لعل الجاحظ هو أول من آثار من نقاد العرب مشكلة اللفظ والمعنى إثارة واسعة ، فقد تحدث عنها في كتبه احاديث كثيرة وهو في كل شق من هذه الأحاديث يرفع من شأن اللفظ ويغض من شأن المعنى ، بل إنه ليسقطه إسقاطا ، فليس له فضل ولا مزية ، ولا قيمة فنية . وانظر إليه يقول في هذا الصدد : المعاني مطروحة في الطريق ، يعرفها العجمي والعربى والقروي والبدوي ، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتحبير اللفظ وسهولته وسهولة المخرج ، وفي صحة الطبع وجودة السبك ، فإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير " . وقرن التصوير بالصياغة في تعريف الشعر جعل كلمة اللفظ تشمل الصور البيانية عند جميع النقاد الذين خلفوا الجاحظ ؛ فهم حينما يتحدثون عن اللفظ يريدون الجانب المادي وما ينطوي فيه من صور وأخيلة
ويعحب الإنسان إذ يري الحاحظ يذهب هذا المذهب وهو ممن عرفوا قيمة المعاني وشرفها وطرافتها ؛ بل ربما كان أهم كاتب في عصر ، عني بمعانيه ، إذ كان يوفر لها كل ما يمكن من جدة وطرافة ، وهو حقا يعني بألفاظه ولكنها عناية تابعة لمعانيه ، إذ تراه يحدث فيها ضروبا من البسط والتكرار حتى يؤدي أفكاره اداء دقيقا . ليس الجاحظ من الكتاب اللفظيين ، هو يعني بألفاظه ولكنها عناية محدودة فهي لا تنسيه معانيه ، بل لعله يعني بمعانيه وما تتشعب إليه من شعب وما تتفرع إليه من فروع أكثر مما يعني بأساليبه وان تظهر في صور رشيقة ومعارض انيقة . ولقد كنا ننتظر منه أن يشيد بالمعني قبل إشادته باللفظ ، أو علي الاقل أن يجمع في إشادته بين الطرفين المتجاذبين ، فيدعو المعني كما يدعو للفظ ، ولكن المسألة في الواقع لم تكن مسألة مذهب ادبي فقط يدعو إلي تطبيقه ، بل كانت مسألة مذهب ديني
لم يكن الحاحظ يعتنق فكرة اللفظ كمذهب أدبي ، بل كان يعتنقها قبل كل شئ كمذهب ديني ؛ فقد كان المتكلمون
من حوله يتحدثون في مسألة إعجاز القرآن وكان كل منهم يحاول أن يفسرها بوجوه وعلل يستنبطها ، وكانوا كلما عثروا على وجه أو علة ردت عليهم فرق الزنادقة ردودا توشك أن تنقضها .
فكر المتكلمون في مسألة الإعجاز وقد دارت بينهم آراء كثيرة ، قالت طائفة : إن القرآن معجز بمعانيه ، ولكن ماذا يراد بالمعاني ؟ لئن كان يراد بها القصص ، فالقصص موجود في التوراة وهي ليست معجزة ، وإن كان يراد بها الحكم فكتب زرادشت فيها حكم كثيرة ، وهذا ابن المقفع يستطيع أن يكتب كتابا كله حكم وأمثال . من أجل ذلك كله رأي المتكلمون ان الاحتكام في بيان الإعجاز إلي المعاني خطر ، فهو يؤدي إلي اعتراضات كثيرة لأن المعاني مشتركة بين الأمم . حينئذ خرج النظام يقول إن إعجاز القرآن بالصرفة فالعرب كانوا يستطيعون ان يأتوا بمثله ولكن الله صرفهم عن ذلك ، غير ان هذه العلة لا تشفي النفس المؤمنة ، بل إنها تؤذيها ، وقد آذت الجاحظ فيمن آذت ، فأبي أن يأخذ رأي أستاذه وذهب مغاضبا يبحث عن علة صحيحة ، وكان ان هداه تفكيره الدقيق إلي مفتاح يفتح به باب هذا الإعجاز الذي كان يدنو منه أستاذه النظام وغيره من المتكلمين ، وسرعان ما يرتدون عنه يائسين أن يقتحموه ، أما هو فقد فتحه على مصراعيه بهذا المفتاح الطريف الذي سماه في كتبه باسم النظم .
