لقد أسعدني الحظ فسافرت في الصحاري وسلكت .طرقها ومسالكها غير مرة
تجولت في صحراء مصر الغربية وتنقلت بين واحاتها العتيقة المتقادمة . وضربت في صحراء مصر الشرقية مرتادا شعابها وأوديتها وشم جبالها . وسلكت من جزيرة العرب ما بين جدة ومكة ، وما بين مكة والمدينة ، كما جزت بادية الشام وعبرت البرية المترامية الواقعة بين الشام والعراق وأشهد لقد علمتي هذه الأسفار من أمر الصحراء ما لم اكن أعلم ، ووقفتني من أسرارها ومكنون امرها على ما لم أكن .لأبلغه بالدرس والقراءة ، مهما جهدت
لقد كنا عند اعتزم السفر في الصحراء نأخذ أهبتنا للأمر أشد الأخذ ، ونستعد له أتم الاستعداد ، تفاديا مما .عسى أن يفجأنا في سفرنا من نفاد الزاد أو الماء أو العتاد وكنا في ذلك إنما نعول على أنفسنا موقنين بأن التفريط والتهاون قد يكون وخيم العاقبة ، وقد يفضي إلى الهلاك نفسه وليس من شك في أن التعويل على النفس والاحتياط للمستقبل أول سمات الرجولة الصحيحة وملاك أمرها ؛ وهذا أول درس تلقيه الصحراء على من يغامر بنفسه في مجاهلها
ولكننا على الرغم من استعدادنا ومبالغتنا في التوقي والاعتماد على النفس كنا لا نبرح يخالجنا شعور قوي خفي بأننا على شفا أمر مهول ، وغيب مجهول ، وأننا ضاربون في عمايه لا نأمن بغتانها وفجاآتها ، فمن يدري ! فلعلنا لنقص في تقديرنا وأمر لم يدخل في حسابنا ، نمسى وقد انطوت علينا الصحراء انطواء أليم الخضم على من انحرقت به سفينته ، فإذا أجسادنا جزر سياعها وعقبانها ، ومدب .حشراتها وهوامها
من أجل ذلك كنا لا ندع التوكل على الله والاعتماد عليه بعد الاعتماد على أنفسنا ، مسندين إليه سبحانه حولنا وقوتنا . ولاشك أن الإيمان بالله على هذا النحو هو الإيمان الصحيح ، وأن التوكل على الله على هذه الحالة هو التوكل .المحمود ، وهذا درس آخر بليغ يستفيده المسافر في الصحراء
ثم إن للصحراء روعة أي روعة ، وجمالا أي جمال .وحذار أن تخدعك عن روعتها وجمالها رمالها الوعثاء وجبالها الجرداء ، وحرها اللافح ، وبردها القارس ، فما تلك .لعمرك إلا بمنزلة أطمار على أقمار ، وأسمال على حسناء معطال
ورويدك حتى يقبل الربيع ، ويرق الهواء ، وتضع الأرض حملها ، فتري عجبا من العجب ، في الزهر المقوف ، والعشب المخضر ، والطيور الصادحة ، والظباء السارحة ، والإبل الراغية ، والشاه التاغية ، والقوم يتصاحبون جذلا وحبورا
ورويدك حتى يقبل المساء ويطلع القمر وتتلألأ النجوم والكواكب ويخيم على الصحراء سكون يكاد لرهبته يحسه سمعك المرهف ، فتري ضآلة غير متناهية إزاء عظمة غير ،متناهية . فإذا غلب القمر ومد الظلام على البيداء رواقه وطرق سمعك عصف الرباح وهي تنسلك بين الجبال أو تهوي في المهاوي السحيقة ، وتراءت لعينيك أشباح غريبة وصور عجيبة ، وخيل إليك أنك تسمع عزيف الجن وصراخ السعالي ، وأنك تراها وتحسها ، وأنها تراوغك تارة عن يمينك وأخري عن شمالك ، فلا ترع ، فجن الصحراء وسعاليها ليس الخبث والغدر من طبعها ، وقد عرفها قدماء ،العرب وعرفتهم ، وكان لهم معها ولها معهم شئون وشئون فتارة كانوا يصارعونها فيصرعونها أو تصرعهم ، وتارة كانوا يحبونها ويحبهم ، ويصهرون إليها فتلد لهم البنين والبنات ، وطورا كانوا يصادقونها ويحالفونها فتفي لهم ويفون لها . وطورا كان يستلهمها شعراؤهم فتلهمهم عيون الشعر
وروائع القوافي . هل تدري ماذا توحي الصحراء بكل ذلك ؟ .إنها توحي معني الفن الرفيع والعبقرية والجمال
الصحراء تبعث في نفوس أهلها وعشاقها الرجولة الكاملة ، والإيمان الصادق والعبقرية التامة . فإن شئت على ذلك دليلا فعليك بأبطال الجاهلية والإسلام . فان أبيت إلا الطريق السهل والقول الفصل ، والحجة البالغة .والمعجزة الدامغة ، فعليك بسيرة نبي الهجرة عليه السلام
