الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 160 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش السيرة :، طبيب النفوس

Share

اين الناضرة ؟ علي بالناضرة ردوا علي الناضرة . وكان صفوان بن أمية يقول هذا في صوت تظهر فيه الحدة والغضب ، ويظهر فيه السخر والضحك معا . وكان يقول هذا وهو يري إلي قيم داره بنظرات كأنهن قطع النار ، حتى أخاف القيم ومملأ قلبه روعا وهولا . فقام مبهوتا لا يدري ماذا يصنع ولا يعرف كيف يجيب . وكان يقول هذا وقد أخذ بيد صديقه الحارث بن هشام يجذبه إليه جذبا عنيفا لا رفق فيه ، ويضطره إلي المجلس الذي أراده على أن يجلس فيه ، لا بل يلتفت إليه ولا يسمع له ، كأنما يجذب شيئا لا رأي له ولا إرادة ، فلما طال عليه وجوم القيم أقبل عليه منذرا لا يكاد يخفى حنقه وهو يقول : ألم أسألك عن الناضرة ؟ ألم أطلب إليك الناضرة ؟ أفي أذنيك وقر ؟ أتحولت صخرا لا يسمع ولا يجب ؟ قال القيم في صوت مضطرب وبلسان متلجلج : فان الناضرة في حيث أمر مولاي أن تكون من الحبس ، وعليها ما أمر مولاي أن يكون عليها من الأغلال منذ غنت ذلك الصوت . قال صفوان متضاحكا لا يكاد يهدأ غضبه : وقد ضربتها الأسواط التي أمرك مولاك أن تضربها في كل يوم إذا أصبحت ، وكنت تتهيأ لتفديها بالأسواط التي أمرك مولاك أن تفديها بها في كل يوم إذا مالت الشمس إلي الزوال ، فاني أريد الآن أن أضعك مكانها ، وأجعل عليك أغلالها ، وأرد إليك السياط التي قدمتها إليها منذ أمرتك ذلك الأمر المحنق . أذهب فأخرج الناضرة من حبسها ، وضع عنها أغلالها ، وأقبل علي بها

مكرمة موفورة ، وأسرع في ذلك ولا تبطئ ، فاني أخشى أن يجر عليك الابطاء شرا عظيما . قال ذلك ثم تحول عن مولاه إلي صديقه الحارث بن هشام وهو يقول : ما رأيت أحدا بلغ به الحمق ما بلغ بهذا الغلام . قال الحارث وهو يتكلف الابتسام : بل ما رأيت أحدا بلغ الغيظ به ما بلغ بك أيها الصديق ؛ إنك لتكلف هذا الفتي من أمره شططا : تأمره أن يحبس هذه الجارية وأن يعذبها ، ثم لا تظهر له أنك غيرت رأيك فما أردت من حبسها وتعذيبها ، ثم تلومه الآن لأنه أمضي ما أردت ولم يخالف عن أمرك . قال صفوان : فانه يزعم أنه ذكي لبق ، وأنه يعرف ما لا يعرف ، ويسبق إلي فهم الأشياء ، وهو قد رأي ما نري وسمع ما تسمع وأحس ما نحس ، وعلم أن كل شئ من حولنا يتغير ، وأن كل سلطان من حولنا يزول ؛ فقد كان من الحق عليه أن لم يبق لنا على الناضرة حبس ولا تعذيب . قال الحارث وقد انجلي عنه ما كان يغمر وجهه من الحزن ، وابتسم ثغره عن ابتهاج صريح : نعم ، وقد كان ينبغي أن يعلم أن ليس لك عليه أمر ولا نهي ، وانك لا تملك أن تلومه ولا أن تعنف عليه ، وقد كان ينبغي أن يدع دارك هذه وما فيها ومن فيها ، وأن يمضي إلي حيث حريته وأمنه ورجولته كاملة ، ثم يعود إليك متسلطا طافرا ، فيصدر إليك من الأمر ما يصدر الغالب إلي المغلوب . قال صفوان وقد تاب إليه نفسه ، واطمأن قلبه بين جنبيه نعم ، هو ما تقول لقد رأيت اليوم ما أخرجني عن طوري ؛ وإن أعجب لشيء فانما أعجب لهدوئك واستقرار نفسك ، واطمئنانك إلي ما يقع حولك من الأحداث قال الحارث : وماذا تريد أن أصنع ؟ لقد جاهدت محمدا ما وسعنى جهاده ، وحاربته ما وجدت إلي حربه سبيلا ؛ ولقد ذقت في هذه الحرب مرارة الهزيمة وحلاوة النصر ؛ ولقد طاولته كما طاولته قريش ، وعاجلته كما عاجلته قريش ؛

