الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 336 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش الكتب الحديثة :، الفاروق عمر ) ٢ (

Share

من الأعمال التي ينبغي أن نلقاها بالتقدير والاعجاب في عصرنا الحديث تلك الأعمال الممتازة التي يضطلع بها الدكتور محمد حسين هيكل باشا في بحث الحياة الإسلامية لاقدم عصورها ودرسها درسا علميا منظما يستند فيه إلى الاستقصاء والتحليل واستقراء ماحكاه الرواة وقصه المؤرخون استقراء ينفذ منه إلى رسم الصحف الأولى لتلك الحياة رسما دقيقا يستوعب ما تضمه من شعب وتفاصيل دينية ، وما تطويه من وقائع واحداث سياسية واجتماعية

وقد بدأ الدكتور هيكل باشا هذا المجهود القيم بتصوير حياة محمد صلوات الله عليه ، فجلى هذه الحياة في صورة رائعة تثبت فيها جميع الخطوط والألوان التي تفسر السيرة النبوية وتكشفها كشفا دقيقا ، يهديه في ذلك قلب عامر بالإيمان وعقل عامر بالمنطق والعلم والبيان ، حتى إذا تم له ذلك خرج إلي درس الصديق أبي بكر في الجاهلية والإسلام ، وفي الخلافة وقبل الخلافة يستلهم في ذلك كله التاريخ وما قدمته الروايات القديمة والنصوص العربية الصحيحة . وما تنطوي صحف هذا الدرس حتى يبدأ درسا جديدا وصحفا جديدة هي من أروع الصحف التي تصور تأليف الإمبراطورية الإسلامية ، وإنها لصحف عمر الفاروق الذي مد اطناب الدولة الإسلامية من الصين شرقا إلي طرابلس غربا ، ومن النوبة جنوبا إلى بحر قزوين شمالا . ونحن لا نقرأ في هذه الأعمال والمؤلفات حتي نذكر ادب الدكتور هيكل رقصه في رواية زينب التي بدا بها حياته الأدبية ، ولكن اين زينب الأمس  من محمد أو الصديق أو عمر اليوم ؟ إنه لشتان بين العملين ، فهناك كان الدكتور هيكل يحاول

أن يصور حياة الريف المصري . أما هنا وفي محمد والصديق وعمر فإنه يصور عظمة الإسلام ومجده وتاريخه . هو هناك أديب قاص وهنا أديب مؤرخ ، غير أن بذور القصص مستجنة في نفسه ، فهو يطبع التاريخ  العظيم تاريخ محمد وصاحبيه بطابع القصص ، وماذا ينقصه كقصاص ماهر ؟ إنه يعرف جميع أدوات الفن القصصي ، وهو يستعين بهذه المعرفة على أن يسوي تحت أعيننا قصصا طريفة لنبينا صلوات الله عليه ولصاحبيه أبي بكر وعمر ، وهي قصص لا يستمدها من خياله ، وإنما يستمدها من خيال التاريخ وذاكرته ، فيسلسل حوادثها ، ويسرد وقائعها سردا قصصيا بديعا يستهوي قارئه وسامعه أيما استهواء . وارجع إلي السيرة النبوية وسيرة أبي بكر الصديق فستراهما ألفتا على نحو قصصي طريف ، وهو قصص يستمده المؤلف من ليقة التاريخ ونصوصه . واترك هاتين السيرتين إلي سيرة عمر الفاروق فستراها كتبت بأسلوب قصصي شائق ، وإنها لسيرة مليئة بالوقائع والأحداث ، ففيها صبغت الإمبراطورية الإسلامية صباغة وألفت تأليفا هو أجل تأليف يستطيع أن يفسفه رجل حر واسع الأفق والفكر ؟ فهو يتناول أمور إميراطوريته بعقل خصب . وإن الإنسان لا يتابع سيرة الفاروق حتي يخيل إليه أنه لم يكن يغفل عن صغيرة ولا كبيرة في دولته العظيمة ، وفي هذه الجيوش التي كانت تنساح في مشارق الأرض ومغاربها ، تريد أن تحطم إطار الأمة الفارسية وأطرافا من إطار الأمة الرومية في مصر والشام ، لنضع مكان ذلك إطارا لدين جديد يقوم  على أن تكفل للناس حرياتهم في أموالهم وعقائدهم ، فالله قد خلق الناس أحرارا وما كان لأحد أن يتعبدهم من دون الله

