تتطور الحياة في هذه البلاد تطورا عظيما في معظم النواحي ، وتسارير التقدم المصري والمدنية الحديثة في أغلب مرافق الحياة . وفي وسع الإنسان أن يتناول كل ناحية من هذه النواحي بالشرح والتعليق ، وسنقتصر في هذا المقال على التحدث عن واحدة منها ، وهي فرع من التقدم الميكانيكي وما يتصل به ؟ وقد شمل هذا التقدم الآلي في البلاد وسائل النقل بالسيارات ، كما شمل استخدام الآلات بكثرة في تحسين الصناعة والنهوض بها ، وذيوع استعمال الآلات المختلفة الحديثة في الزراعة وما إليها .
ومجال الكلام في كل فرع من هذه الفروع واسع ومفيد ، ولكنا سنكتفي هنا بالكلام على أهم شيء يتصل بالسيارات
وتقدمها ، ألا وهو الطرق . لقد ازداد عدد السيارات في هذه البلاد زيادة عظيمة ما كانت لتخطر على بال أحد . بدأت هذه الزيادة بعد الحرب العالمية الأولى بخطى وتيدة ، ثم اسرعت هذه الخطي في التقدم قبيل الحرب الأخيرة ، وظفرت الزيادة في خلالها وينتظر أن تستمر بل وتطرد بعدها ، وذلك لأن السيارات التي كانت تستخدمها السلطات العسكرية في مصر لن تغادر البلاد ، بل ستباع إلى الهيئات والأفراد بأثمان زهيدة بطبيعة الحال ، فيتيسر للكثيرين اقتناؤها ، ولا سيما الذين كسبوا في خلال الحرب وبعدها أموالا كثيرة ، وأخذوا يفكرون في مشاريع يستقلون بها ما في أيديهم من أموال .
ونحن نعرف أن الضغط قد زاد على وسائل النقل من الأرياف إلي المدن ، وان استغلال مثل هذه السيارات في مشاريع كهذه لابد وان ينجح . فقد صار الناس يدركون الآن أهمية السرعة في النقل ، والسيارات اسرع من السكك
الحديدية بكثير ، كما ان النقل بالسيارات أضمن في المحافظة على الأشياء المنقولة وفي صيانتها من التلف ومن العبث .
كذلك لن يمضي زمن طويل حتي تعود المصانع الأجنبية إلي صنع السيارات وإنتاجها بكميات وافرة ، وإدخال تحسينات عظيمة عليها ، نتيجة للخبرة المكتسبة أثناء الحرب ، وهي خبرة لها قيمتها وسيكون لها أعظم الأثر في تقدم السيارات تقدما محسوسا في كل جزء من أجزائها . ومتى بدأ ورود هذه السيارات إلي البلاد فإن الإقبال عليها سيكون عظيما من الطبقات التي تملك السيارات في الوقت الحاضر ، ومن التي تتطلع إلى اقتنائها من جديد بمجرد سنوح الفرصة . أما الطبقة الأولى فإن سياراتها دون ما تبتغي وهي تحتفظ بها علي كره منتظرة بفارغ الصبر أن تهيأ لها الظروف والفرص لاستبدالها بما هو أفضل منها ، سواء من ناحية الجدة أو من ناحية الاتساع أو من ناحية التحسن الشامل الخ . وأفراد هذه الطبقة بمجرد اقتنائهم للسيارات الجديدة سيبيعون بطبيعة الحال سياراتهم القديمة إلى من هم على استعداد لاستغلال أمثالها كما قدمنا
ونتيجة هذا كله ان عدد السيارات في البلاد لن ينقص عما كان عليه اثناء الحرب ، بل المنتظر أن يزداد زيادة كبيرة ، كما أن ما سيرد إلينا من السيارات الحديثة سيكون متفوقا على السيارات الحالية في الشكل والقدرة والسرعة بصفة خاصة . فهل الطرق التى عندنا في مصر مستعدة لهذه الزيادة الكبيرة في حركة المرور ؟ .
إن كل إنسان يشعر بأن الطرق في الوقت الحاضر لا تحتمل ما فيها من حركة ، فالضغط شديد عليها ، والطرق الرئيسية بصفة خاصة يجتازها الإنسان في اضعاف الزمن الذي كان يجتازها فيه لو ان المرور لم يكن بهذا الا كتظاظ وتلك الصعوبة . وقد يكون الحال في المدن اشد منه
في الريف من بعض النواحي ، ولكنه من نواح اخري اصعب في الريف منه في المدن ، فصيانة معظم الطرق الريفية ( ولا سيما غير الرئيسية ) لا يعني بها كما يعني بالطرق في المدن .
والواقع ان الذين وضعوا تصميم الطرق الرئيسية في البلاد لم يكن لديهم من بعد النظر ومن الإلمام بالضرورات والمستحسنات قدر كاف . ولنستعرض هنا بعض ما يرد على خاطرنا من هذه الأمور ، ولعل هذا يحفز بعض المتخصصين في هذه المسائل الحيوية فيتقدموا لبحثها بحثا وافيا ويشرحوا دقائقها وفيضوا في دراستها تنويرا الرأي العام ، وتنبيها للحكومة علها تقوم بما يجب عليها في هذا السبيل :
أهم شئ في نظرنا هو ضرورة إدراك القائمين على إنشاء الطرق وبنائها انه لابد من أن توفي هذه الطرق بجميع حاجيات من يستخدمونها . فهناك اولا المارة اي السائرون على أقدامهم ، وهؤلاء يجب ان يعد لهم مكان خاص فسيح مريح يجعلهم ، هم واطفالهم وعرباتهم الصغيرة ومواشيهم ، في مأمن من اخطار العربات والسيارات التي تجري في الطرق .
