كان الحديث ، في الجلسة التي أدون اليوم وقائعها ، بدور حول مؤتمر أطباء العرب الذي عقد في بيروت في الأسبوع المنصرم (1) ؛ ولم يكن ليعنينا منه ، وليس بيننا طبيب ولا متطيب ، إلا الاستمتاع بأخبار تلك الروح السامية التي سادت جو المؤتمر ، ووصفتها الصحف اليومية خير وصف ؛ وإلا الكلام على قصيدة الشاعر الكبير على الجارم بك ، وقد كانت نفحة من النفحات التي عودنا أمثالها في مثل هذه المناسبات الجميلة ؛ وإلا التحدث بإعجاب شديد عن خطاب مندوب " شعب " فلسطين الذي وقف أمام زملائه المؤتمرين يكلمهم بلغة الطب فأسمع العرب في كافة اقطارهم ، ودوت كلمانه في أذن كل عربي غيور ، إذ قال متسائلا : " هل يمكن أن يكون جسم الأمة العربية سليما وفيه عضو مريض ؟ ! " ثم نبه العرب إلي موطن الداء فقال : " إن في فلسطين جرثوماً خبيثاً دخيلاً " يشتد خطره ، ثم ناشد أطباء الأمة العربية " الإخصائيين " كلا في حدود اختصاصه وعمله بالتضافر والعمل متحدين للقضاء على ذلك الجرثوم الخبيث قبل أن يستفحل أمره ، ويسري داؤه ، وتعم بلواه...
هذه مادة الحديث الذي كنا آذانا مشوقة تنصت إلي كل من استطاع أن يتكلم في ناحية من نواحيه ؛ وإذا بجليس يسأل قائلا :
- هل قرأتم يا أصدقاني المقال الرئيسي الذي نشرته "الكفاح (2)" ثاني يوم انعقاد المؤتمر الطي ، حول
المؤتمرات العربية ؟
فتباينت أجوبة " إخوان الحلقة " ، ولكن بغية المسائل خفيت عنهم جميعاً ، فاستوحشوه سر السؤال فقال :
- السر في المقال لا في السؤال ... إذ أن كاتبه الفاضل اشار إلي ضرورة تعزيز الفكرة العربية بعقد مؤتمرات قومية دورية تشمل غير الأطباء " في الأمس " والمحامين "في الغد القريب " : الصحافيين ، والمهندسين ، والأساتذة ، والمعلمين ، ورجال الندوات النيابية ، والشباب ، والطلاب ، والفنانين ، ورجال الصناعة ، ورجال الأعمال الخ . نعم لقد عدد كاتب المقال كل هؤلاء ، ولست أدري لماذا أغفل ذكر الأدباء ومؤتمرهم الذي يدعو إليه الصديق الأستاذ صلاح الدين المنجد ، وهو منذ أمد ما فتأ ينشر المقالات الكثيرة في صحف سورية وبعض المجلات المصرية ، مغفلة أو بإمضائه الصريح ، ويشير فيها إلى دعوته ووجوب تحقيقها . . فهل لكم أيها الأصدقاء ، وكلكم ممن يعاني الأدب أو يتذوقه على الأقل ، بأن توضحوا لي سبب هذا الإغفال ؟ وهل هو نتيجة سهر ، أو أنه متعمد ؟ ! .
وكان أسبق الجميع إلي الجواب على هذه الأسئلة ، " أديب كبير " إذ قال :
- لا بل إنه إغفال متعمد من كاتب المقال ، لأن فكرة صديقك يا أخي خيالية أملتها عليه - على ما أعتقد - رغبة خاصة ، وإلا لكنا رأيناه قد صاغ دعوته صياغة تمهد السبل إلي تحقيقها ..
فانبري للإجابة على كلام " الأديب الكبير " أحد الإخوان المحامين " وقال بصوته الأجش :
- إنك يا " دكتور " نتحامل في كلامك على صاحب الفكرة ، وانا أخالفك في استحالة عقد مثل هذا المؤتمر ، لا بل إني أعتقد أن الدعوة إليه أقرب إلي التحقيق ، وأدعم المصلحة القومية من الدعوة - مثلا - إلي مؤتمر
المهندسين العرب التي بانت في حكم الواقع " المدروس " . . وأية صعوبة تراها يا حضرة " الدكتور " في عقد مؤتمر عربي يجتمع فيه أدباء ، الأقطار المختلفة لدراسة ما يهم الأمة العربية في مستقبلها ، من الناحيتين الأدبية والثقافية ، وخصوصاً إذا تبنى الدعوة إليه المجمع العلمي العربي مثلاً ، أو قامت بها أية هيئة ثقافية محترمة ، كلجنة التأليف والترجمة والنشر ؟ ...
فضحك " الأديب الكبير " حتى بانت نواجذه ، وأجاب معارضه قائلا :
- إنك يا حضرة " المحامي" كنت بليغاً دفاعك ... ولكنك أتدري أنك كنت في مرافعتك تؤيد شهود الحق العام - بلغة المحامين - أكثر مما كنت تدفع التهمة عن "موكلك" ؟! إني يا أخي لست بمتحامل على صديقك كما توهمت ، وأنا لم أنقد دعوته كفكرة مجردة ، بل حملت على الفكرة بأسلوبها الذي قام "بعضهم" يرددها به ! وإلا فمن يبخل منا على أعضاء المجمع العلمي العربي ، وهو صفوة رجال العلم والأدب في الأقطار العربية ، إذا هم اجتمعوا - وغداً سيجتمعون في مهرجان العري - بلقب "مؤتمر أدباء العرب" ؟ لا ! بل من لا يحبذ الفكرة إذا دعت إليها هيئة محترمة كلجنة التأليف والترجمة في مصر ، وخصتها بمن تعرفه من أبناء الأقطار الشقيقة ، أدبياً بإنتاجه أو يحكم مركزه الثقافي ؟ لا بل من لا يرحب بالفكرة إذا صدرت عن كلية الآداب - مثلا - وخصتها بأساتذة الأدب في مختلف البلاد العربية ؟ ! ...
وسكت " الأدب الكبير " فساد الصمت برهة غير قصيرة ، قطعه أخيراً أستاذ من أساتذة الآدب بقوله :
- لقد وفق الدكتور في نقده " الدعوة إلى عقد مؤتمر للأدباء العرب " وعرضه بعض الحلول المعقولة لتحقيق هذه الفكرة الطيبة ؛ وأنا إن كنت متعجباً من أحد ، فعجبي من صديقي الأستاذ المنجد ، وعهدي به أنه ما استهدف غاية إلا و " فاز " بها ، وما خاض معركة
إلا وكان " الفوز " حليفاً له ، حتى لقبه إخوانه ومعارفه (بفواز) الأسم الذي اشتهر به فأحبه واتسم به . نعم أنا أعجب منه كيف دعا تلك الدعوة ثم أخذ يرددها في مختلف الصحف والمجلات دون أن يحاول تحديدها ودراستها دراسة تخرجها من عالم الخيال والرغبات إلي عالم الواقع الممكن ؟ !...
وهم (الأديب الكبير) بالتعليق على كلام الأستاذ المحترم ، ولكن دخول زائر غريب عن (الحلقة) قطع علينا حديثنا وما فيه من متعة ولذة
وسنعود إلي تدوين ما يمكن نشره من محاضر هذه الجلسات الدورية التي يعقدها فريق من الشباب والكهول ، وقد حمل كل منهم منظاراً مكبراً تري من وراثه أكثر الأشياء غموضاً واضحة جلية ...
(دمشق)