فقد أبت الأحداث إلا أن يظهر محمد علي قومه ، وأبت الأحداث إلا أن يدخلها علينا محمد عنوة ؛ وقد حلنا بينه وبين ذلك منذ أعوام ؛ فلم ينفعنا ما قدمنا إليه من عنف ، ولم يغن عنا ما أظهرنا له من بأس ؛ وها هو ذا يدخلها علينا ، لا عنيفا بنا ولا مشتطا علينا ، لا يجزينا من بأسنا بالبأس ، ولا يلقانا بمثل ما لقيناه من الصف والخال ولكني لم أعرف الناضرة هذه التي تطلبها ، ولا أعلم فيم حبستها وأثقلتها بالأغلال ، ولا أفهم فيم سؤالك عنها وإلحاحك في هذا السؤال ، وفيم تكريمك لها بعد أن أرهقتها بالعذاب . قال صفوان : فانك ستعلم من هذا كله ما جهلت وأقبل القيم يدفع أمامه في رفق فتاة قصيرة الخطو تتقدم في كثير من التردد والامتناع ، في وجهها جمال لا تبلغه العين حتى يصل إلي القلب فيحدث فيه أثرا عميقا . ولكنها تتقدم مترددة ممتنعة قد ملكها الخوف والاشفاق ، وكان مالقيت من السجن والعذاب قد آذي منها قلبا كريما وأهان منها نفسا عزيزة ، وإن لم يؤمن ساجنوها ومعذبوها لها بكرم القلب وعزة النفس . ومتى امن السادة الأحرار بالكرم والعزة للرقيق المستذل ؟ وكان وجه الفتاة يبين عما يملأ قلبها من خوف ، كما كان يبين عما يؤذي نفسها من هذا الشعور بالاهانة . ولكنه كان يبين في الوقت نفسه عن شئ يشبه الرضي والأذعان وعن شئ يشبه العفو والمغفرة .

كان هذا كله يقرأ في ذلك الوجه الجميل المشرق ، وفي تلك اللحظات الوادعة الهادية . فلما رآها الحارث مال إلي صاحبه وهو يقول : ما رأيت أنضر من هذا الوجه ؛ قال صفوان : وما عرفت أكرم من هذه النفس ؛ ثم نظر إلي الفتاة في رفق عظيم وهو يقول : اقبلي يا ابنتي فليس عليك بأس . أقبلي لا تراعي فأنت آمنة منذ اليوم . لقد آذيناك وشفقنا عليك ، ولكنا سنصلح ما قدمنا إليك من مساءة . اقبلي وخذي مجلسك منى كما تعودت أن تجلسى ، وغنيني ذلك الصوت الذي كان مصدر

ما لقيت من الآذي والذي سيكون مصدر ما تلقين من النعم . ولكنة لبثت قائمة واجمة كأنها لا تسمع أو كأنها لا تفهم ، أو كأنها لا تصدق ما كان يساق إليها من الحديث . قال صفوان : أقبلي يا ابنتي واسمعي لما يقال لك ، وانزليه من نفسك منزل الحق ، فأنت حرة بعد ان تغنيني ذلك الصوت ، وانت مطلقة تذهبين حيث تشاءين ، وتستقبلين من امرك ما تريدين ، ولك علي الا تتعرضي لحاجة ، وأن تكفي غوائل الدهر . اجلسي يا ابنتي كما تعودت أن تجلسى ، وغني يا ابنتي كما تعودت أن تغني . ثم التفت إلي قيم الدار وقال في صوت حازم : سواء الخمر والإقدام يا غلام

وما هي إلا ساعة حتى كان الصديقان مقبلين على شرابهما ، والفتاة تغنيهما في صوت عذب نفاذ إلي القلوب ، يغمر وجهها إشراق أخاذ للنفوس هذه الآبيات :