وإننا لنعجب الآن كيف استطاع عمر ان يؤلف هذه الدولة العظيمة ، ولكن لا نعجب فإن اسباب العجب كلها يزيلها من نفسك الدكتور هيكل باشا  بما يعرضه عليك من درس وبحث يفسران لك اروع تفسير هذه الحقبة في

تاريخ الإنسانية ، وإنه ليستهدف أثناء درسه وبحثه إلي جمع كل ما يستطيعه من حقائق تاريخية حتى ليهولك الموقف فتظن أنه قد حشد لك كل الوثائق والمستندات ، فليس هناك من سبب ممكن لتحطيم الدولة الفارسية في مواطنها إلا وقد سجله ، وليس هناك من سبب في تحطيم الدولة الرومية في بعض جوانبها بمصر والشام إلا وقد صوره . وإن البحث ليتسع عليه ، فيخرج في الفاروق مؤلفا أول قرأناه  منذ حين ، ثم هو اليوم يتبعه بمؤلف ثان يستتم تصوير هذه القصة الطريفة ، قصة حياة الفاروق ، وإنها لقصة دين وامة ، وهي قصة امتدت فصولها في الجزء الأول من كتاب الفاروق إلي بيان هذه الدورة التي ازال فيها عمر ملك الا كاسرة من العراق وملك القياصرة من الشام ومد وحدة العرب من خليج عدن جنوبا إلى اقصي الشمال من بادية السماوة

أما الجزء الثاني من كتاب الفاروق الذي نقدمه اليوم فانه يسجل الفصل الأخير من قضاء عمر على دولة الاكاسرة كما يسجل تلك الفصول المهمة التى تفسر فتح العرب لمصر وما كان من تردد عمر في فتحها وإقدام عمرو بن العاص على ذلك ونجاحه في إقدامه ؛ وبذلك يتم للدكتور هيكل باشا الحديث عن هذه الصفحة الحربية في تاريخ عمر ، فيتركها إلى حديثه عن صفحة اخري من حكومته وما كان من إقامته لنظام شوري اخذ به حتى في تعيين الخليفة من بعده . فاذا رسم هذه الصفحة رسما طريفا رأيناه رسم لعمر صفحة أخرى ، هي صفحة فقهه وتشريعه ، واثناء ذلك تراه  يعرض لصفحة مهمة هي صفحة الحياة الاجتماعية في عهد عمر ، فيطيل في وصفها وبيانها مقارنا لها بالحياة الاجتماعية للعرب في الجاهلية . وأخيرا يعرض لمقتل عمر ثم يختم كتابه بحديثه عن الامم التى كونت الإمبراطورية الإسلامية وما كان بينها وبين العرب من تفاعل في الصفات والخصائص .

وليس من شك في أن هذه الموضوعات كلها التي

يحتويها بين دفتيه الجزء الثاني من حياة الفاروق عمر تعبر عن أهمية هذا الجزء لما يضم من وقائع وأحداث ، وهي أحداث ووقائع قد كتبت كتابة تاريخية محققة في أسلوب قصصي بديع يمتاز به الدكتور هيكل باشا . فهو يتمثل الحوادث وما يقول المؤرخون بصددها ، ثم يكتب محاولا جهد طاقته أن لا يحمل قارئه أي ضرب من ضروب العناء والمشقة ولعل وجهته تلك في إراحة قارئه هي التي جعلته لا يعني بذكر مراجعه في هوامش هذا الكتاب في حياة عمر إلا في القليل الأقل . ولعلها هي نفسها التي حملته على أن يتشبث برواية بعض الأساطير في كتابه كأسطورة تعرف عمرو بن العاص على شماس رومي من أهل الإسكندرية قدم بيت المقدس حاجا فنام إلي جانب حفرة ، وأثناء نومه خرجت حية عظيمة من تلك الحفرة تريد إيذاءه ، وهنا يظهر بطل الأسطورة عمرو بن العاص فيقتل الحية ، ثم يستيقظ الشماس ويقص عليه عمرو نبأ الحية فيسر الشماس منه سرورا عظيما ويريد أن يكافئه على إنقاذه لحياته ، فيصطحبه معه إلي الإسكندرية في قصة طويلة لا داعي لسردها لأنها أسطورة ، ونفس الدكتور هيكل باشا قال إنها أدنى إلي الأساطير ، وكان يحسن ألا يرويها مادامت هناك رواية أخري تقول إن عمرا دخل مصر تاجرا في الجاهلية بالأدم والقطن ويذهب مذهب هذه الأسطورة ما يقصه الكتاب في هامش ص ١٦٢ من أن البربر كانوا ينزلون فلسطين وكان ملكهم جالوت . فلما قتله داود خرج البربر متوجهين إلي المغرب حتي انتهوا إلي لوبية فتفرقوا هنالك . ونحن نقطع بأن الدكتور هيكل باشا لا يؤمن بمثل هذه القصص والأساطير ، وكأن محبته للأسلوب القصصي هي التي جرته إليها حتى يطرف قارئه وسامعه .

