أخذ الباحثون - فى عصرنا الحديث - يعنون ببحث الشعر العربى ودرسه يحاولون أن يطبقوا عليه مناهج البحث والدرس الحديثة وقد توزعوا فيما بينهم صفحات هذا الشعر ، فطائفة عنيت ببحث صفحاته العقلية ، وطائفة عنيت ببحث صفحاته التاريخية . وعنيت طائفة ثالثة ببحث صفحاته الفنية الخالصة ، وهى كلها صفحات متداخلة يضرب بعضها إلى بعض ، ويتأثر بعضها ببعض . وليس من شك فى أن هؤلاء الباحثين جميعا يهدفون إلي غاية مشتركة ، هى تنظيم كتلة الشعر العربى ، وهى كتلة كبيرة امتدت أحقابا متطاولة من العصر الجاهلى قبل الإسلام إلى عصرنا الحاضر . وأكبر الظن أنه من حق هؤلاء الباحثين علينا أن نستقبل أعمالهم استقبالا حسنا حتى يقتدى بهم شباننا فيتعاونوا معهم ويأخذوا فى دراسة الشعر العربى دراسة مستفيضة ، تتناول جوانبه المختلفة فى عصوره وأقاليمه الكثيرة . ونحن نعرف أن من أصعب الأشياء أن يقصر باحث نفسه على درس جانب من جوانب هذا الشعر ، لأنه لم ينشر حتى الآن نشرا علميا منظما إلا فى القليل الأقل ، ولذلك كان من يعنى بدرس طرف من أطرافه يلقى عنتا وإرهاقا شديدا .
وقد نهض الأستاذ الجليل أحمد الشايب يبحث صفحة من أهم صفحات هذا الشعر وهى الصفحة السياسية من العصر الجاهلى إلى منتصف القرن الثانى ، وهى صفحة يبدؤها بدءا ويفتتحها افتتاحا ، وإن من يتتبعه فى رسمه لهذه الصفحة يحس أنه عانى كثيرا فى تحبيرها ، وقد بدأ
سطورها بحديثه عن السياسة والشعر السياسى ، حتى إذا أبان عن الطريقة التى يتناول بها الشعر السياسة أخذ يفيض فى حديثه عن الشعر الجاهلى وكيف أنه مثل حياة الجاهليين فى قبائلهم وإماراتهم ، وانتهى من ذلك إلى أن هذا الشعر الجاهلى بجميع أغراضه وفنوه ينبغى أن يفسر فى ضوء القبيلة . وحقا أن الشاعر الجاهلى كان يعيش فى قبيلته أكثر مما كان يعيش فى نفسه ، وقد عبر عن ذلك شاعرهم أجمل تعبير فى هذا البيت الذى يسوقه المؤلف ليوضح هذا الجانب إذ يقول :
وهل أنا إلا من غزية إن غوت
غويت وإن ترشد غزية أرشد
ويحاول المؤلف أن يستوعب الشعر السياسى فى العصر الجاهلى ، فيتحدث عن القبائل وما كان بينها من صراع عنيف كما يتحدث عن الإمارات وأيام العرب ، وكل ذلك يؤيده بالوثائق الفنية للشعراء ، فإذا تم له ذلك كله أخذ يحدثنا عما أحدثه الإسلام من تحول واسع فى هذا الشعر ، فقد أخذ يرسم فى إطار أوسع ليس هو إطار القبيلة ولا إطار الإمارة ، بل هو إطار الأمة العربية والدولة الإسلامية ، واستمر يفسر هذا الإطار الجديد للشعر السياسى تفسيرا دقيقا يزوده يختلف النصوص وما كان فى بدء الإسلام من حركات سياسية مختلفة لعل أهمها ما كان بين مكة والمدينة فى أول الأمر من خصومات ، ثم ما كان من حروب الردة وما قيل فيها من أشعار ، ثم ما كان من الفتوحات وما انتهى إليه الأمر من هذه الحرب الأهلية بين على ومعاوية وما نجم عن ذلك من ظهور الاحزاب السياسية .
ويخرج من ذلك كله بعد أن يوفيه حقه من البحث والدرس ، فيبسط الحديث بسطا واسعا عن الأحزاب السياسية فى العصر الأموى ، فتراه يعرض للخوارج والشيعة
والزبيربين والموالى والأموبين وما كان معهم من شعراء فحول أو غير فخول ، وهو يسوق ذلك كله سوقا طريفا . ونحن نقف قليلا عند أهم هذه الأحزاب ونقصد حزبى الشيعة والخوارج . أما الشيعة فقد تعلق بأن يدرس نشأة مذهبهم السياسى ، وأن يعرض هذا المذهب وما أصاب أصحابه طوال العصر الأموى ، وهو أثناء ذلك يؤرخ لأشهر شعرائهم من مثل الكميت الأسدى صاحب الهاشميات المشهورة ومثل كثير الذى يفصح عن هواه وأنه ينتظر رجعة محمد بن الحنفية فى هذا الشعر الطريف :
ألا إن الأئمة من قريش
ولاة الحق أربعة سواء
على والثلاثة من بنيه
هم الأسباط ليس بهم خفاء
فسبط سبط إيمان وبر
وسبط غيبته كربلاء
وسبط لا يذوق الموت حتى
يقود الخيل يقدمها اللواء
تغيب لا يرى فيهم زمانا
برضوى عنده عسل وماء
ويمتاز شعر هذه الجماعة السياسية بأنه شعر صادق ، وهو يعبر فى كثير من جوانبه عن لوعة وحزن شديد ، وخاصة حين يذكرون قتلاهم ، فإنك تشعر حينئذ بثورة مكبوتة قد تغلغلت فى أعماق أفئدتهم، وهى ثورة يريدون التنفيس عنها فيجدون الأمويين وقد قبضوا على الحكم بيد من حديد ، فيعوون إلى البكاء والشكوى والأنين على هذا النحو من شعر السيد الحميرى إذ يقول :
أمرر على جدث الحسين فقل لأعظمه الزكيه
أ أعظما لا زلت من وطفاء ساكبة رويه
وإذا مررت بقبره فأطل به وقف المطيه
وابك المطهر للمطهر والمطهرة التقيه
كبكاء معولة أتت يوما لواحدها المنيه
وما يزال الأستاذ الجليل أحمد الشايب يصور لنا هذه الثورة المكبوتة عند الشيعيين والتى تسيل أحيانا على هذا النحو من البكاء والأنين ، وأحيانا أخرى تندلع على نحو آخر من تجسيم ظلم الأمويين والعباسيين .
