم يلبث أن أحس بالجوع يعصر معدته ، أين يأكل ؟ وقطع الطرق واحدا بعد واحد ، يبحث عن مطم للفول .

وتناول العشاء ، ثم انطلق في شارع سليمان ، وقد امتلأت معدته واطمأنت نفسه ، وطاب خاطره . . كان يسير على عجل وفي جذل ، وقد وضع يديه في جيبي ) بنطلونه ( وأخذ يصفر وهو يتأمل ما يمر به من وجوه مختلفة ، وينصت لكل حديث . . حديث  متباين بكل لغة .

وتوقف فايد عن الصفير ، وأخذ يفكر كعادته . بعد ان اخرج يديه من جيبيه

ومرة اخري أعياه  التفكير ، فتمهل ينظر لبعض الجنود وهم يعبرون الطريق سكاري يترنحون ، ثم التفت . لأحد البارات وقد امتلأ بالجالسين يشربون النخب ويقرعون الكأس .

ووصل إلي الميدان ، وفي الميدان تذكر مدارس الرقص ، وتساءل فايد كعادته . . تساءل . لم لا يتعلم الرقص ،

ويقرع الكأس ؟ ولم لا يلهو كالناس ؟

وجاء الجواب ؛ إن المال قل ، وإن النفس وجلة . ووصل فايد أخيرا إلي داره ، فإذا الليل قد انتصف ، وإذا المدينة قد بدأت تسكن . . كانت المحال مغلقة ما عدا بائع العصير . عصير القصب .

ومال فايد فاحتسي كوبا أروي به ظماه ، وطمأن به معدته ، ثم سار في الظلام يتلمس طريقه نحو البيت . . إن السواد مخيم ، وإن الدار في أزقة وتعاريج ملتوية التواء الثعابين .

وابطأ في خطوه كى  لاتزل قدمه في الوحل حتي وصل إلى المنزل ، ففتح الباب في حذر ، ثم توقف ينصت  ٠ كان يخشى صاحبة الدار ان تراه ، وخلع فايد نعليه ، خذ يصعد السلم على مهل ، لكن صاحبة الدار تنبهت واستيقظت ففتحت غرفتها ونظرت إليه ، ثم انهالت عليه عبارات السب والشتم ، ووجهت إليه مختلف النصائح  . . التفت إلي نفسك ودع اللهو والعبث والمجون . .

ولم يستطع فايد ان يفتح فاه . فصمت على مضص ، ثم دخل غرفته وانار مصباحه ، وارتمي فوق المقعد في نصب .

وطرق باب الغرفة طارق ، ففتح فايد الباب في تراخ إذ كان الصداع يفتت رأسه ، والنوم يثقل جفنيه

كان الطارق هو ) فرديناندو ( خروف صاحبة الدار . وضرب فايد الباب بضلفه في حنق  ، ثم نظر إلى السرير  بعد ان خلع بدلته ورمي بها في ركن من اركان الغرفة . . وقرض فايد على اسنانه من الغيظ . . لم يكن ليستطيع ان ينام  فوق السرير  ، فالجو حار ، والنمل ، والجيوش الحمراء وجذب فايد ملاءة السرير ، وذهب إلى الشرفة ، والتف في الملاءة ثم نام ، ولم يلبث أن راح في سبات عميق .

هالو . . هالو . .

صاحت الفتاة الحسناء ، وهي واقفة على الشاطئ لابسة

لباس البحر تخاطب فايد الذي كان جالسا فوق الرمال

قال فايد مجيبا : هالو . .

ثم ابتسم للفتاة فابتسمت له ، وجلسا يتحدثان ، ثم قفزا إلى البحر وأخذا يسبحان .

كان الشاطئ شاطئ جزيرة ، جزيرة ممتدة وسط بحر خضم أزرق الماء . . وكانت الجزيرة ممتلئة بأشجار الفاكهة وفيها جوز الهند . .