وربما كان مما ينتظم في هذا الجانب مسألة تردد عمر بن الخطاب في فتح مصر وما كان من إقدام عمرو بن العاص على ذلك لسبق معرفته لها في الجاهلية ، فما لبث ان

أذن له عمر في هذا الفتح حتى رأيناه يسعي في نحو أربعة آلاف أول لعلهم ينقصون - يقدمهم إلي مصر يريد أن يفتحها ! ويري عمر بعد إذنه لعمرو أنه قد أسرع في هذا الإذن إذ أرسله في فرقة صغيرة لفتح بلد كبير ، ويتلومه بعض الصحابة على هذا الصنيع ، فيرسل إلي ابن العاص برسول على البريد يأمره بالرجوع إن لم يكن قد دخل في حدود مصر . ثم تمضي القصة فتزعم أن الرسول لحق ابن العاص قبل دخوله مصر فأسرع في سيره حتى بلغ رفح ، وهناك فض رسالة عمر ، وحينئذ يقول عمرو إنه لا سبيل إلي الرجوع فقد دخل الجيش في حدود مصر ، ويمضي عمرو بهذا الجيش الصغير فينتصر علي ما يقابله من جيوش الروم ، وتفتح له طائفة من الفتوح ، وما يزال في انتصاراته وفتوحاته حتى يصل إلي منف وحصن بابليون . وأخيرا يأتيه المدد ، إذ يقبل عليه ثمانية آلاف عليهم الزبير بن العوام ومعه عبادة بن الصامت والمقداد بن الأسود ومسلمة بن مخلد فيتمون معه فتح ما بقي من حصون مصر ومعاقلها . وما من شك في أن قصة فتح مصر علي هذا النحو تدخل في باب الأساطير ، وإلا فكيف يعقل أن يقتحم ابن العاص أبواب مصر ومعاقلها الشرقية بهذا النفر القليل ؟ ويعجب بتلر ) في كتابه فتح العرب لمصر ترجمة الأستاذ فريد أبو حديد ص ١٨٩ ( مما في هذه القصة من مبالغة ، فيعتمد على إحدي الروايات في المقريزي ويقول إنه انضم إلي جيش ابن العاص بعد فتح الفرما طوائف من البدو المقيمين على تخوم مصر الشرقية ، ويشايعه الدكتور هيكل باشا ص ٩٨ في هذا الرأي . والحق أن قصة فتح العرب لمصر على هذا النحو تعتبر إحدي الأساطير . وما لنا نعتمد على هذه الرواية التي تجعل فتح مصر أسطورة مادامت عندنا روايات أخري أشار إليها المؤلف في هامش ص ٢٩٠ وانظر إلي صاحب المغرب روي قصة هذا الفتح على نمط آخر فيقول : " قال أصحاب الأخبار : كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه قد

