الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 996الرجوع إلى "الرسالة"

على هامش الحياة - رسالة،

Share

(وبعد) فقد حدثتني نفسي أن اخط إليك هذه الرسالة،  وقطعت الإحجام والإقدام شوطا بعيداً، وكاد يقعد بي عنها  أني كتبت إليك مثلها يوما، فما حققت غرضا، ولا أصبت هدفا،  وواجهتني حين التقينا بالصمت، فلم أدر مخبوء سرك، ولم  أتكشف وقعها على نفسك، وظلت على خطتك في الحياة، لا تبالي  نصيحة، ولا تحفل بتسديد، وكاد يقعد بي عنها ثانيا أن موضوع  الحديث شائك، وقد أكون فيه متهما، وربما وصمتني فيه  بالحيف أو التحيز، أو ما يحلو لك أن تسميه، ويشهد الله أن  باعثه هو الشعور الأخوي الذي يوحد بيني وبينك، فمرد هذه

الرسالة إلي، وإن توجهت. وما أخال واحداً منا يرضى أن  يحايد أخاه أو يقنع منه باللقاء والافتراق، والتبسيط في الحديث،  والجهد في الابتسام، وستر الخواطر، ولست أملك نفسي أن  سلط عليك لسان أجنبي، أو نال منك نائل حقد ممن انقطعوا  دون غابتك، وانبهروا عن اللحوق بك، لست أملك نفسي أن  أثور لك فأفقد أصدقائي، وأستهدف لملام الناس وتقريعهم،  وخير لي ولك وللناس جميعا، أن تلقي إلي سمعك وتبذل من  وقتك بمقدار ما تنظر في هذه الرسالة، فلعله أن تلتقط من بينها  ما يضئ لك السبيل، فتمضي حيث يمضي الناس، لا تخلد إلى  الأرض، أو تحيا في السماء وانه ليطفئ علي شعورك بأنك ربما  أزريت بي وبقلمي وبسائر منهجي، فقد جلست مني يوما مجلسا  فيه طائفة من الاتهام، وكثير من الحيف وخشيت على نفسي  أن أكون كما جردتني من كل محمدة، وألصقت بي كل مذمة،  وقمت خزيان من ترادفك وإطرادك، ولا أبرئ نفسي من  المساقط والمزالق؛ فيما في الحياة من برئ من الذنب، وخلص  من العيب، ولا حملت لك نفسي غيظا، أو ما يشبه الغيض،  لأنك أخي، وما يمكن أن يريد أخي إلى إحراجي، أو إغاظتي أو  النيل مني، أو الزراية بي، وأنت تفهم عني هذه الحقائق سافرة  واضحة، وربما كان هذا هو الذي دعاك إلى الثورة علي بالأمس،  كما أثور أنا عليك اليوم، ولا احب أن أتميز عليك في خليقة،  أو أفظلك في مكرمة. هي مسائل من هامش الحياة ولكنها  ترمى إلى الصميم، وقد تعدها أنت تافهة، ولكنها في اعتباري  جسيمة، وهي لا تخصني أنا، فمن خلقي التسامح والعفو والإغضاء،  ولكنها تمس أشخاص يمتون إلي بسبب، وهم يدققون في مسائل  الحياة، بما لا يستوجب العتاب، لان ذلك منهج البشر، وما بد  من الخضوع لهذا القانون، وقد تجنيت عليهم، وتخدعك نفسك  أن رائدك الحق، وما سواء الباطل، وأنا وهم وسائر الناس  لا نراه ألا تعنتا وشططا، ومبعثه الخيال، ومرده إلى الجور  والتحيف. . إنها مسائل مما أراه يدنو من فهمك، ولا تقتصر  عنه يدك، ولا يعوزك أن تفهم أن سوء الظن في أقوال الناس  وأفعالهم يكاد يملك عليهم أسماعهم وأبصارهم، ويأخذ عليهم  مسالك التعقل، فلا يدع للهدوء إلى أنفسهم طريقا، فإن

رأيت ألا تضع نفسك مواضع التهمة، وتعلم أن هذا المجتمع  البشري، يقتضيك أن تفهمه، وتعقل مواجبه، ولا تشذ عنه  برأي، أو تنعزل بفكرة، في غير ما استهانة بكرامتك، أو امتهان  لشخصيتك، كنت قد حققت أملي فيك، ورأيت أنني رميت  إلى غابة، وأصبت في مسعاي، وإن تركت الثغرة تفصل بينك  وبين الناس، ورغبت عن حديثي إليك وبرمت بدعوتي إياك  أن تجانس الناس في اتجاهاتهم، وتتلاقى وإياهم في أفكارهم، فتجاملهم  في غير نفاق، وتقدرهم بلا تكليف، وتأني إليهم الذي يأتونه  إليك، فلن تجد مجتمعا راقيا مهذبا يعينك على سلوكك، ويفسح  صدره لآرائك، وما شد من عزمي في تحرير هذه الرسالة إليك  إلا إنني اعلم فيك استعداداً فطرياً وسماحة، وخلقا، لا يمنعك  أن تفيد من التجارب ما دامت شريفة المقصد، نبيلة الغاية،  فاسمع يا أخي، ولا تضق بي، أو تمط من فمك، أو تغضن من  جبينك، فما أريد ألا الخير. وأعلم أن أحد لم يوح إلي، أو يمل علي،  وإنما أنا وحدي الذي ارتأيت كما رأيت؛ أنا وحدي حتى لا أكون  سببا في متاعب ذهنية، كلانا في غنى عنها، لأنني أحبك، وأوثرك على  سواك، فإن تلاقى رأيانا كان ذلك لي نجاحا، وإن رأيت إنني أبعدت  في الفهم، وجرت في الرأي، فأحب شيء إلى نفسي أن تبين  ما بصدق اللهجة، ونفاذ البصيرة، وإخلاص الدفاع، وكل  ما أهدف إليه ألا أراك موضعا لقالة، أو ظنينا بجور، وهذا  ما يعنيني أن أتحدث معك في أمره، أما سائر شأنك، فلا أدس  أنفي فيه، لأنه سلوك شخصي قد يكون لك فيه تأويل أو مساغ،  ولا أدعي لنفسي عقلا أكبر من عقلك، على كبر في السن،  وكثرة في التجارب، وهاأنذا صنعت. . فهل تجد هذه الرسالة  منك أذنا صاغية، وقلبا واعيا، فتسوى أمرك، وتدنوا من  إفهام الناس، لتتقي أذاهم، وتكتفي من ظنونهم، وإلا فأين  هو السلاح الذي أشهره في الدفاع عنك، إن تطاير من أجلك  حديث، أو أثير حولك غبار، وسلام عليك.

اشترك في نشرتنا البريدية