هذا الكتاب هو الحلقة الخامسة من هذا المجهود الضخم الذى ينهض به أستاذنا الكبير "أحمد بك أمين" يحاول أن يبدد الظلمات التى تحيط بحياة العرب العقلية وما ينطوى فيها من حياة اجتماعية وأدبية . وقد بدأ هذه السلسلة - على نحو ما يعرف القراء - بفجره وضحاه ، فتكشفت جوانب الحياة العربية تكشفا رفع كل ما كان يقف بين الباحثين وبينها من أستار صفيقة تمنعهم أن يجوسوا خلالها أو يتحققوا أمرا من أمورها . أما هو فما لبث أن امتدت يداه إلى هذا التراث الضخم من حياة العرب وحياة عقلهم وأدبهم حتى ألقى له هذا التراث كل ما به من كنوز . ويروع ذلك أستاذنا أحمد بك أمين فيجد فى الكشف والبحث والتنقيب ، فما يكشف كنوزا ويدخلها إلى متاحف البحث الحديث - أو قل بعبارة أدق ما يكشف عصرا من عصور العقل العربى حتى تجده يسعى إلى كشف العصر الذى يليه . باذلا كل ما يستطيعه من جهد ، مصطنعا كل ما يملكه من دقة ، شأنه فى ذلك شأن العلماء التائهين الذين يوقرون أنفسهم على البحث والتنقيب ثم يهدون الباحثين من حولهم ثمرة بحثهم وتنقيبهم لا يفكرون فى أجر ولا منفعة ولا جاء أو وظيفة ، لأنهم لا يعنون بأنفسهم ، إنما يعنون بالعلم من حيث هو علم ، وهم يجدون فى ذلك للتهم التى لا تقدر والتى تفوق كل كسب نفعى أو مادي ، فقد وهبوا أنفسهم للعلم من حيث هو ، واستشعروا فى ذلك كل ما يبغون من لذة روحية أو مادية - وأكبر الظن أن هذا هو ما دفع أستاذنا
الدكتور طه حسين بك قديما إلى أن يقول فى مقدمته لفجر الإسلام منذ سبعة عشر عاما : " إن " أحمد أمين " استطاع أن يكشف لنا ببحثه عن رجل لم نكن نقدر أن نراء ، فقد كنا نعرف له كفايته ومقدرته كعالم أديب جد حتى تثقف بالثقافة الأوربية ، ولم تكن نقدر أن يكون قد أخذ من هذه الثقافة بأدق حظ وأقربه إلى الاتقان والكمال ، فأحسن العلم بمناهجها والاستعمال لهذه المناهج كما أحسن العلم بمناهج القدماء فى الفقه وعلوم الدين والاستعمال لهذه المناهج . ولست أخفى أنى لم أكن أعرف حدا لهذا الدهش الذى كنت أجده حين أرى " أحمد أمين " ينصرف فى المسائل الأدبية والفلسفية واللغوية بقدم ثابتة ويد صناع وعقل يعرف كيف يفكر وكيف ينتقل من قضية إلى قضية ومن مقدمة إلى نتيجة وكيف يضع الأشياء بعد ذلك كله فى نصابها معتدلا أحسن اعتدال لا يعرف التقصير ولا يعرف الإسراف " .