ذهب الجاحظ إلى ان القرآن معجز بنظمه وتأليفه ، ففي هذا الجانب يستقر جماله الفني الذي اعجز العرب ان يأتوا بمثله ، وقد اندفع يشيد في الأدب كله باللفظ ، فهو وحده معيار البلاغة لا المعني كما يظن بعض الناس ، فالمعاني مطروحة في الطريق لقي بين العرب والعجم والبدو والحضر . وقد أخذ الجاحظ يرفع في كتبه من شأن اللفظ ويحتج له احتجاجا شديدا تارة بما يذكره من ارائه ، وتارة بما يقص من آراء غيره من الأدباء أصحاب البيان والتحبير . فمن ذلك ما نقله عن الربانيين إذ كان يقول في إحدي عظاته : " انذركم حسن الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام ، فإن المعنى إذا اكتسي لفظا حسنا وأعاره البليغ مخرجا سهلا ،
ومنحه المتكلم قولا متعشقا صار في قلبك أحلى ولصدرك أملي ، والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة ، والبست الأوصاف الرفيعة تحولت عن مقادير صورها وأربت على حقائق اقدارها بمقدار ما زينت وعلي حسب ما زخرفت " .
فاللفظ الرشيق الانيق يؤثر في القلوب تأثيرا شديدا ، تأثير السحر الذي يبهر العقول ، فإذا بك تري المعاني والأفكار بصور جديدة غير صورها وفي حلية تربي بها علي حقائق اقدارها
وعلي هذا النمط أخذ الجاحظ يوثق دعوته إلي اللفظ وتحبيره بما يصور من آراء الأدباء والنقاد ، وقد تعقبه ابن قتيبة خصمه العنيد فذهب في مقدمة كتابه الشعر والشعراء إلي أن البلاغة غير مقصورة على اللفظ ، فهي قد تكون فيه فقط ، وقد تكون في المعنى هو الآخر فقط ، وقد تكون فيهما جميعا ، وقد تنقصهما جميعا . ليس اللفظ وحده هو الذي يعطي النماذج الأدبية قيمتها من فن وجمال ، فالمعنى يشركه في ذلك سواء بسواء ؛ إذ يوصف بالرداءة والقبح كما يوصف بالجودة والجمال . وانتشرت فكرة ابن قتيبة وتأثر بها كثير من النقاد من مثل قدامة فقد تكلم في كتابه نقد الشعر عن جودة اللفظ ورداءته وجودة المعنى ورداءته ، كما تكلم عن ائتلافهما وما قد يعتور هذا الائتلاف من ضعف ، وكذلك ذهب هذا المذهب أبو هلال في كتابه الصناعتين ، فقد احتفل باللفظ والمعنى جميعا ، أما المعنى فعقد له فصلا بين فيه متي يكون حسنا مستقيما يقبله النقاد ومتى لا يكون . ولكى يدل على قيمته ذكر أن من عرف لغة أجنبية غير لغته مكنته من التنويع في أفكاره والتصرف في معانيه على نحو ما كان من عبد الحميد الكاتب فإن معرفته باللغة الفارسية كانت سببا مهما في جودة ترتيبه أفكاره ومعانيه ، ثم رجع فعقد فصلا آخر للفظ نقل فيه بعض عبارات للجاحظ مبينا قيمته وما يضيفه على النماذج من آيات فنية باهرة وبذلك جمع أبو الهلال في كتابه بين الدعوة للفظ والمعنى وكأنه كان يري أن البلاغة حظ مقسوم دائر بينهما جميعا .
وواضح أن هؤلاء النقاد السابقين فصلوا بين اللفظ والمعنى إذ تحدثوا عنهما كشيئين منفصلين إلا أن ذلك - فيما يظهر - لم يقع من نفس ابن رشيق موقعا حسنا ،
فرأيناه في كتابه العمدة يقول في فصل فتحه لبحث مشكلة اللفظ والمعنى : إن اللفظ جسم وروحه المعنى ، وكما لا يمكن الفصل بين الجسم والروح كذلك لا يمكن الفصل بين اللفظ والمعنى . ويستمر فيشبه ضعف اللفظ بضعف الجسم وما يعتريه من الشلل والعور كما يشبه ضعف المعنى بمرض الروح وتأثيره في الجسم . لم يعترف ابن رشيق بالفصل بين اللفظ والمعنى كما صنعت جمهرة نقاد العرب ، فقد كان يري انهما متلازمان وأن ما يصيب أحدهما من آفة يصيب الآخر . وليس من شك في أن تلك نظرة دقيقة ، فاللفظ إذا وصف بالغرابة أو الابتذال كان ذلك وصفا للمعنى الجاثم وراءه ، وكذلك الشأن في المعنى إن وصف بالوضوح أو الغموض كان ذلك وصفا للفظ الذي يكشفه ويجلوه . ليس اللفظ والمعنى شيئين منفصلين كالكأس وما يكون فيها من شراب ، بل هما مترابطان ترابط الثوب بمادته ، غير ان نقاد العرب لم يلتفتوا إلى ابن رشيق وفكرته ، وظلوا مشدودين إلي الفكرة القديمة فكرة الفصل بين اللفظ والمعني ، وقد استمرت كثرتهم تقف في صف الجاحظ وما يقول به من أن اللفظ هو كل شئ في الأدب حتى لتري ابن خلدون في القرن الثامن الهجري يذهب مذهبه ويدعو دعوته !
