الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 339الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الديمقراطية والتعليم :، وزات الحكيم جحا

Share

ترددت طويلا قبل كتابة هذا المقال ، لأننى كنت موزعا بين شعورى بواجبى نحو (( جحا الحكيم )) والأمانة التى تحتم على إظهار حكمته وتبيين فضله للناس ، وبين شعورى بواجب آخر ، وهو واجب المجاملة للأحياء من الأصدقاء ، ومن أصحاب الآراء ومن اتباع الأحزاب السياسية الذين يرجى منهم الخير ويخشى منهم الضر . ولكنى آثرت أن أكتب هذا المقال ، ولعلى أكتب بعده مقالا ومقالا ناطقا بالحق وحده ، لأننى والحمد لله لست أقصد إلا قصدا واحدا وهو تبيين فضل (( جحا )) وإيضاح حكمته للناس .

أعيد هنا أننى متجرد من كل لون سياسى إلا إذا كان (( جحا )) رجلا سياسيا ، له حزب سياسى ، فإذا كان هذا فأنا حقا جدير بالتهمة بأننى من حزب (( جحا )) .

وأما سائر هذه الأحزاب السياسية التى فى مصر وغير مصر ، فليس لى منها لون خاص ، وليس لى نحو أحدها ميل خاص أو عداء خاص ، فإن لى بحمد الله أصدقاء أعزاء منها جميعا ، أحرص على مودتهم جميعا وأعتز بصداقتهم جميعا ، ولهم جميعا عندى كرامة تدعونى إلى مناقشة آرائهم على هدى الحق وحده . لا أميل فى ذلك إلى يمين أو إلى شمال .

والذى يدعونى اليوم إلى الكتابة أن بعض أكابر الكتاب فى مصر يتحدثون عن الديمقراطية والتعليم فى الصحف السيارة المختلفة ، وكانت أحاديثهم طريفة لطيفة ، فيها كثير من الذكاء والفطنة ، وفيها إلى جانب ذلك كثير من الخبث والمكر ، وقد اتخذوا الديمقراطية مطية ذلولا لدعايتهم السياسية ، وإن كلفهم ذلك شططا فى الرأى

فالدعاية السياسية فى كثير من الأحيان تكون أولى عند الساسة من الحق ، وأحب من المصلحة العامة ، ولعل لهم فى ذلك حكمة ، لأن الدعاية السياسية قد تنتهى بالفوز في ميدان النضال السياسى ، وتؤدى إلى الوصول إلى الحكم ، والحكم هو مطية الإصلاح ، وفيه الفرص السانحة لخدمة الأوطان ، فكل ما يرتكب فى سبيل الوصول إليه مباح حلال ، وكل مجانبة للحق فى الدعاية من أجله جديرة بالتسامح ، لأن الغاية كما يقول البعض تبرر الوسيلة .

ومهما يكن من الأمر فقد ذكرتنى هذه الأحاديث عن الديمقراطية بحادث وقع من (( الحكيم جحا )) فأحببت أن أعيد ذكره هنا على صفحات الثقافة لعل القارئ يترحم على ذلك الحكيم القديم السليم الطوية الخالص النية الذى كان يحب الحق دائما .

كان (( جحا )) يعيش فى عصر مثل عصرنا هذا - عصر يحب التحدث عن الديمقراطية ويقحمها فى كل ما ينطق به - فالديمقراطية من معناها الحق والعدل ومن معناها الرحمة والإنسانية ، ومن معناها المساواة الاقتصادية والاجتماعية ، هذه المعانى كلها تنطوى تحت اسم الديمقراطية العذب ، وليس فى الوجود من يجرؤ على إنكار الديمقراطية ولا المكابرة فى أنها النظام الطبيعى العادل الذى ينبغي للأمم جميعا أن تجعله نظامها فى السياسة والاقتصاد والاجتماع .

ولكن عصر (( جحا )) كان لا يحب من الديمقراطية إلا اسمها . وأما حقيقتها فقد كان لها شأن آخر . فكان سلطان الزمان في عهد (( جحا )) يحب أن يسمع الخطباء يتحدثون عن الديمقراطية وكان يلذ له أن يسمع المواعظ ويقرأ الصحف الكثيرة من صباحية ومسائية إذا كتبت اسم الديمقراطية فى أعلى صفحاتها بالخط العريض ( الثلث ) أو ( الفارسى ) ، وكان أحب الأقوال إلى ذلك السلطان ما كان يتحدث به الدعاة عن عدله وعن إحسانه ، وعن ديمقراطية

حكومته فى أساليب حكمها ، سواء أكان ذلك فى التعليم أو فى غير التعليم .