وما تلبث أضواء فجر الإسلام أن تنتشر فى آفاق البحث فى الشرق والغرب ويعجب بها العلماء والباحثون من عرب ومستشرقين إعجابا شديدا ، ويتقدم أستاذنا أحمد بك أمين إلى القرن الأول من العصر العباسى ، وهو هذه الحقبة التي تقع من صحيفة تاريخ العرب موقع الضحى من صحيفة النهار ، فيرفع النقاب عن هذا العهد كله بما فيه من ثقافات يونانية وفارسية وهندية وعربية وإسلامية ، لا يستثنى عنصرا من عناصر هذه الثقافات دون أن يشفعه بالبحث والاستقصاء والتحليل الدقيق تحليلا راع طوائف الباحثين روعة عير عنها أستاذنا الدكتور طه حسين بك بأجمل تعبير واصدقه إذ يقول فى مقدمته الطريقة لهذا الضحى : " اشهد لقد فكرت وقدرت وجهدت نفسى فى أن أجد شيئا من العيب ذى الخطر أصف به هذا الكتاب ( ضحى الإسلام ) الذى أقدمه إلى القراء فلم أجد ولم أوفق من ذلك إلى قليل ولا كثير . وليس ذنبى أن " أحمد أمين " قد قصد إلى عمله
فى جد وأمانة وصدق وقدرة غريبة على احتمال الشقة والعناء والتجرد من العواطف الخاصة والأهواء التي تميت بالنفوس فوفق من ذلك إلى أعظم حظ يستطيع العالم أن يظفر به فى هذه الحياة . ليس من ذنبى أن " أحمد أمين " بعد هذا كله وبفضل هذا كله قد فتح فى درس الأدب العربى بابا وقف العلماء والأدباء أمامه - طوال هذا العصر الحديث - يدنون منه ثم يرتدون عنه أو يطرقونه فلا يفتح لهم ، ووفق هو إلى أن يفتحه على مصراعية ، ويظهر الناس على ما وراءه من حقائق ناصعة يبتهج لها عقل الباحث والعالم والأديب . ليس شيئا من هذا ذنبى أنا ، وإذا لم يكن بد من أن يلام أحد لأن عالما مصريا وفق إلى هذا الفوز المبين وأهدى إلى اللغة العربية كتابا لم يسبق إلى مثله ، فليلم هذا العالم المصرى نفسه ، وليعاقب "أحمد أمين" لأنه قد ظفر بهذا الفوز .
وحقا ما يقوله أستاذنا الدكتور طه بك فإن مصر قد ظفرت فى أستاذنا الجليل " أحمد بك أمين " بعالم من الطراز الأول ، لا يتخلف فى أساليبه العلمية وما يتخذه من تحليل واستقراء عن كبار العلماء فى الدراسات المختلفة التى تعنى بالعلم الخالص . ومن كان يظن أن مصر تستطيع أن تظفر بمثل هذا العالم ، وهي لم تفتح جامعتها الإ منذ أمد قصير؟ ومع ذلك فهى لم تمض فى حياتها الجامعية الجديدة خطوات حتى أخذت تبرهن أنها تستطيع أن تثبت للجامعات الأجنبية القديمة وأن تفخر بأبناء لها يحلونها مكانا رفيعا بين زميلاتها من الجامعات الأجنبية . وكان لقسم اللغة العربية بكلية الآداب وما أحرز فيه الأستاذ الجليل أحمد بك أمين والأستاذ الكبير الدكتور طه حسين بك من ظفر محقق فى معارك البحث والعلم ومواقفهما أثر بين فى هذا النصر المؤزر الذى حظيت به جامعتنا الحديثة وإذا بها - على قرب نشأتها - تلفت الأنظار ، وإذا بنا نرى بعض المستشرقين الذين يفدون علينا يدخلون معنا مستمعين إلى
هذين العالمين الكبيرين ، بكبرون من أبحاثهما ويعلون من دراستهما ويثنون عليهما ثناء عاطرا لما يجدونه فيهما من كد وكدح فى سبيل العلم والأدب فقد أخذا أنفسهما بأحدث الأساليب فى الدراسات الأدبية والعلمية ، وذهبا يحاولان أن يكشفا حياة العرب العقلية والأدبية كشفا واضحا لا يأتيه غموض ولا إبهام من بين يديه ولا من خلفه . ومن أين يأتيه الغموض والإبهام وهما يحللان الحياة العربية تحليلا ليس أقل دقة ولا اسقضاء من تحليل صاحب الكيمياء فى معمله ؟ وسرعان ما انتشر النور من قبل الأستاذين الكريمين على جميع أطراف هذه الحياة ، فإذا هى متجلية تحت أعين الباحثين أروع ما تكون جلاء وأجمل ما تكون ضياء وبهاء .
