الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 280الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش النقد العربي :، ابن رشيق

Share

يشغل ابن رشيق مكانة ممتازة في النقد العربي ، إذ ترك فيه كتابا مهما هو كتاب العمدة في صناعة الشعر ونقده . وقد اشتهر هذا الكتاب قديما وحديثا ، وأشاد به ابن خلدون في مقدمته ، ومن قوله فيه : " هو الكتاب الذي انفرد بهذه الصناعة - يريد صناعة الشعر - وإعطاء حقها ، ولم يكتب فيها أحد قبله ولا بعده مثله ؟ وهي شهادة قيمة ترفع من الكتاب ومن صاحبه .

وإذا ذهبنا نبحث في البيئة التي نبت فيها هذا الكتاب ، لنتأكد من الثقافة التي كتب في ظلالها ، وجدناها بيئة غير معقدة ، فقد ألف في القيروان من بلاد المغرب حول منتصف القرن الخامس الهجري ، وبلاد المغرب حتى هذا التاريخ كانت تستمد في تأليفها من كتب أهل المشرق وتعتبرها منابعها في التفكير والثقافة ، ومن المعروف انها لم تنهل من الفلسفة حتى هذا الوقت إلا في حدود ضيقة جدا ، مثلها في ذلك مثل الأندلس ، فهما جميعا لم تقم فيهما الأبحاث الفلسفية إلا متأخرة . وقد كان لذلك آثار مختلفة في الحياة العقلية هناك فإنها لم تسمها شبات من الفكر العميق ، إذ كان الناس يعيشون في حياة اقرب إلي البساطة منها إلى التعقيد ؛ بل إننا نجد ابن خلدون يثبت للناس هناك حياة متبدية أو كالمتبدية ، وبذلك علل لاختيارهم مذهب مالك وتفضيلهم له على غيره من المذاهب ؛ لأنه لم يكن معقد الحضارة ولا فلسفة ، فهو مذهب أهل الحجاز ، وحياتهم كحياة أهل المغرب تقوم على البساطة ولا تعقدها الفلسفة ولا الحضارة.

لم تكن بلاد المغرب التي ألف فيها كتاب العمدة ذات عقل متفلسف ، يعني ببحث الأشياء بحثا يظهر منه على خصائصها المشتركة ، ولذلك غلبت على الكتب هناك

طريقة الجمع والإحصاء ؛ وقلما رأينا كتابا يتعمق موضوعا من الموضوعات ، إنما هي كتب تنقل عن غيرها ، وهي تعني بتنظيم النقل ولكنه تنظيم غير منظم تماما ؛ إذ تراهم يكثرون من التبويب دلالة على كثرة ما يجمعون من مواد ، ولكنها كثرة تتعب القارئ ، إذ يجد المواد قد تنانرث دون ان توضع في صورة ، فالمادة قد وجدت ولكن الصورة لم توجد ، لأن العقل المغربي لم يكن يحسن تأليف الصور ؛ ولا نقول كما يقول ابن خلدون إنه كان عقلا متبديا ، ولكن نقول إنه كان عقلا غير مفلسف ، فكانت تعوزه الصورة التى يضع فيها مواد الأشياء التى يبحثها ويعنى ببيانها والتأليف فيها .

ومن الكتب التي تفسر هذه الظاهرة تفسيرا دقيقا كتاب العمدة ، فقد أودعه ابن رشيق نحو مائة باب ، وهي أبواب كثيرة ، ونفس كثرتها تدل على أنه لم ينظر في صناعة الشعر ونقده نظرة عامة شاملة ، فقد استغرقته التقاريع والتفاصيل استغراقا يدل على انه لم يتعمق في تفكيره ، فعقله بسيط لا تعقيد فيه ولا تركيب ، ولذلك كانت أبحاثه في كتابه أيضا ابحاثا بسيطة ليس فيها تعقيد ولا تركيب .