جزي الله رب الناس خير جزائه

                             رفيقين حلا خيمتي أم معبد

هما نزلا بالبير ثم تروا

                             فأفلح من أمسي رفيق محمد

ليهن بني كعب مكان فتاتهم

                            ومقعدها المؤمنين بمرصد

قال الحارث بن هشام ، بعد أن أخذ من الغناء والشراب بحظ موفور : الم يأن لك أن تنبئنى عن قصتك ، وان تبين لي عن خطئك ، فاني أراك شديد الغموض منذ اليوم ، وما عرفتك قط غامضا ولا ملتويا فيما تأتي وما تدع من الأمر ؟ قال صفوان : أتذكر هذا الشعر ؟ قال الحارث : وكيف لا أذكره ، وقد عرفنا به وجه محمد في هجرته ، واستيأسنا من القدرة على رده إلينا ، وتعلمنا " أن ستكون لنا معه خطوب ؟ إني لأسمع هذا الشعر الآن كما كنت أسمعه في تلك الليلة حين انطلق به ذلك الصوت الرائع الرهيب يمشي به من أسفل مكة إلي اعلاها ، والناس يسمعونه ويتبعونه ويلتمسون مصدره

فلا يرون له شخصا ، فيستقر في نفوسهم أنه هاتف من الجن ؛ وما أدري الآن أكان هاتفا من الجن أم كان هاتفا من الملائكة ، ولكنه كان روحا من هذه الأرواح التي ملأت علينا جونا في هذه الأعوام

قال صفوان : فاني قد كرهت هذا الشعر كرها شديدا ، وازداد كرهي له منذ قتل أبي وأخي بأيدي أصحاب محمد ، ومنذ ورد الملأ من قريش موارد الموت فيما كان بيننا وبين محمد من حرب . ولقد حاولت الثأر في أحد ، ولقد حاولت الثأر بعد أحد . ولقد كنت أظن أني سأجد فيمن قتلنا من أصحاب محمد وبني أبيه شفاء ، ولكني لم أجد إلا غلا يزداد تحرقا وتأججا كلما تقدمت الأيام . ولقد التمست السلو عن هذا الغل في الرحلة ، والتمسته في الصيد ، والتمسته في اللهو ، فما ظفرت به وما وجدت إلي شئ منه سبيلا . وأدعو ذات يوم بهذه الفتاة وأطلب إليها الغناء فتغني ما شاءت ، وأطرب أصوتها العذب وغنائها الحلو ، فأستزيدها فإذا هي تغنيني هذا الشعر ، فتذكرني ماكنت أريد أن أنسي ، ويكون ذلك حين تبلغنا الأنباء بأن محمدا قد عبأ لحربنا ، وفصل من يثرب ليدخلها علينا عنوة بعد أن رددناه عنها كراما ؛ فيملكني الغضب وتستأثر بي الثورة ، وآمر بالفتاة كما رأيت أن تحبس في بيت من بيوت هذه الدار ، وان توضع عليها الأغلال ، وأن تصبح وتمسى بالسياط تلهب جسمها هذا الرخص الجميل . قال الحارث : ففيم إطلاقك لها ، وفيم استماعك لهذا الصوت وشربك عليه ؟ قال صفوان : فان الرجل الكريم هو الذي يلقي جليل الأمر معترفا به غير منكر له ولا جاحد لأخطاره ، وقد حاربنا هذا الرجل ما وسعتنا حربه ، وقد ظننا به الظنون وأرسلنا فيه ألسنتنا وعقولنا ، وقلنا فيه ما نعتقد وما لا نعتقد ، وكانت الأيام تكذبنا ، وكانت الحوادث تكشف لنا عما كنا فيه من الاثم والضلال ، فكنا لا نسمع للأيام ولا نؤمن للحوادث ، وإنما تمضي فيما كنا نضمر من البغض ، وفيما كنا نظهر من

العدوان ؛ ولم تكن الحرب بيننا وبين هذا الرجل ، وإنما كانت بيننا وبين قوة أعظم من هذا الرجل بأسا وأشد منه نفاذا وابعد منه اثرا في حياة الناس . كنا نغالب القضاء فقد غلبنا القضاء . وكنا نحارب السماء فقد قهرنا السماء فما الخير في أن تمضي فيما كنا نقضي فيه من صلف قريش وكبريائها ، ومن جاهلية قريش وغرورها