ولكن نظام الدولة فى أيام (( جحا )) لم يكن يحب الديمقراطية فى الأفعال كما كان يحبها فى الأقوال ، فكانت الحكومات إذا أرادت أن تجعل الناس يبتلعون عملا من أعمالها دهنته بدهان الديمقراطية وأطلقت عليه اسم الديمقراطية الخلاب ، فكانت دائما تفوز برضى الناس عنها لأن الناس كانوا سليمى الطوية تلهيهم الألفاظ عن الحقائق . فاذا أراد أحد من الناس أن يناقش تلك الألفاظ قامت عليه قائمة أتباع الأحزاب التى تعودت تداول الحكم فيما بينها . واتهموه علنا على صفحات الجرائد السيارة بأنه رجل رجعى يحاول أن يناقش فى الديمقراطية ويريد أن يشكك الناس فى عقيدتهم الديمقراطية .

وكان (( جحا )) رجلا صريحا مع نفسه ، فكان يسمع أحاديث الديمقراطية من الخطباء والكتاب ثم يرى فعل الحكومات فى أعمالها اليومية فيرى الفرق واضحا بين القول والفعل ويتألم لذلك ويفكر فيه طويلا ويهم أن ينطق بالحق ثم يخشى إذا هو تكلم أن يصيبه الأذى فى نفسه أو فى سمعته . فقد كان يخشى أن تنطلق فيه الألسنة ويتهم بأنه عدو للديمقراطية أو بأنه يريد أن يشكك الناس فى الديمقراطية .

وكان (( جحا )) يحب العافية لأنه ذاق في حياته المر الكثير ولأنه قاسى الأهوال من المصائب وعنفها ومن عداوة الأقوياء وقسوتها . وكان لا يحب أن يقطع الحياة كلها في معاناة المصائب ، ومصادمة الأقوياء ، ولهذا آثر أن يلزم الصمت ويؤثر العافية .

ولكن أحاديث الديمقراطية زادت على قدر الاحتمال ، ولم يستطع (( جحا )) أن يلزم الصمت بعد ذلك طويلا ولا أن

يعتزل الحياة لأنه كان رجلا حكيما سليم الطوية يحسب أن واجب الحكيم يحتم عليه أن يشارك فى توجيه الحياة ، فابتكر طريقته المعروفة التى ظل الناس يتحدثون بها جيلا بعد جيل ، ويكتبونها في كتب القصص طبعة بعد طبعة ، وهى الطريقة المذكورة فى قصة (( الوزات التسع عشرة )) .

أتى (( جحا )) بتسع عشرة وزة وذهب إلى قاضى المدينة ( مدينة جانبولاد الشهيرة ) وقال له : إننى قد جئت إليك فى أمر عجب .

قال القاضي باسما - لأنه كان يحب (( جحا )) مع أنه كان يعلم أن جحا من الحكماء الصرحاء :

- وما ذلك الأمر العجب يا سيدى الحكيم جحا ؟ قال جحا - إن عندى تسع عشرة وزارة أستطيع أن أجعلها تكفى لعشرين رجلا على أن يأخذ كل واحد ووزة كاملة .

قال القاضى متعجبا ساخرا - ألا تزال تمزح يا جحا ؟ ألا تريد ترك المزاح ؟

فقال جحا جادا - لست أمزح يا فضيلة القاضى . إنها حقيقة عجيبة ، كشفت أمرها بفضل سر وهبه الله لى وحدى فى هذا العالم .

وكان القاضى يعرف أن لجحا كرامة الأولياء ، فأطرق قليلا ثم رأفع رسه فى حذر وقال خاشعا : لئن صح ذلك لكان فيه حل لأزمة الديمقراطية ، لو صح ذلك لحللنا أزمة الأرزاق ، فما يكفى مائة يصبح كافيا لألف ، ولو صح ذلك لحللنا أزمة التعليم ، فما يكفى ألفا يصبح كافيا لمائة ألف ، وهكذا .

وكان يتحدث بهذا كأنه يخاطب نفسه معللا إياها بالآمال الكبار . ثم أقبل على جحا وقال له فى مودة : أسرع يا سيدى ببيان أمرك وكشف الغطاء عن السر الذى أكرمك الله بكشفه .

فقال جحا جادا : هات عشرين رجلا وهذه تسع عشرة وزة . وسأدخل الوزات إلى هذه الحجرة وسأدخل وراءها الرجال ، وسيخرج كل واحد منهم بوزة كاملة . يحملها تحت إبطه .

فلم يبطئ القاضى فى فتح الغرفة وأدخل إليها الوزات التسع عشرة ، وأمر عشرين من أتباعه أن يدخلوا مع السيد جحا إلى الحجرة لكى يخرج كل منهم بوزة كاملة تحت إبطه .

ودخلت الوزات ودخل الرجال ودخل جحا وقال للرجال : هلم إلى الوز على بركة الله .

وتزاحم الرجال على الوز وتدافعوا وتضاربوا حتى ورمت منهم الأصداغ والعيون وحتى كسرت منهم الأنوف والأسنان ، وكان كل من يفوز بوزة يخرج ظافرا صائحا داعيا للسيد جحا الحكيم المبارك بالتوفيق والعمر الطويل ، ثم يأخذ فى مسح عرقه أو تنظيف الدماء التى نزفت منه أو تضميد الجراحات التى أصابته وينصرف إلى بيته سعيدا : وما زال الواحد منهم يخرج فى أثر الآخر بوزة تحت إبطه حتى خرج تسعة عشر رجلا منهم يدعون للسيد جحا ويمسحون العرق والدماء .