وهذه الظاهرة تتضح أكثر إذا قارنا بين ابن رشيق وبين نقاد الشرق ، فالأخيرون إذا كتبوا في النقد حاولوا أن يتعمقوا مسائله ، ولذلك كان لكل منهم عمل واضح فيه ؛ فبينما ترمى قدامة يدخل فيه فلسفته كما في نقد الشعر ، إذا هو نفسه يضيف إلى الفلسفة منطقا وابحانا فقهية كما في نقد النثر ؛ ويدور الزمن دورة ويأتي أبو الفرج الأصبهاني فيدرس الرواية الأدبية ويقيم عليها في كتابه الأغاني كل ما اقترحه أصحاب الرواية الدينية على روايتهم من علل ومراصد ؛ ويدور الزمن دورة اخري ويأتي الآمدي فتراه يقرر أن هناك مذهبين عامين قائمين في دراسة الشعر وصناعته ، مذهب المجددين اصحاب الفلسفة والمعاني والبديع وعلى رأسهم أبو تمام ، ومذهب المحافظين اصحاب عمود الشعر العربي وعلى رأسهم البحتري ، وهو لا يكتب في ذلك

صحيفة أو صحائف معدودة ، بل يكتب كتابا واسعا هو كتاب الموازنة ؛ ويدور الزمن دورة أخرى فيأتي ابن سنان في كتابه سر الفصاحة ويفتح دراسة واسعة في الصوت ؛ وكلما دار الزمن بنا في المشرق دورة وجدنا نقادا يطورون النقد ويحدثون فيه توجيهات جديدة فإذا انقلبنا إلى كتاب العمدة لم نجد تطورا ولا توجيها جديدا ، إنما كل ما هناك كتاب كبير يجمع ركاما هائلا من مسائل النقد ، ولكنه ركام تنقصه الدراسة العميقة ؛ وهو مادة ضخمة ولكن تنقصها الصورة ، ونفس المادة ليست من صنع ابن رشيق بل هي من صنع المشرق ، إذ استطاع ان يجمع هذا النثار الواسع من آراء القوم في الشعر ونقده وصناعته.

ليس في كتاب العمدة منهج في دراسة الشعر العربي ، فالكتاب لا يعني بوضع المناهج ، إنما يعني بجمع المواد في شكل يشبه ان يكون إحصاء واسعا يجمع فيه اشتاتا كثيرة ، ولكن دون ان يحدث بينها ربطا منطقيا ، فعقله لم يكن يعرف الربط ، إنما هو عقل نقلي يعني بنقل النصوص ورواية ما في الكتب . وحقا له بعد ذلك التبويب ، ولكنه تبويب من نوع خاص ، نوع فيه موج واقص ، فكثيرا ما تصادفنا أبواب كان يحسن ان تندمج في باب واحد ، واخرى كان ينبغي ان توضع في غير امكنتها ، وثالثة كان يحسن ان تحذف من الكتاب حذفا . ولو ان ناقدا من نقاد المشرق عني بجمع هذه المادة الكثيرة والتأليف فيها لما رأينا عنده ما في كتاب العمدة من اللامنطقية والانتقالات الفجائية.

ومع ذلك فينبغي ألا نغمط ابن رشيق حقه ، إذ ليس من شك في انه تعب في جمع هذه المادة وترتيبها على هذا النسق الذي اختار لنفسه . وإن من يتتبعه في عرضه لتلك المادة الوفيرة يجد له كثيرا من الأفكار النيرة ، كتلك الفكرة التى ذهب يعلنها في اللفظ والمعنى ، فقد كان يري انهما يتلازمان ، وليس بصحيح انهما ينفصلان ، وبذلك خرج على رأي من سبقوه ، ولم يحفل برأي الجاحظ ومن خلفوه . وقد لاحظ في اواخر هذا الباب الذي عقده