وقد كان لشيوع هذه الفكرة واستقرارها في نفوس النقاد والأدباء آثار مختلفة ، أما من حيث النقاد فإنها لونت أبحاثهم بلون خاص ، جعلتهم يعنون باللفظ عناية واسعة كادت ان لا تترك فيهم بقية لبحث جوانب اخري في النماذج الأدبية . ويجد القارئ الكريم دراسة مفصلة في كتاب المثل السائر لابن الاثير تستوعب كل ما وضعوه من قواعد واصول في بحث اللفظ وما يطوي فيه من قيم فنية مختلفة . وإن من يرجع إلي هذه الدراسة ليلاحظ أنها مع اتساعها لم تلم بكل ما كان يحسن ان يلموا به في هذا الجانب ، وذلك لسبب بسيط جدا هو انهم بحثوا اللفظ كشئ منفصل عن المعنى قائم بنفسه مستقل تمام الاستقلال ، فلم يربطوا بينهما أي ربط ولا بحثوا في تشاكلهما اي بحث إلا إشارات طائرة حين يتكلمون عن الجزالة والرقة والإيجاز والإطناب . ولكنها إشارات قلما أغنت شيئا ، ونحن
لانرتاب في أنهم لو عنوا حقا بهذا الجانب من الصلة بين اللفظ والمعنى فدرسوه دراسة مستفيضة لخرجت إليهم أبحاث كثيرة في التشاكل بين الفكرة وما يمثلها من صوت ، والوزن وما يلائمه من موضوع ، فكنا نعرف اي الأوزان يصلح للغزل أو الرثاء مثلا وأيها لا يصلح وأي الشعراء يمثل معانيه في ألفاظه وأيهم لا يمثل ، غير انهم شغلوا عن ذلك كله بأبحاث نظرية في اللفظ فتلك كلمة غريبة في السمع ، وتلك اخري ثقيلة في النطق وقلما حاولوا ان يدرسوا اللفظ دراسة صوتية عميقة تربط بينه وبين قائله او تربط بينه وبين موضوعه
هذا فيما يختص بالنقاد وأبحاثهم . أما فيما يختص بالأدباء ونماذجهم فإن شيوع هذه الفكرة ورسوخها في انفسهم جعلهم أدباء لفظيين يعنون بتحبير اللفظ وتنميقه وخلع كل ما يمكن من وسائل الزخرف والزينة عليه ، أما المعنى فقد انصرفوا عنه أو كادوا . أليس لفي في الطريق يمكن كل شخص ان يعثر عليه كما يقول الجاحظ ؟ إنه ليس إذن الجانب الطريف في النماذج الأدبية ، إنما الجانب الطريف حقا الذي تظهر فيه مهارة الأدباء ويتفاوتون من أجله
تفاوتا عظيما هو اللفظ وما يتصل به من تجويد وتحسين ، وبذلك أصبح الأدباء وخاصة بعد القرن الرابع الهجري يعنون بأساليبهم ولا يعنون بأفكارهم إلا في القليل النادر ، فقد أصبح الأساس أن يعنى الأديب بتعبيره لا بتفكيره وأن ينمق هذا التعبير بكل ما يمكن من وشي وتطريز . ومن العبث أن نبحث بين هؤلاء الأدباء عن كاتب أو شاعر يزاوج بين حسن التعبير وحسن التفكير ، فقد انصبت عناية الكثرة على اللفظ وما يتصل به من المعارض الانيقة ، وقلما سمعنا صوتا يرتفع بالعودة إلي جمال المعنى كما كان الشأن في القرنين الثاني والثالث ، فقد استقر في النفوس أن الجمال المستتر جمال الروح والمعنى لاقيمة له ، إنما الشئ القيم حقا هو جمال الجسد واللفظ وما يتصل بهذا الجمال من حلي ووشي وترصيع . وسرعان ما أصبح الأدب العربي تحت تأثير هذه الدعوة ورسوخها في القلوب ادب مادة وحسن وزخرف فلم تعد تظهر فيه عناية بمعاني جديدة ، ولا موضوعات جديدة ، إذ ولي الأدباء وجوههم نحو اللفظ فهو معيار الجمال ، وواجب الأديب المتاز أن يوفر له كل ما يمكن من ألوان الوشي وأصباغ الزينة .