بعث عمرو بن العاص إلي فلسطين بعد افتتاح دمشق ، فلما أفضت الخلافة إلي عمر رضي الله عنه كتب إلي عمرو يأمره أن يمضي إلي مصر غازيا ، فكتب إليه عمرو يخبره بقلة من معه من المسلمين فأمده عمر بالزبير بن العوام وجماعة من المهاجرين والأنصار فتقوي بهم وتوجه مسرعا . فبعد أن انفذ عمر من أنفذ من المسلمين مددا لعمرو اجتمع أعلام الصحابة فدخلوا عليه ، وقالوا إنك غررت بالمسلمين إن أهل مصر عدد لا يحصى ، وبها ملوك كثيرة أموالهم ورجالهم . فلما سمع ذلك عمر دعا عليا رضي الله عنه واستشاره فأشار عليه أن يوجه إلي عمرو رسولا علي بريد فإن ألقاه  قد دخل حيز مصر فلا يرجع ، فإن ذلك وهن عام للمسلمين ، وإن أدركه قبل أن يدخل حيزها فليرجع وإذا كانت هذه الرواية بين أيدينا ألا يحسن أن نأخذ بها حتى تصحح كثيرا من الوقائع ولا تجعل فتح مصر أسطورة ! وما من ريب في أن رواية صاحب المغرب تصور عمر وعمرا في نصابهما الحقيقي ؛ فعمر الخليفة هو الذي يأمر وعمرو القائد للجيش هو الذي يتردد ، ثم يأتيه المدد وعلي رأسه الزبير بن العوام وهو لا يزال في فلسطين ، ثم يتقدم إلي فتح مصر فيعلم أعلام الصحابة ممن يكونون مجلس المدينة الاستشاري نبأ هذا الجيش فيحتجون لأنه لا يزال في رأيهم - بالرغم من مدد الربير - جيشا قليلا ، ويرسل عمر برسول - كما أشار هؤلاء الصحابة - إلي عمرو ، فلا يلحقه إلا وهو بحيز مصر ، فيعود إلي عمر حاملا إليه هذا النبأ ، فيرسل إلي عمرو بإمدادات أخري علي هذا النحو الذي كان يرسل به الإمدادات إلي من يحاربون في فارس . وأكبر الظن أننا إن أخذنا بمثل رواية صاحب المغرب صححنا الموقف في فتح العرب لمصر ولم نجعله أسطورة من الأساطير .

واخري نلاحظها في هذا الجزء الثاني من الفاروق عمر ، وهي مسألة تدوين عمر الدواوين ، فإن الدكتور

هيكل باشا لم يرجع فيها - على ما يظهر - إلي كتاب الوزراء والكتاب " للجهشياري ، وهو اوثق مرجع في هذا الموضوع ، ولو انه رجع إليه لاشار إلي الرواية التي تزعم بأن الهرمزان الفارسي هو الذي نصح لعمر بإتخاذ ديوان العطاء ، وايضا فإنه كان يرفض الرواية التى تزعم بأن أول ديوان في الإسلام هو ديوان الإنشاء ، فديوان الإنشاء متأخر في نشأته عن عصر عمر وعصر الخلفاء الراشدين جميعا .

وأخري وأخيرة ، وهي أن الدكتور هيكل باشا عرض في خاتمة كتابه لما أدخله الفرس والروم في الفن العربي والأدب العربي ، وجعل مظهر ذلك ما كان من اختلاف مذاهب البصريين والكوفيين في اللغة ، فان هذا الخلاف إنما نشأ لأن البصرة والكوفة كانتا تجاوران فارس ، وكانت إحداهما أكثر محافظة على عربيتها ، وكانت الثانية أكثر حرية في امتثال الثقافة الفارسية ! ولعل المؤلف يقصد باللغة النحو ، فاللغة في البصرة والكوفة جميعا كانت العربية ، ولا خلاف في العربية من حيث هي ، إنما الخلاف في النحو وقبول الشواذ أو طردها وما يتصل بذلك من وضع القواعد والمقاييس على أننا لا ندري هل تأثر العلماء في وضع قواعد النحو العربي ومقاييسه بما اطلعوا عليه من النحو اليوناني او النحو السرياني أو الثقافة اليونانية ، أو الثقافة الهندية أو الثقافة الفارسية ، فهذه كلها فروض تحتاج إلي ترجيح .

ومهما يكن فتلك كلها تعليقات جزئية نعلق بها علي الجزء الثاني من كتاب الفاروق ونحن نقدر ما فيه من جهد ودأب في درس التاريخ الإسلامي ، وما من ريب في ان هذا الجزء الثاني وما سبقه من الجزء الاول في سيرة الفاروق سيظلان جميعا مرجعا من مراجع تاريخ العرب في هذه الحقبة التي أظلهم فيها حكم عمر ، وإنه لمرجع جليل الخطر ، عظيم الأثر

اشترك في نشرتنا البريدية