وأخيرا خرج الرجل الأخير ، ولكنه كان يحرك يديه واحدة إلى الأمام ، وأخرى إلى الخلف ولم يكن تحت تحت إبطه وزة .

وكان القاضى واقفا خارج الغرفة ينتظر فى لهفة ، فلما رأى الرجل الأخير خارجا بيديه فارغتين فتح عينيه من الدهشة ، وامتلأ قلبه بخيبة الأمل ، ولما خرج جحا الحكيم آخر الأمر صاح به القاضى : إنك رجل كاذب ! إنك رجل ساخر !

فقال جحا - ولم الغضب يا سيدى؟

فقال القاضى - إن الرجل الأخير لم يفز بوزة .

فوقف جحا خطيبا وجعل يقلد دعاة الديمقراطية ويهز يديه متحمسا وقال :

إن الديمقراطية هى العدل وهى المساواة ، وهى تسوية الفرص بين الناس جميعا حتى لا يحرم أحدهم من فرصة الحياة . وأخذ يطنب فى مدح الديمقراطية وفى عدالتها وفى محاسنها وإنسانيتها .

فصاح القاضى محنقا : ولكن الرجل المتمم للعشرين لم يفز بوزة . إن هذا الكلام كله فى مدح الديمقراطية لم يجعل الرجل يخرج من الغرفة بوزة تحت إبطه .

فقال جحا جادا - ولكنه يا سيدى هو المقصر . لقد أتحنا له الفرصة وسوينا بينه وبين غيره فيها ، وكانت له المقدرة على أن يصيب فرصته التى لم نمنعه عنها ولم نضيق عليه فيها . فإذا كان قد خرج خائبا فهذا ذنبه وحده وليس ذنب الديمقراطية .

ولم يملك جحا عند ذلك أن ضحك ضحكة عالية فإن الموقف كان مضحكا حقا . وتنبه القاضى إلى السيد جحا الحكيم وعرف أنه لم يكن جادا ولم يجىء لكى يكشف سرا جديدا وهبه الله له ، بل جاء ساخرا من أقوال الخطباء الذين يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم .

وذهب عنه مغضبا على حين كان الناس يضحكون ويصيحون إعجابا بحكمة جحا الحكيم .

تذكرت هذه القصة الصغيرة ، فى هذه الأيام التى لا يخلو فيها يوم من ذكر الديمقراطية والتعليم ، وتسوية الفرص فيه للناس جميعا وإباحته لكل طلابه من رجال ونساء وأغنياء وفقراء تذكرت هذه القصة عند ما تذكرت أن دور التعليم المرغوب فيه تتسع لخمسين ألفا على الأكثر على حين يبلغ طلاب ذلك التعليم ثلاثة ملايين . ومع ذلك يقول أصحاب الأحاديث إن التعليم حر مطلق للجميع لا فرق فيه بين غنى وفقير ولا بين مدنى وريفى تذكرت هذه القصة عند ما ذكرت الناس وهم يتزاحمون على دور

التعليم ، حتى اكتظت بهم المقاعد وسدت بهم الأبواب وضاقت عليهم الأنفاس من شدة الزحام ، ومع ذلك عاد الكثيرون بالخيبة ، ولم يستطع دخول المدارس إلا بضعة ألوف ، ثم ماذا ؟ ثم لم يتعلم الجميع شيئا ، لأسهم كانوا فى شغل من الزحام . ومع ذلك يقول المتحدثون فى الأحاديث أقوالا منمقة فى مدح الديمقراطية والعدالة ، مع أن الجميع يؤمنون بذلك ولا ينكرونه . فإذا سألهم السائل عن الأرقام والإحصاء وعن فوائد ، التعليم وطبائع النفس قالوا فى فكاهة عذبة : نحن لا نعترف بالأرقام والإحصاء ولا بالتعليم وقواعده ولا بطبائع النفوس ووساوسها .

ثم قالوا فى جد وصرامة :

(( لقد فتحنا الأبواب ، وسوينا فى الفرص ، وليس العيب إلا فيمن عجز عن الدخول ، وإن المجرم من يحاول التنظيم أو الاحصاء أو يعترف بقواعد يسميها قواعد التعليم إنها الفكاهة تذكرنا بفكاهة جحا الحكم . وليس لنا أن نأخذ الفكاهة بالجد الصارم كما فعل القاضى المحنق ، بل يجدر بنا أن نضحك وأن نشارك فى تقدير المزاح . وأن تجعل الابتسامة تتنفس فى الجو الحار فتذهب بحرارته . إنها الفكاهة جديرة بالسيد جحا الحكيم .

اشترك في نشرتنا البريدية