ما أشبهني بالسندباد . . فضحكت الفتاة وهي تخرج من الماء يتبعها فايد ، وأمسك كل منهما بيد الآخر ، وسارا معا بين الأشجار ، ثم فوق التلال .

كان فايد يسير مع الفتاة وقد نسي نفسه ، إنها تقوده . وحين بلغت اعلي التل نظرت إلي اسفل واشارت بيدها في الوادي وقالت : هذا قصري .

ورأي فايد أمامه قصرا منيفا عاليا ، وانحدرا نحوه ثم دخلا . كان فايد مذهولا مأخوذا .

وأخذته الفتاة من يده  ، وأخذت تطوف به الغرف ، وتريه ما بها من اثاث فخم جميل . وفتحت الدواليب وهي تشير لفايد ان ما بها من حلل جميلة كلها له .

وجاءته الفتاة بواحدة فارتداها ، ثم وقفا في ردهة القصر معا ، فراي البيانو موضوعا فتقدم نحوه وجلس وبدأ يعزف . . كان يعزف قطعة موسيقية جميلة

ثم بدأت الفتاة تغني ، وأخذت ترقص في الردهة فأخذها من يديها وظلا يرقصان .

وعضهما الجوع فجلسا أمام مائدة طويلة متسعة . . ونظر فايد إلي ما عليها من الوان الطعام فزاغ بصره وسال لعابه " فانهال يأكل في لذة

ووقف غرب النافذة يتطلع إلى السماء ، ويتحدث إلي الفتاة .

كان يقص عليها قصة حياته : لقد جاهدت ، وعانيت لم أكن انظر أبدا إلي الوراء . . كنت أتطلع دائما وراء الأفق - كنت أبتسم للدنيا في صبر وأمل

ثم مشي فايد إلي غرفة النوم ، وارتمي فوق الفراش ، الفراش الناعم ، ووضع رأسه على الوسادة الوسادة اللينة الطرية ، ثم تقلب على جنبيه  .

تقلب فايد على جنبيه فإذا هو في الشرفة الخشبية ملتف في ملاءة السرير ، وإذا قطعة من الطوب اسفل ظهره تقلق مضجعه . وسب ولعن وأخذ يستعيذ من الشيطان الرجيم

وهم جالسا ، وأخذ يفتح عينيه

وسمع طرقا مرة اخرى على الباب ، وإذا به صاحبه وصديقه الحميم ) فرديناندو ( ، وقال فايد مخاطبا الخروف في انزعاج : اذهب يا فرديناندو إن الوقت لا يزال مبكرا .

ولكن الوقت لم يكن مبكرا ، إن صوت بائع اللبن في الطريق ينادي ، وإن الصبح قد تنفس .

ووقف فايد وسط غرفته يتثاءب ، وتذكر ليلة الأمس .

فإذا كل قطعة من جسده تصرخ ، وإذا كل عضو فيه يئن .

وتناول الكوب وذهب ليشتري لبنا ، ويبتاع جريدة الصباح ، ثم عاد فأوقد الموقد وبدأ يتناول طعام الإفطار ثم وقف في الشرفة يحتسي الشاي ويقرأ الأخبار .

وتنهد فايد . . إن الدنيا في واد ، وهو في واد آخر ورمي بالجريدة ، وأخذ ينظف غرفته ، ورتب ما بها من قطع الأثاث ، ويغسل الا كواب والأطباق ، ثم ارتدي حلته البالية وغادر الدار

سار فايد في الطريق الطويل المتد أمامه صامتا . . لقد نسي كل شئ مر به بالأمس ، ولم يتذكر سوى شئ واحد

كان فايد ذاهبا إلي المكتبة ليقرأ فصولا في التاريخ ليستعد للامتحان الذي بقيت عليه أسابيع

إن فايد طالب وطالب بالجامعة .

اشترك في نشرتنا البريدية