هيأت لى رئاسة إحدى لجان الامتحانات فى نهاية العام الدراسى الماضى فرصة ثمينة درست أثناها مناهج مدارس الفنون الطرزية ، ورأيت أعمال طالباتها ومشغولاتهن فوجدتها أنفع ما تكون للفتاة المصرية بعد إتمامها للدراسة الابتدائية ، لأنها تعدها لاكتساب مهارة فنية ذات بال فى تفصيل وخياطة الفساتين والمعاطف والملابس الخارجية والداخلية وصنع البياضات والمفارش المختلفة الأنواع وما يتبعها من أشغال الآجور والدنتلا ، ثم الحصول على خبرة كافية لمعرفة أنواع القماش تبعا لنسج خيوطه وطرق عمل الأرانيك ( النماذج ) واستعمال آلات الخياطة لا فى الخياطة وحسب ، ولكن فى توابع الخياطة ، مما تعرفه سيداتنا الماهرات في هذه الفنون البديعة .
وهذه المدارس تعد فتياتنا أيضا للتمكن من فن التطريز ودراسة كل أنواع الغرز المتعددة وتطبيقها على
أنواع عديدة من الأقمشة وفى صنع المناديل والجوارب والقفازات بأنواعها ، وكذلك ملابس الأطفال بأنواعها .
وتشتمل الدراسة أيضا على دروس وافية في التنظيف والغسل والكى ، وما يتبع ذلك من ترقيع ورفو ؛ وهذه كلها دراسة عملية أساسية وعماد متين من أعمدة التدبير المنزلى ، فكل فتاة فى احتياج لمعرفة طرق إزالة جميع البقع بأنواعها الناشئة من الحبر والشاى والفا كهة والدواء والشمع والشحم والصدأ والدم وغيرها ، وهى أيضا فى احتياج مستمر للتمكن من المهارة فى طى الملابس وجندرتها وغسل مختلف أنواع الأقمشة الحريرية الطبيعية أو الصناعية ثم الصوفية والقطنية والتيلية والقطيفة السوداء منها .
والبيضاء والملونة ، وكذلك الدنتلة والشاش ثم تنشيتها ومعالجة الشيلان والملاحف والفراء وما إليها . ولم ينس المنهج التنظيف الجاف والمحافظة على قوة الأصباغ بأنواعها وطرق صبغ الملابس حتى ولا طرق تخزين الملابس الصيفية والشتوية مع مقاومة العتة والعفن ، مع مراعاة الاقتصاد التام في نفقات العمل والاستفادة من جميع بقايا الأقمشة والقصاصات وكل الحاجيات المنزلية وتحويلها إلى أشياء
نافعة من الكماليات التى تتطلبها أصول الخياطة وتزويق الملابس وزخرفة الحجرات والمنازل .
ويحوى المنهج فوق ذلك مقررا في طرق التجارة ومسك الدفاتر لتحصل الفتيات بذلك على العلم اللازم لإدارة محلات الخياطة والتطريز على أسس تجارية صحيحة ، مما يشجع الكثيرات منهن على طرق أبواب العمل الحر ؛ فهن يتعلمن كيفية تحرير المراسلات وتوجيهها لمختلف الطبقات مع أخذ صور المراسلات بالكربون وبطريقة دفتر الكوبيا وطرق حفظها وتحرير الرسائل البرقية ودفتر اليومية ودفتر الأستاذ والترحيل من اليومية إلى الأستاذ وترصيد الحسابات وعمل الفواتير وكشوف الحساب وعمل ميزان المراجعة والجرد وحسابات المتاجرة والأرباح والخسائر ورأس المال والمزانية ودفاتر الشيكات وحسابات البنوك والسندات والكمبيالات وطرق الإعلان في الجرائد والمجلات وإعداد المطبوعات .
وأحاط المنهج بدراسة كافية للغة العربية والفرنسية والدين الحنيف ، ولم يهمل التربية البدنية تقويما للاجسام .