قال الحارث : إنك لتحدثني بما ناجتني به نفسي منذ أعوام ، وبما كانت تناجيني به نفس لقيتك عائدا إلي دارك بعد أن سمعنا منادي محمد يؤذن في الناس أن من لزم داره فهو أمن وان من لزم دار أبي سفيان فهو آمن . وكنت أريد أن أبلغ داري فألزمها حتى أري لي مخرجا من هذا الحرج فلما لقيتك دعوتني إلي دارك فأقبلت معك ، وإن كنت لغائبا عنك أسمع لما كانت نفسى تحدثني به من النجوي . قال صفوان : أما أنا فقد عدت إلي داري مغيظا محنقا لا أملك نفس من الغيظ ، ولكني عدت إلى نفسي معترفا بأن أمر محمد قد ظهر على أمرنا ، وبأن قد ظلمت هذه الفتاة كما ظلمت غيرها من الناس . قال الحارث : فما تريد ان تصنع ؟ قال صفوان : ما أدري ، ولكني لن أذعن لهذا السلطان الجديد إلا أن أكره على ذلك إكراها . قال الحارث : أما أنا فمخرج نفس من هذا البأس وذاهب إلي محمد فقابل منه دعوته ومعلن إليه إيماني مما يريدنا عليه

وهما في ذلك وإذا باب صفوان يطرق ، وإذا مولاه يدخل مضطربا، فينبئ سيده بأن رسول محمد بالباب . قال صفوان ، وقد ظهرت على وجهه ابتسامة حازمة ؛ فأدخل رسول محمد ، ثم التفت إلى صاحبه وهو يقول : هذا أول الشر : ما تظنه يريد منا ؟ ولكن الرسول ادخل ، فحيا وتلطف في التحية ، وتلقي صفوان لقاء حسنا ، ثم يقول الرسول لصفوان : إن رسول الله  (ص)  يستند لحرب هوازن ، وقد جمعت له جمعا عظيما ، وقد علم ان عندك سلاحا ودرروعا وكثيرا من اداة الحرب ؛ فهو

يسألك أن تعينه بما تمتلك . قال صفوان في لهجة لم تحل من سخرية : فهو الغصب إذا قال الرسول في لهجة غلبت عليها الأناة والحلم : كلا يا صفوان ، ليس الغصب من أخلاق رسول الله ، وهو لم يعلمنا غصبا ولا غدرا ولا تجبرا ، وإنك لتعلم قدرته عليك وعلى غيرك من الطلقاء ؛ أفتراء قد مسكم بشر ، أو نالكم بأذي ؟ إنه يستعير منك سلاحك ودروعك وما عندك من أداة الحرب ، على أن يردها عليك موفورة بعد الظفر إن شاء الله . قال صفوان : فأبلغ محمدا أن لنا عنده ما يرضي ، وأنا سنعينه بما نقدر عليه من أداة للحرب . ومن يدري ؟ لعلنا نعينه بأنفسنا ، فهو بعد ملك قريش قال الرسول : بل قل نبي الله وأطرق صفوان ، ونهض الرسول فانصرف راضيا . قال الحارث : أباقي أنت على ترددك ؟ أما أنا فمسلم منذ الآن ، قال صفوان : ما أدري والله ما أصنع . إن قلبي ليحب هذا الرجل ويؤمن له . وإن نفسي مع ذلك لتستطيع أن تسلم عن عز قريش قال الحارث : فاني أري أن عز قريش لم يتبدل ، إلا أن يكون ظهور محمد قد زاده قوة وبأسا . ألم  ينبئنا منذ أظهر دعوته بأننا إن نؤمن له ضمن لنا ملك الدنيا ونعيم الآخره ؟ لقد كذبناه وأعرضنا عنه ، وسخرنا منه . فلم يردعه ذلك ، ولم يقل من عزمه ، وإنما مضي أمامه لا يلوي على شيء ، ولا يحفل بشيء ، ولا يشفق من شيء ، حتى إذا لم يجد عند قومه خيرا ، ولا في وطنه أملا ، هاجر بدعوته إلي حيث يستطيع أن يجهر بها ، وان يذيعها آمنا ، ويذود عنها بالقوة إن تعرضت للخوف . ولست أخفى عليك أني لم أعجب بشيء قط كما أعجبت بهذه الهجرة ، يفر فيها صاحبها برأيه ليذود عنه ، ويدعو إليه حرا طليقا لا يخاب شرا ، ولا يلقي أذي هذا القرار بالحرية ، أو هذا الفرار في سبيل الحرية ، شيء لم نعرفه من قبل لقد كنا نفر بأموالنا لنحصنها ، وكنا نغز بأمتعتنا لنؤمنها ، وكنا نفر بدمائنا لنحقنها . فإذا هذا الرجل وأصحابه

