كان الفن اليوناني في عصره الذهبي ، قد بلغ مرتبته من الكمال ، ارتفعت به عن مستوي المقارنات . وإن الإنسان ليقف الآن أمام ما خلفه أبطال ذلك العصر ، وهو ينظر ويتأمل ، وتأخذه الدهشة حتى ليحس بأن التمثال الذي امامه يوشك ان يومي إليه بنظراته أو يحدثه بشفتيه .
وكان " بيجمالون " واحدا من هؤلاء الأبطال ، ولعله كان سيد هؤلاء الأبطال جميعا ، وقد خلد ذكره الشاعر Ovid في أسطورة شهيرة صور لنا فيها هذا الفنان بأن مثله العليا في الجمال كانت فوق ما تطيق الحياة ان تتحمله وإنه لذلك اعتزل الناس والجماعات ، وهكذا هي تماثيله يودع فيها من نفات روحة ، ويسجل على اجسامها ووجوهها نفحات إلهامه . وقد أسفرت جهوده آخر الأمر عن إخراج بذلك التمثال الرائع المعروف باسم " جاليته " ولم
يكن هذا التمثال الذي نحته الفنان من العاج كبقية التماثيل التي تخلقها المعاول في " ستوديوهات " الفنانين ولكنه كان عصارة فن مثال ملهم ووحي روحه العالي ، وما كاد يفرغ ببجماليون من عمله وتتجلي امامه تلك الصورة الرائعة لأكمل امرأة في العالم حتي ذابت نفسه حسرات ، على أن هذا الجمال كله ليس إلا صنما من العاج لا حياة فيه ولا روح له . وفي ساعة ضعف وعجز احاط تمثاله بذراعية ثم أجهش بالبكاء
وعطفت فينوس - إلهة الحب والجمال - على هذا الفنان المسكين فحولت التمثال إلى جسم حي ، واستحال العاج الصلب إلي أنسجة رخصة تجري فيها دماء الحياة الحارة . ولم تلبث أن انفرجت الشفتان القرمزتيان عن نداء خافت حنون يقول :
بجماليون -
وهكذا تحقق حلم بيجماليون ، وعاش مع زوجته التي صنعها بيده في نعم وهنا ، وانجب منها غلاما سماه
Paphos- وما تزال تقوم في جزيرة قبرص تلك المدينة العتيقة التى اتخذت اسمها من اسم ذلك الغلام السعيد الذي جاء ثمرة لأغرب قصة غرام روتها الأساطير
هذه هي قصة بيجماليون كما وضعها أوقيد ، وهي لا ترمي إلي أكثر من إبراز هذا المعنى الظاهر فيها ، وهو ان الفن اليوناني بلغ علي يد بيجماليون وأترابه اسمي مراتب الكمال . وان الفنان قد يستطيع أن يركز في عمله الفني من عناصر الجمال ما لا تجود الطبيعة عادة يجمعه كله في صعيد واحد .
وشاء الأستاذ توفيق الحكيم أن يعيد كتابة هذه القصة كما يفهمها هو ، والذي يفهمه هو أنه رجل فنان مثل بيجماليون مثلا - يخلق اشخاص قصصه خلقا كاملا ، حتى إنه بعد أن ينتهي من وضع هذه القصص ليتوهم ان أشخاصها موجودون فعلا في هذه الدنيا . ثم يغرق في هذا التصور حتى ليعقد الأحاديث مع بعض هذه المخلوقات ، ثم ينشر على الناس في الصحف هذه الآحاديث . . ولقد خلق توفيق الحكيم - فيمن خلق - براكسيا وخلق
شهر زاد ، وهما في الطليعة بين نساء العالمين ، ومع ذلك فإن أخانا توفيقا لا يزال يبحث على ظهر هذه الدنيا الغرور عن نصفه الحلو فلا يجده . وهذا أمر يدعو إلي الثورة ، لقد بكى بجماليون بين يدي حاليته فرفقت دموعة قلب فينوس ، وهذا أخونا يبكى ويستبكي بين يدي كل من انجب في قصصه من النساء . ولكن الدهر الذي أكل أرباب اليونان لم
يبق له من يرق قلبه عليه ؛ والسر في ذلك أن الاستاذ توفيقا لا يؤمن بالكمال إلا في عالم الفن ، أما في عالم الواقع والحياة فهو لا يري إلا الحماقة والنقص والضعف ، ولذلك فانه حور قصة أوفيد لتؤدي هذا المعنى الجديد