ثم إن الطرق يجب ان يراعي فيها امر على جانب عظيم من الأهمية ، الا وهو تهيئة المكان الملائم والطريق الصالح للسيارات السريعة ، بحيث لاتتعرض هذه السيارات لخطر ، ولا تعرض غيرها من السيارات أو العربات البطيئة ايضا للخطر .
ويتحقق هذا بإحدي وسيلتين : فإما ان تكون الطرق من الاتساع ومن الانتظام بحيث تهيئ مكانين محددين لهذين النوعين من السيارات يقوم على تنظيم حركة المرور فيهما بدقة وصرامة رجال أكفاء بعدد كاف أيضا ، وإما ان تخصص طرق معينة للسيارات السريعة وحدها
كما يفعل في امريكا مثلا ، وببذل الجهد في تقليل التقاطع فيها بقدر الإمكان ، والاحتياط الفعال في أمكنة التقاطع بحيث تمتنع حوادث التصادم بالعربات أو بالأشخاص أو بالحيوانات .
وهذا الأمر الأخير على جانب عظيم من الأهمية ، فإنه لا معنى لان يشتري الإنسان سيارة تعب مصممها وبانيها في إعدادها لأن تسير بسرعة كبيرة ، ودفع المشتري فيها ثمنا غاليا أساسه ما بذل من جهد وما اتخذ من عدة لتوفير هذه السرعة الكبيرة وضمان عدم إضرارها بالمحرك وأجزائه ، كل ذلك لتوفير الوقت وتقليل متاعب السفر ، لا معنى لأن يشتري الإنسان سيارة من هذا النوع ثم يجد نفسه مضطرا لان يسيرها في طرق لا تصلح إلا للسير بنصف هذه السرعة التي أعدت لها السيارة ، بحيث إذا اضطر السائق إلي استغلال محاسنها والانتفاع بمزاياها وهي توفير الوقت والراحة ، عرض نفسه ومن معه ومن في طريقه من أشخاص وحيوانات وعربات للخطر الداهم .
الواقع أن هذه المسألة تستحق من الدولة كل عناية ، فقد اصبحت الطرق لا تتفق بأية حال من الأحوال مع مقدار الحركة التي فيها ومن المستحيل تنظيمها وهي على هذا الضيق وذاك الأزدحام ، وينطبق هذا الكلام على البدو والحضر علي السواء ، فالطرق في القاهرة وعواصم المديريات والطرفي الزراعية كلها من هذه الناحية سواء .
فمن منا لم يضايقه أن يصرف في قطع شارع صغير مثل شارع سليمان باشا في بعض أوقات النهار دقائق عديدة ، بينما هو يركب سيارة تستطيع قطع المسافة في ربع هذا الزمن او اقل ؟ وكم منا عدل نهائيا عن السفر على الطرق الزراعية بالسيارة لكثرة ما يلاقيه فيها من متاعب ناشئة عن الزحام تارة وعن سوء العناية بالطرق تارة وعن جهل معظم من يسيرون في هذه الطرق بقواعد المرور تارة . كل هذا من ناحية اتساع الطرق وكفايتها والأمن
بالنسبة للسير فيها . ولكن هناك ناحية لا تقل عن هذه كلها اهمية ، الا وهي ناحية تجميل الطرق . فمن حق الذين يسيرون في الطرق ابتغاء النزهة ، والذين يسيرون فيها ابتغاء السفر للفسحة والترويح عن النفس ، من حق هؤلاء وهؤلاء ان يتمتعوا بالمناظر الجميلة الجذابة التي تشرح الصدر وتمتع البصر وتستهوي النفس . وهذا أمر له اثره البالغ في راحة السكان ومتعتهم وتحسن صحتهم وصفاء نفوسهم واذهانهم .
وهو أمر توليه الحكومات في البلاد الأخرى عناية كبيرة ، بحيث تجعل من معظم الطرق متنزهات عامة ، سواء في المدن او في الريف ولا سيما في الطرق الرئيسية ، أما في الاماكن المزدحمة التي تكون طرقها من الدرجة الثانية فيسد هذا النقص عن طريق إيجاد الحدائق الواسعة للسكان يمضون فيها بعض الوقت للترويح .
وإذا قيل إن الأخذ بهذا كله يكلف الدولة نفقات كبيرة . قلنا إن من حق من يدفعون رسوم السيارات ان يطالبوا الحكومة مثل هذا العمل الضروري ، حتي يشعروا بأن الضريبة التي تحصل منهم يعود عليهم منها نفع يذكر ، لاسيما بعد أنه رفعت هذه الضريبة بمقدار ٥٠ % من قيمتها الأصلية . فالشاهد أنه منذ فرض هذه الضرائب لم يحدث أي تحسن محسوس أو تجديد ملموس كالذي نشير هنا إليه ولا ننس أن أثر هذا سيكون عظيما بالنسبة للحركة التجارية فيما بين العواصم والقري ، علاوة على ما فيه من تسهيل لمقام كبار الزراع في القري لأنه يطمئنهم إلي سرعة انتقالهم منها إلي المدن في أي وقت شاءوا ، مع توفير في الزمن وضمان للراحة واطمئنان لعدم احتمال وقوع الحوادث بكثرة كما هو الشأن في الوقت الحاضر .
فهل لنا أن نطمع في أن تعير الحكومة هذا الموضوع شيئا من عنايتها التي هو جدير بها ؟