للفظ والمعنى ملاحظة مهمة ، وهي أن للشعر لغة خاصة به ، فالشعراء لهم الفاظهم وأساليبهم التي يمتازون بها من ألفاظ الكتاب وأساليبهم ، ولذلك اسباب كثيره ، فهم يتناولون موضوعات كبكاء الأطلال لا يتناولها الكتاب ، وهم يعبرون تعبيرا كله وجدان وعاطفة ، بخلاف تعبير الكتاب فيغلب عليه الفكر والعقل ؛ وأيضا فإن الشاعر مقيد بموسيقاه ، ولذلك كان يكثر في الشعر الغريب ، لان الشاعر يبحث عن نفسه وما يوافقه من اللفظ ، وقد تضطره النغمة إلي لفظ غير مألوف ؛ ولعل ذلك ما جعل ابن الأثير يقول : " وجدت الغريب يحسن استعماله في الشعر ولا يسوغ " .

ومهما يكن فإن ابن رشيق كان موفقا في باب اللفظ والمعنى ، سواء فيما عرضه عن تلازمهما او ما ذكره من لغة الشعر وأنها تخالف لغة النثر وقد عقد بعقب ذلك بابا حدث فيه عن المطبوع والمصنوع ، وفي هذا ما يفسر العقلية العامة التي كتب في ظلالها كتاب العمدة ، فإننا نجد صاحبه يعرض المذهبين القائمين في صناعة الشعر العربي ، واللذين سبق ان كتب فيهما الآمدي كتابه الموازنة ، غير انه لا يستطيع ان يتبين الفكرة ، فنراه يحكم بأن البحتري وابا عام من مذهب واحد ومعين واحد هو معن البديع ، او كما كان بسميه الصنعة ، وغاية ما في الأمر ان البحتري أكثر طبعا من أبي تمام ، وأن أبا تمام أكثر بديعا من البحتري

لم يستطع ابن رشيق ان يميز الفروق الهائلة التى كانت تفرق بين البحتري وأبى تمام ، تلك الفروق التى جعلتهما يقفان في صفين متقابلين ، او كما نقول نحن الآن في مذهبين متعارضين عند الآمدى وغيره من نقاد الشرق ؛ وكل ذلك جاء ابن رشيق من ان عقله كان من طراز آخر ، طراز لا يتعمق الأشياء ، إنما ينظر إليها من قرب نظرات طائرة وقد وقف في هذا الباب يفرق بين القدماء والمحدثين ، فرأي أن كل ما بينهما من خلاف أن الأخيرين يلونون شعرهم بتلاوين البديع وتحاسينه ، على عكس القدماء فهم لا يلونون شعرهم بشيء من ذلك ؛ وهي تفرقة غير دقيقة ، لأنه ليس

كل ما بين القدماء والمحدثين يستقر في تلاوين البديع وتحاسينه ، فهناك تلاوين عقلية وتحاسين فلسفية كان يتشبت بها الشعراء أمثال أبى تمام وأبي العلاء ؛ غير أن ابن رشيق فيما يظهر كان ينحرف عن هذه التلاوين والتحاسين ، أو بعبارة أدق لم يكن يفهم شيئا عن هذه التلاوين والتحاسين

وقد عني ابن رشيق في كتابه بالحديث حديثا مفصلا عن الوان البديع واصباغه ، ففتح لها أبوابا واسعة . ونحن نعرف أن أول من كتب في البديع ابن المعتز ، وقد ساق في كتابه المسمى باسم البديع ثلاثة عشر لونا من الوانه ؛ ثم تبعه قدامة فزاد فيه سبعة ألوان ؛ ثم جاء أبو هلال في الصناعتين فأضاف سبعة عشر لونا ؛ ثم تبعه ابن رشيق فانكب في كتابه على درس الوان البديع متأثرا بمن سبقوه . وإن من يقرأ ما كتبه في تلك الألوان يشعر شعورا واضحا أنها لم تكن متميزة الشخصية في ذهنه ، فيها كثير من الاختلاط وخاصة في عرض الأمثلة ، كما أن فيها كثير من الإبهام والغموض في تحديدها وبيانها .