انظر إليه كيف جعل بيجماليون يخاطب الاله بعد ان أجابوا دعاءه وحولوا تمثاله العاجي إلي جسم حي ؟
" دعنى أصارح هؤلاء الأله ، لقد صنعت أنا الجمال فأهانوه هم بهذا الحمق الذي نفخوه فيه ، كل ما في
جالاتيا من روعة وبهاء هو منى أنا ، وكل ما فيها من سخف وهراء هو منكم انتم يا سكان أولمب " ص ٧٩
فالأستاذ توفيق الآن ثائر علي هذا النظام الدنيوي الذي لا يتيح له من مخلوقات الله مثل اولئك اللائي يخلقهن له خياله وقته . ولذلك فإنه اعاد كتابة هذه الأسطورة بما يتفق مع تقديره الخاص للمرأة . ولم يطق التسليم ببقاء جاليته - الإنسانة - إلي جانب بيجماليون - الفنان - وعلي الرغم من أنه يعلم أن أوقيد زاوج بينهما وانشأ بينهما مودة ورحمة ، وجعل لهما بنين وحفدة ، فإنه جاء في قصته
هو فجعل بيجماليون يعدل عن دعائه الاول ويعود فيلتمس إلي الآلهه أن يردوا إليه تمثاله العاجي ، ويأخذوا ذلك المخلوق التافة الذي قايضوه به ، ثم عاد كما كان ، وكما ينبغي لرجل الفن أن يكون - رجلا أعزب " يحب الجمال ولكنه يزدري الجميلات " - كما يقول هو على لسان ترسيس ص ١٥٨
والآن . لقد أوشكنا أن ننسي صديقنا المعلق " الذي استعار هذه القصة ليقرأها هو الآخر على غير ما أرادها أوقيد ، وعلي غير ما أرادها توفيق الحكيم . ولم ينبه فيها إلي غير المعاني التي استجاب لها عقله . فلنمد إليه ، ولنبدأ في تقليب صفحات القصة معه لتري بعض ما أثبته علي هامشها من التعليقات . .
ها هو الأستاذ توفيق يرينا في نبذه قصته ان بيجماليون بعد ان فرغ من صنع جالاتيا صار يدعوها زوجته ، ووضعها خلف ستر من الحرير ، وإقام عليها حارسا هو غلامه نرسيس لكي يذود عنها الذباب ويمسح عنها الغبار . ونرسيس هذا فتي لقيط ، وجده بيجماليون ذات يوم بين مروج الغابة فاتخذه ولدا ، وكان وجه نرسيس فتنة في جماله وحسن قسمانه ، ولكنه كان فتي ساذجا عديم الخبرة بالنساء ، فعلقته فتاة اسمها ) إيسمين مازالت به حتي علمته
الحب وجعلته يخرج معها إلي الغابة . وكانت تلك الليلة ليلة عيد قينوسي " حيث يجتمع الناس فيرقصون ويلهون ، ويتقدم المحبون لإلهتهم بالقرابين ، وكانت قينوس قد خرجت في مركبتها مع ايولون في جولة ارضية ليجوسا ! بين رعاياهما كما قد يفعل الملوك والأمراء ، فدخلا منزل بيجماليون عقب انصراف نرسيس وإيسمين . ووقعت أعينهما على التمثال فراعهما جماله وفنه ، وكان كلام أيولون
ينم عن افتخاره بأنه هو الذي الهم بيجماليون فنه ، كما كان كلام فينوس ينم عن غيرتها من كل هذا الجمال الذي أودعا بيجماليون فنه في تمثاله . وفيما هما يتحاوران في ذلك إذ اقبل بيجماليون وهو يدعو فينوس - إلهة الحب والجمال - أن تنفخ حرارة الحياة في زوجته المحبوبة جالاتيا ، فرقت قينوس لدعائه ، واودعت الحياة في جسد التمثال ، فتنتفست جالاتيا ، ودخل عليها زوجها فأدرك ما منحته فينوس . وكان بين الزوجين قبلات ، وكان بينهما حوار من ذلك
الكلام الجميل الذي يعرف كيف يصوغه الاستاذ توفيق الحكيم ويتحدث بيجماليون إلى جالاتيا عن مثاله الذي أودع فيه كل دمه وذهنه وحياته ونبوغه وقلبه وحسا ) ولكنه لا يحبس أن يقول لها إنها هي ذلك التمثال فيكبر هذا الكلام على نفس جلاتيا التي لا تريد ان يشاركها احد في حب زوجها ، وترتمي ياكية على مقعد مجاور لأن الغيرة صورت لها أن زوجها يحب عليها . .