وهذا الجانب الطريف من جوانب الكتاب لا يقل عنه جانب الخوارج طرافة ولا متعة وجمالا ، فإن الخوارج يؤلفون جماعة فدائية فى تاريخ العرب لم تستمع إلا لوحى ضميرها وسلطان دينها ، وقد خرجوا ويدون أن يردوا عليا ومعاوية والمسلمين من ورائهما إلى كلمة الله ، فلا يكون الحكم خاصا بقريش ، بل يكون عاما بين العرب بل وغير العرب ، فلا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى . ألم يقل النبى فى خطبة الوداع : (( أيها الناس إن الله تعالى أذهب عنكم نخوة الجاهلية وفخرها بالآباء ، كلكم لآدم ، وآدم من تراب . ليس لعربى على عجمى فضل إلا بالتقوى )) وإذا ففيم هذه الإرستقراطية القرشية التى تريد أن تحكم العرب ؟ إن الإسلام لا يعرف إلا أرستقراطية الدين ، فمن شهد المسلمون بأنه يستطيع أن يحمل أمانة هذه الأمة فليحملها سواء أكان قرشيا أم غير قرشى وسواء أكان عربيا أم غير عربى .
وقد نشأ تحت تأثير هذه الفكرة طائفة كبيرة أرادت أن ترد الناس من حولها إلى ما نفهمه من نصوص الإسلام ، ولم تكتف بالقول والجدل فى ذلك . والإقناع بالحجة وأن يقرع الدليل بالدليل ، بل حملت السيف وناضلت فى سبيل تأييد فكرتها ، فاضلت بالسيف وناضلت بالخطب والشعر ، ولا يقرأ الإنسان شعر هذه الطائفة عند الأستاذ الشايب حتى يحس بعطف شديد نحو هذه الفئة التى ظلمت نفسها وظلمها الناس حقها . وإن من يرجع إلي ما رواه من صحائف شعرها يشعر فيه بالحرارة والصدق وأنهم كتبوه
من أفئدتهم وبدمائهم ، فهو شعر حار يفيض بالقوة فى جزالة وروعة تملك على القارئ نفسه وحسه . واستمع إلى قطرى ابن الفجاءة يصف يوم دولاب :
وضاربة خدا كريما على فتى
أغر نجيب الأمهات كريم
أصيب بدولاب ولم تك موطنا
له أرض دولاب ودير حميم
فلو شهدتنا يوم ذاك وخيلنا
تبيح من الكفار كل حريم
رأت فتية باعوا الإله نفوسهم
بجنات عدن عنده ونعيم
وواضح أنه يسمى المسلمين كفارا ، وهكذا كان يؤمن الخوارج بأن المسلمين كفروا وأن عليهم أن يردوهم إلى الإسلام . وما أجمل البيت الأخير الذى يصف فيه شباب الخوارج وأنهم باعوا أنفسهم فى سبيل الله . وإن من يقرأ وصف هؤلاء الشباب عند أبى حمزة الخارجى فى خطبته المشهورة يعجب بإخلاصهم لعقيدتهم إعجابا شديدا . واستمع إلى الطرماح يصف هذا الإخلاص شعرا إذ يقول :
لله در الشراة إنهم
إذا الكرى مال بالطلا أرقوا
يرجعون الحنين آونة
وإن علا ساعةً بهم شهقوا
خوفا تبيت القلوب واجفة
تكاد عنها الصدور تنفلق
كيف أرجى الحياة بعدهم
وقد مضى مؤنسى فانطلقوا
قوم شحاح على اعتقادهم
بالفوز مما يخاف قد وثقوا
وعلى هذا النحو الطريف يعرض علينا الأستاذ الجليل أحمد الشايب صورة هذا الشعر السياسي عند الخوارج كما يعرض صورته وعند غيرهم من الأحزاب ، وهو عرض يمتاز بالوضوح واستقامة المنهج . وإذا كان هناك شئ يمكن أن يلاحظ على هذا العمل ، فإنما هو حشد التفاصيل الكثيرة . ولكنه - فيما يظهر - اضطر إلى ذلك اضطرارا حتى يحيط بجوانب موضوعه . وأخرى يمكن أن تلاحظ على هذا المجهود القيم ، وهو أنه لم يعنى بالكميت وهاشمياته عنايته بشاعر كالأخطل ، وأيضا فإنه جعل الشعر خلف التاريخ ، ولو أنه عكس الوضع لكان أكثر إطرافا ولكان عمله أتم إبداعا .
وبعد فنحن نرحب بهذا الكتاب لما بذل فيه صاحبه من جهد و كدح مؤملين أن يفرغ لدرس النقائض على نحو ما وعد في آخر مؤلفه ، حتى يكشف لنا عن هذه الصفحة الأخرى من تاريخ شعرنا العربى .

