الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 267 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش : النقد العربي :، الرواية الادبية في الاغاني

Share

لعل أهم ظاهرة تقابل من يتصفح كتاب الأغاني لأبي الفرج الأسبهاني أن الأخبار التي يسوقها عن الشعراء والمغنين تشفع دائما بسند كما تشفع روايات الحديث ، حتى ليقع فى ظن من يقرأ فيه لأول مرة أنة بصدد كتاب من كتب الحديث ؛ إذ يرى الأخبار تبدأ على هذا النمط " حدثنا أو أخبرنا ، ثم يتلو ذلك اسماء من حملوا الخبر ، فإن كان له روايتان عني يسردها حتى يتوثق الخبر على نحو ما يصنع أصحاب الحديث بأحاديثهم ، فإن الخبر أو الحديث إذا جاء من جهتين او جهات بصورة واحدة ، كان ذلك مرجحا لصدقه وخاصة إذا كان طويلا ؛ فإن الاتفاق على ما حدث فيه من وقائع يجعل من البعيد ان يكون موضوعا او مصنوعا ما دام الرواة المختلفون قد اتفقوا على هذه الوقائع ، وما يتصل بها من جزئيات وتفاصيل

وقد خطا أبو الفرج خطوة أخري ، فوضع على الرواية الأدبية كل ما وضعه المحدثون على روايتهم الدينية من علل ومراصد ، فإذا كانوا قد تعقبوا رجال السند بالتعديل والتجريح ، فكذلك يصنع أبو الفرج صنيعهم برواة الأخبار الأدبية . وقد ألقي الشك على كثير من الرواة للأحداث الأدبية وخاصة ابن خرداذيه لانه كان قليل التحصيل لما يقوله ويضمنه كتبه ، فكان يرفض روايته إذا تعارضت مع رواية غيره ، كما كان يرفض كثيرا رواية ابن الكلبي فإنه منهم في رأيه ، إذ يروي كثيرا من الأخبار الموضوعة التي يتضح فيها التوليد .

كان أبو الفرج يجرح بن خرداذيه وابن الكلبي من رواة الأخبار ، كما كان يجرح طائفة من رواة الاشعار ؟ فهو يذكر ان ابا عمرو بن العلاء نحل الاعشي بيته المعروف .

وأنكرتنى وما كان الذي نكرت

من الحوادث إلا الشيب والضلما

غير أنه يعود فيقول إن يحيى بن معين وغيره وشقوه ، وكأنه رأي أن هذا الصنيع من أبي عمرو كان شيئا عارضا لا يحكم على روايته به حكما عاما . لم يكن أبو الفرج يتهم أبا عمرو ، ولكن ذلك لم يمنعه من أن ينص على خلل حدث في روايته وهو إذا لم يكن قد انهم أبا عمرو ، فإنه التهم عالمين آخرين من مشاهير الرواة وهما خلف الأحمر ، وحماد الرواية ، فقد شكك طويلا فيها بروياته . أما خلف فقد جعله يقص سيرته من الانتحال بلسانه إذ كان يقول : " كنت آخذ من حماد الراوية الصحيح من أشعار العرب وأعطيه المتحول ، فيقبل ذلك مني ويدخله في أشعارها ، وكان فيه حمق وغفلة ؟ وأما حماد فقد كان- في رأيه - أكثر إفسادا للشعر القديم من خلف ، إذ عرف بكثرة الوضع على ألسنة العرب حتى أسقط المهدي روايته . وقد كان المفضل الضبي - وهو من الثقات - يقول فيه : " قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما افسده ، فلا يصلح أبدا ، فقيل له : وكيف ذلك أيخطئ في روايته أم يلحن ؟ قال ليته كان كذلك ، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلي الصواب ، ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها ومذاهب الشعراء ومعانيهم ، فلا يزال يقول الشعر يشبه به مذهب رجل ويدخله في شعره ويحمل ذلك عنه في الأفاق ، فتختلط أشعار القدماء ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد ، واين ذلك ؟ "

وأبو الفرج كما يرصد رواة الأخبار والأشعار ، فيجرحهم ويعد لهم ، كذلك برصد الأخبار والأشعار نفسها . فكثيرا ما تقع أعيننا في كتابه على مثل : " روي ذلك الثقات " ، أو : " لم يدون ذلك احد من الثقات ، أو يقول : " رواه من لا يوثق به) او يقول : " هو من شاذ الروايات ؟ او يقول : " احسب هذا الخبر مصنوعا " او يقول : " هو خبر مختلط " أو يقول : " هو خبر موضوع او مصنوع " ، على حين يوثق الأخبار الصحيحة فيقول : " إن هذا الخبر أثبت " ، أو يقول : " إنه متواتر من عدة طرق " .