يفرون بدينهم لينشروه ، ويحركون لنا أموالهم وامتعتهم ومنافعهم ، ثم لا يلبثون ان يبذلوا دماءهم في سبيل ما يدعون إليه . الا يروعك هذا ؟ قال صفوان : فما بال هذا كله ثم يرعك قبل اليوم ؟ قال الحارث : والله لقد راعني ، وما زال يروعني وإنما هي الكبرياء الحت لى  في هذا الضلال ، فقد آن لهذه الكبرياء ان تنجلي عني غمرتها فان صفوان : اما انا فلم تتجل عنى غمرة الكبرياء بعد ، وانظر إن أمري لعجب حقا ! إني لا استطيع أن أذعن لمحمد ، ولا أومن لما جاء ولكني مع ذلك لا استطيع أن أبقى بمكه امنا وادعا ، وهو يلقي عدوه من قيس . لأشهدن حربه هذه كما يشهدها أصحابه ، ولأنظرن في أمري بعد ذلك

ويتيح الله لنبيه الظفر يوم حنين على جموع قيس ، بعد ان امتحن المسلمون في انفسهم وقد اعجبهم كثرتهم فلم تغن عنهم من الله شيئا ؛ وإذا رسل النبي تصل إلي صفوان في خيمته ومنه الحارث بن هشام قد اسلم وشهد الواقعة مسلما فاذا دخل الرسل على صفوان قال قائلهم بعد أن حيا وتلطف في التحية : إن رسول الله (ص ) يرد عليك سلاحك ودروعك وادائك موفورة ، ثم هو يهدي إليك حظا من الغنيمة يمنحك مائة من الابل ، ولا يكره ان يزيدك إن استزدت . قال صفوان : وصلته رحم ، فما عرفته إلا رجل خير ، وما أري إلا أن الله قد منحه القدرة على تطهير القلوب من الحقد والبغض ، ومن الضغينة والأثم . هلم سيروا معى إليه ؛ فقد آن لغمرة الجهالة أن تنجلي ، وآن لصفوان بن أمية أن يؤمن بمحمد وما أنزل عليه من الحق

ويمضي صفوان بن أمية إلي النبي فيسلم . ثم يعود فيخلو إلي نفسه ، ويفرغ لأمره ، ولا يكاد يشارك الناس فيما يضطربون فيه من الأمر . قال بعض أصحاب صفوان له ذات يوم : أي أبا وهب ! إنك قد أسلمت ولكن

الاسلام لا يستقيم لك إلا أن تهاجر كما هاجر الناس قال صفوان : فلنهاجر كما هاجر الناس . وخرج من مكة غير محب للخروج ، فلما بلغ المدينة لم يقم فيها إلا قليلا حتى قال له رسول الله ( ص ) : " عزمت عليك يا أبا وهب لما رجعت إلي اباطح مكة " فرجع إلي أباطح مكه أحب ما يكون في الرجوع إليها ، وأقام فيها ما شاء الله أن يقيم . وكان يتحدث إلي الناس فيقول : " لقد أعطاني رسول الله ( ص ) يوم حنين وإنه لمن أبغض الناس إلي ، فما زال يعطيني حتى إنه لمن احب الناس إلي قال قائل : فقد احببته إذا لعطائه قال صفوان ويحك ، لا والله إن كنت لغنيا ؛ وإنما أحببته لأن الله علمه كيف يداوي القلوب المراض

اشترك في نشرتنا البريدية