وها هو أستاذنا أحمد بك أمين بعد أن غمرنا بأضواء فجره وضحاه يخرج على الباحثين اليوم بظهر الإسلام فتنغمس أبصارنا فى أنوار هذا الظهر وما يشعه فى النفوس والعقول من بهجة وضياء ، فقد عنى أن يكشف كشفا واضحا عن حقبة فى العصر العباسى ترامت من عهد المتوكل إلى آخر القرن الرابع الهجرى ، فتقدم على طريقته العلمية فى بحوثه يحاول أن يرد الحياة العقلية عند العرب إلى عناصرها التي تكونها ، ومدى كل عنصر وعمله فى هذه الحياة ؛ ولذلك رأيناه يفصل الحديث عن الترك والفرس والعرب والروم والزنج ، محاولا أن يتعرف تعرفا دقيقا على كل عنصر من هذه العناصر ومدى تشابه أو تنافره مع العناصر الأخرى ، حتى يطلع على مزاج الأمة العربية فى هذا العهد إطلاعا دقيقا ، فإذا ثم له ما أراد من ذلك انتقل يصف المذاهب الدينية المختلفة التى كان يعتنقها الناس فى العالم العربي من تهود وتنصر وإسلام ، ثم اعتزال وتشيع وتسنن ، وهو يحقق الحديث فى أصحاب هذه الديانات والمذاهب لتلك العصور أدق تحقيق ممكن يستطيع أن يضطلع به يأخذ نفسه بأحدث الأساليب العلمية
فى درس الحياة الاجتماعية وما يقترن بها من ظواهر عقلية وأدبية ثم يخرج من ذلك إلى الحديث المفصل عن مراكز الحياة العقلية لهذا العهد فيفتح بابا لمصر والشام ، وآخر للعراق وجنوبى فارس ، وثالثا لخراسان وما وراء النهر ، وربما للسند وأفغانستان ، وخامسا لبلاد المغرب ، وهو أثناء درسه لهذه المراكز المختلفة للحياة العقلية يعرض عليك كل ما فيها من كنوز دينية أو فلسفية ، ولغوية أو أدبية عرضا مستقيما مدعما بالوثائق والمستندات ، مشتقا من المراجع والنصوص ، بحيث يخيل إليك أنك قد عرفت - إلى أقصى حدود المعرفة رقائق الحياة العقلية فى هذه المراكز والأقاليم . وما من شك فى أنه لم يصل إلى تمثيل ذلك كله وتصويره إلا بعد جهود شاقة عنيفة ، وقد عبر هو نفسه فى مقدمة كتابه عما لقى فى بحثه ودرسه من عناء إذ يقول : " وفى سبيل الله مالقيت من عناء وخاصة فى القسم الأخير ( بقصد مراكز الحياة العقلية ) فقد تجاهل مؤلفو تاريخ العلوم ومؤلفو كتب التراجم - غالبا - الناحية الإقليمية والزمنية فأرخوا الحركة العلمية على أنها وحدة وترجموا المؤلفين من غير مراعاة لأزمتهم ولا أمكنتهم ، وكل ماراعوا هو ترتيب أسمائهم على حروف الهجاء ، فأجمد فى القرن الثانى فى العراق بجانب أحمد فى القرن السادس أو السابع فى مصر ، وهكذا . فمن أراد أن
يفرز علماء كل عصر وحدهم ، وفى كل قطر على حدة محمل من العناء ما لا يقدر .
والحق أن الباحث لا يتابع أستاذنا الكبير فى القسم الخاص بوصف مراكز الحياة العقلية فى القرنين الثالث والرابع حتى يشفق عليه من طول ما عانى وكابد فى بحثه وتنقيبه . فكم من عقبات قابلته ، وكم من مشاكل صادفته ، ولكنه كان يعرف كيف ينتصر عليها نصرا مؤزرا ، فإذا الطريق تتسع ، وإذا الأعلام والصوى ترتفع ، وإن يكن هناك شئ يمكن أن يلاحظ علي هذا الجهد القيم الذى يرتفع بصاحبه إلى الأفق الأعلى بين كبار العلماء والباحثين ، فإنما هو ضرب من التركيز ، لعله اضطر إليه اضطرارا لاتساع الموضوع وتشعبه ؛ فقد أدمج بين أقاليم ومراكز لو أنه أقام أسوارا وفواصل بينها لتراءت شخصيتها أتم جلاء وأكثر وضوحا . وبعد فنحن نهيىء الباحثين الذين يعنون بدراسات الأدب العربى بهذا السفر الممتاز الذى استطاع ، أستاذنا الجليل أحمد بك أمين أن يخرج القرنين الثالث والرابع فى تاريخ الأمة العربية وما يطوى فيهما من عقل وفلسفة ودين وأدب ، من مساقط الظلام والغموض إلى مساقط الضياء والنور .