والحق أن أبا الفرج تثبت كثيرا فيما يقص أثناء كتابه من روايات واخبار ، فقد كانت غايته منذ السطور الاولى في أغانيه أن لا يروي أخبارا موضوعة ولا مصنوعة ،إذ عنى كما يقول في المقدمة - بأن تكون أخباره ، ورواياته "(منتخلة من غرر الأخبار منتقاة من عيونها ومأخوذة من عطائها ومنقولة عن اهل الخبرة بها ) فنايته منذا الخطوة الأولى أن يحقق أخباره ، وأن يأتي مها من مصادرها الصحيحة . غير انه لم يلبث طويلا حتى احس مما تسرب إلى كتابه من مواد موضوعة او مستوعة ، فرجع يعتذر عما رقع فيه من خطأ لم يتعمده إذ ضللته بعض الأسابيد أو بعض الكتب ، وقد عبر عن ذلك تعبيرا واضحا إذ يقول " وإنما تذكر ما وقع إلينا عن روانه فما وقع من غلط فوجدناه او وقفنا على صحته اثبتاء وأبطلنا ما فرط منا غيره وما لم يحر هذا الحجري فلا يينبي لقاري هذا الكتاب أن بالزمنا لوم خطأ لم تتمعده ولا اخترع عناء ، وإنما حكينا عن روانه واجتهدنا في الإصابة "

والمسألة كانت معقدة فيما يظهر ؛ لأن كثيرا من الأحداث والأخبار الأدبية يدخل الشك وتضعف الثقة به كأخبار مجنون ليلى التي رواها واحداثه ، فهل يروى مثل هذه الأخبار والأحداث أولا يرويها ؟ رأي أبو الفرج أن يرويها حتى يطرف قراءه بتلك الطرائف النادرة ، وقد تشبث بها بعض المعاصرين ، فظن الظنون بروايات أبي الفرج وقيمتها التاريخية ، وكأنه لم يقرأ بقية الأخبار . وما يقوله ابو الفرج من أنه يرويها ؟ متبرئا من العهدة فيها مشترطا ذلك حتى لا يعاب " .

وإن من يتابع أبا الفرج في كتابه ليؤمن إيمانا شديدا بأنه تعب تعبا مرهقا في تحقيق رواياته ، والتثبت من اخباره ، إذ كان بكثر من الوقوف عند الرواة ، كما كان يكثر من الوقوف عند المتون والنصوص نفسها ، فهو يتوثق من ظاهر الأخبار كما يتوثق من داخلها ، إذ نراه يعرض الأشعار على دواوينها كما يعرض الحوادث على التاريخ ليبين هل هي صحيحة أو زائفة . وانظر إليه بقول يعقب شعر لداود بن سلم : " وقد كنا وجدنا هذا الشعر في رواية علي

ابن يحيي عن إسحق منسوبا إلي المرقش ، وطلباه في اشعار المرقشين جميعا فلم نجده ، وكنا نظنه من شاذ الروايات حتى وقع إلينا في شعر داود بن سلم ، ويروي شعرا للأعشي ثم يشك فيه فيراجع ديوانه على رواياته ، فلا يجده فيها فيراجع شعر كل اعشى ، وما يزال يبحث حتى يهديه البحث أن الشعر ليس للأعشى ، وإنما هو لابن المولي

وليس من شك في أن هذا تحر شديد ، وهو كما يتحري في نصوص الشعر فيعرضها على الدواوين برواياتها المختلفة حتى يتحقق من صحتها ، نراه كذلك بتحري في الاخبار فيعرضها على وقائع التاريخ حتى تتضح له الحقيقة المستورة . فمن ذلك انه روي خبرا لدحمان مع الرشيد ، ثم عاد فشك فيه فرجع إلي التاريخ يتساءل : هل ادرك دحمان خلافة الرشيد او لم يدركها ؟ وسرعان ما تبينت له الحقيقة فقال : " هكذا أخبرنا ابن المرزبان بهذا الخبر ، وأظنه غلطا لأن دحمان لم يدرك خلافة الرشيد " . ثم هو يبحث الخبر في تفاصيله ، فان اشتمل على شعر ثبت انه متأخر في وجوده على حوادث الخبر رفضه جملة على نحو ما صنع بحادثة تنسب إلي الوليد بن يزيد ؛ فقد ذكر من رواها أن الوليد قال فيها :

من راقب الناس مات غما

وفاز باللذة الجسور

وقد حقق أبو الفرج هذا البيت فوجده ، لسلم الخاسر . حينئذ رفض الحادثة كلها وقال : إنها موضوعة لان سلما لم يدرك زمن الوليد .

والحق أن أبا الفرج سعى جهده في تحقيق رواياته الأدبية في أغانيه ، إذ وضع عليها كثيرا من العلل والمراصد وهي علل ومراصد لا تقف عند النقد الخارجي للروايات من حيث السند ورجاله ، بل تمتد إلي النقد الداخلي فيها من حيث النصوص وما يتفق منها مع الوقائع والاحداث الصحيحة ومالا يتفق . ونحن لا نرتاب في ان هذا التحقيق الواسع ، وما ينطوي فيه من علل ومراصد ، هو الذي يصمد بكتاب الأغاني إني الذروة بين أهم المصادر العربية ؛ إذ نراه غنيا غني وافرا بالوثائق والمستندات الصحيحة التي تفسر للباحثين تاريخ العرب وحضارتهم تفسيرا وافيا .

اشترك في نشرتنا البريدية