رأيت كل هذا الإنتاج وتعمقت فى درس كل تلك المواد فدفعنى ذلك إلى فسحة الأمل مما ستؤدى إليه تلك المدارس بالتدريج من الدفع بفتيات بعض الطبقات المصرية إلى غزو هذا الميدان الفسيح من العمل الحر الذى كان مقصورا على فئة معينة معظمهن أجنبيات أثرين وتحكمن فحكمن إنها ستكون منافسة شريفة تفتح باب الرزق الحلال أمامهن . وواجب على الكتاب أن ينشروا الدعوة لهذه المدارس فى المجالس والجرائد والمجلات لتشجيع الأسر المصرية على إلحاق بناتهن بها ، فالفتاة في منزلها متزوجة كانت أو غير متزوجة لا تجد أفضل من صرف مجهودها ووقتها في هذا المضمار الذى إن لم يصبح هواية لها فهو عماد أساسى للتدبير المنزلى ، فضلا عن أنه مورد رزق كثير الإدرار لمن تشاء أن تضرب فى هذا النوع من
الجهاد المثمر الراقى الشريف .
وقد لفت نظرى بنوع خاص أثناء سير ذلك الامتحان إحدى تلك المدارس ، فقد كانت أشغال طالباتها بالإجماع من الطراز الأول ، ولما أعلنت نتيجة الامتحان كانت تلك المدرسة هى الأولى ، وقد نجحت جميع طالباتها ، وقد كانت من بينهن أوليات القطر فى الترتيب ، واستحقت ناظرتها الترقية ، وفعلا أسندت إليها فورا إدارة المدرسة العليا للفنون الطرزية بدرب الجماميز . ثم مر العام الدراسى الحالى وأقامت هذه المدرسة العليا فى آخره معرضا عاما لمشتولات طالباتها وقد أسعدنى الحظ بزيارة ذلك المعرض ، فرأيت الإبداع والإتقان وليس بعدهما من مزيد . وها أنا ألخصه فيما يلى : -
كان المعرض أقساما حوى أحدها وهو قسم التفصيل والخياطة مجموعة نادرة من الفساتين الليلية ( سواريه ) والبلاطى والأردية ذات القطعتين ( ثاييرات) وبعض المفارش القيمة . وأهم ظاهرة فى هذا القسم هى الذوق الفنى الذى تتحلى به طرز القص والخياطة ، وكلها تدل على مزاج راق متزن رصين ، لا هو بالمبتذل المستهجن ولا هو بالجاف الجلمد ، فقد جمع بين حسن المظهر وجمال الشكل وبديع الهيئة .
وقد حوى القسم الثانى وهو قسم التطريز مجموعة بديعة من الأردية ( روب ) وقمصان النوم وقمصان النهار المصنوعة من الحرير والبريتون ثم المفارش النادرة .
ومما لفت نظرى فى هذا القسم انسجام الحلبات ووحدات الرسم والزخرفة لطراز كل قطعة ، فكل وحدة تلائم القطعة التى تتحلى بها ، بل تلائم جزء القطعة على انفراد ، وبالجملة لم أجد نابية أو ثاقلة أو نشازا ، بل تماسكا زخرفيا وانسجاما فنيا .
ويجوز لى أن أشير هنا إلى دقيق الزخارف فى التطريز ، معجبا بها أشد الإعجاب ، ومشهدا بالشعور بالفخر الذى غمرنى وأنا أجول بين القطع المعروضة وهى تنادى فى صمت
بذوق فتياتنا المصريات وبراعتهن التى لا أبالغ إن قلت إنها تصارع أعمال بيوت الخياطة الشهيرة إن لم يعل مستواها عن مستوى الكثير منها .
وقد عمدت المدرسة إلى العناية ببعض الفنون الأخرى . فها هى فنون منزلية هامة تعرض فى غير زحمة كالمرئيات المختلفة وزجاجات الشراب والروائح العطرية والمساحيق ، ولم تهمل المدرسة الفنون الغذائية كعمل الفطائر والحلوى المختلفة .
ثم انتقلنا لصالة المسرح ورأينا فنونه المختلفة من موسيقى وأناشيد وتمثيل ورقص وغناء ، فكان الطرب الجذل الذى سما بنفوسنا إلى السماء . وقد أجادت الطالبات أدوارهن خير إجادة ، وظلت نغهاتهن وحركاتهن وأصواتهن وتمثيلهن فى ذهنى وقتا طويلا . فمرحى سيدتى المربية الفاضلة ومرحي بناتنا وأخواتنا ، درسن فأخلصن ففزتن ، وسمت مصر بكن ، وستسمو أكثر بما ستنجبن من جيل فنى فريد .