وربما كان أهم جانب نسقه ابن رشيق في كتابه هو جانب موضوعات الشعر ، فقد عرض فيه لهذه الموضوعات عرضا مستفيضا ، إلا انه تأثر على عادته بمن سبقوه ، فالمديح يعتمد عنده - كما يعتمد عند قدامة - على وصف الفضائل النفسية ، والهجاء كذلك يعتمد على نقض هذه الفضائل ، والرثاء أيضا كما يقول قدامة مديح إلا أنه بلفظ الماضي ؛ كل ذلك ينقله ابن رشيق عن قدامة ثم يضيف إليه من حين لآخر بعض آراء وافكار . وقد اشار في المديح إلي انه يكون بغير الفضائل النفسية ، وطلب إلي الشعراء ان يلائموا في مدائحهم بين كلامهم وبين الممدوحين ، بحيث لايمدحون ملكا بنفس الأوصاف التي يمدحون بها بطلا أو كاتبا . ولعل أهم موضوع عنى به بين موضوعات الشعر هو موضوع النسيب ، فقد فصل الكلام فيه وتحدث عن طريقة اهل البادية وما يستغرقها من ذكر الرحيل والانتقال

ووصف الطلول ، والتشوق بحنين الإبل ولمع البروق ، ومرور الصبا والنسيم ، وذكر ازهار البرية مثل الخزامي والمرار ؛ ثم تحدث عن طريقة اهل الحاضرة وما يستغرقها من ذكر الصد والهجر ، والوشاة والندامي ، والورد والنسرين والنيلوفر وما شاكل ذلك.

ومهما يكن فإننا لا نعدم أن نجد عند ابن رشيق من حين إلى آخر أفكارا قيمة وآراء طريفة ؛ ولعل من اطرف الأبواب التي فتحها في كتابه باب المعاني المحدثة ، فقد عرض لبعض هذه المعاني ، ولاحظ ان العباسيين لهم معان كثيرة مبتكرة ، وخاصة بشارا واصحابه ، فقد زادوا معاني مامرت قط بخاطر جاهلي ولا إسلامي " . وقد كان ابن الرومي اهم شاعر عباسي يعني بهذا الجانب ، " إذ كان ضنينا بالمعاني حريصا عليها ، بأخذ المعنى الواحد ويولده ، فلا يزال يقلبه ظهرا لبطن ، ويصرفه في كل وجه وإلى كل ناحية ، حتى يميته ويعلم انه لا مطمع فيه لاحد " . وحقا إن من يرجع إلي ديوان ابن الرومي يلاحظ انه إذا تناول فكرة احكم إخراجها وبسطها إحكاما دقيقا ، فما يزال يبسط فيها ويفند حتى تتسع اتساع الرقاقة في يد الخباز التي وصفها في قوله :

ما بين رؤيتها في كفه كرة      وبين رؤيتها قوراء كالقمر

إلا بمقدار ما تنداح دائرة        فى صفحة الماء يرمى فيه بالحجر

فابن الرومي كان يخبز معانيه خبزة هذه الرقافة ، فإذا هي تنبسط وتتسع اتساعا شديدا . غير ان ابن رشيق لا يقف ليحقق ذلك ، إنما هي فكرة عابرة عنده . ونحن نطلب إليه منا إذا اردنا منه ان يطيل النظر في آرائه او يتعمق في عرض أفكاره . ومع ذلك فنحن لا ننكر صنيعه في كتابه ، فقد جمع مادة ضخمة من النقد الأدنى عند العرب ، وكان له فضل هذا الجمع وما انطوي فيه من تنسيق ، وان كنا نلاحظ بعد ذلك أنه لم يستطع أن يحرف في مجري النقد العمومي بصنع نظرات أو توجيهات جديدة ، فما يزال النقد عنده يجري كما كان يجري من قبل ، إذ لم يظهر ما يوجب تعديلا في سيره ، أو تحريفا طريقه . شوقى ضيف

اشترك في نشرتنا البريدية