وهنا يتحرك أخونا الآخر الذي لا يعجبه تصرف جالاتيا فيبدأ تعليقاته على الهامش بقوله :
ويح النساء ! إن هذه المرأة لما ينقض عليها في الحياة إلا ساعة او نحوها ثم ها هي تبكي ممن خلقها ودعا لها بالحياة ) ولكن هكذا هن . وهكذا خلقهن الله - جلت حكمته وصدق رسوله ورد في الحديث الشريف قوله
ورأيت النار فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ، ورأيت كل أهلها النساء قيل : بم يا رسول الله ؟ قال : يكفر عن قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرون العشير ، ويكفرن الاحسان لو احسنت إلي إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا قالت : ممارأيت منك خيرا قط
ويسكت زميلنا المعلق . ويستمر أخونا المؤلف في
تصوير مشهده ، وهو خير من يعرف أن العذاري يغرهن الثناء ، فيلقي علي لسان بيجماليون كلمات يتعلق بها زوجته فتصفو له وترضي عنه . وينتهي الفصل الأول من الرواية بجالاتيا وهي تدعو زوجها أن يضمها إلي صدره ، وبايلون وهو يدعو فينوس إلي الإنسحاب من مكمتهما الذي اختبا فيه عند دخول بيجماليون . إذ يقول ابولون لصاحبته :
" أظن من سلامة الذوق أن نتركهما الآن في خلوة . ثم ينسحبان .
فإذا كنا في الفصل الثاني فهمنا ان جالاتيا هربت مع نرسبيس ، وتركت بيجماليون في حالة ثورة نفسية عاتية كفر فيما يصنع فينوس ، وجعل دعاء لها هذه المرة ان تعيد إليه جالاتيا تمثالا من العاج . فلقد كانت في تلك الصورة مثال الكمال ، فلما تدخلت فينوس في امرها مسختها " امرأة " حية ، فأصبحت - كبقية النساء - كائنا تافها وامرأة حمقاء تهرب مع فتي أحمق ، ) ص ٧٩ (
ولا يفوت هذا المعني زميلنا صاحب الهوامش والحواشي فهو يعلق على ذلك بقوله :
) - كم يا سبو الحكيم . ما أشانا وأولئك يقتل هذه الأفكار ! أفأنت أيضا لا نري روح المرأة إلا في صورة بروح المرة العادة . وتأبي حتي على جالاتيا إلا أن تخون زوجها وخالقها ومبدعها وموجدها من العدم ؟ ! لقد بدأت أفهم ان عدو المرأة " لم يسرف في عداوتها بغير سبب
ويشعر أبولون وفينوس بما صارت إليه حال بيجماليون بعد هرب زوجته ، ولا يخفي أبولون غبطته بما أصاب فينوس من الفشل وتشفيه فيها بسبب ما اصاب بيجماليون على يديها من خيبة الامل ، ذلك لانه هو الذي كان قد سما بمواهب بيجماليون حتى يسر له صنع تمثاله الخالد ، فجاءت هي ومنحت التمثال روحا ، فهبطت ، إلى دنيا الكائنات التافهة الفانية . وتتقدم فينوس إلي أبولون متحدية تطالبه باصلاح الموقف إن استطاع إلي ذلك سبيلا ، ولا يتحفظ صديقنا الحكيم في ضبط العبارات التي تأتي على لسان أبولون إذ يجعله يقول عن فينوس تارة :
- " يالها من ثرثارة كما يجعله يقول عن جالاتيا تارة أخري :
- " يالها من حمقاء كل النساء " . وهنا يثب زميلنا اليقظان إلي هامشه فيثبت فيه العبارة التالية :
) طبعا ياسيدي توفيق ! خذ حريتك مع نساء رواياتك . وأطلق لسانك فيهن كيف تشاء وما دامت الحقيقة الى بعض نسائنا ولو في مقام الدعاية يؤدي أحيانا الى التفكير في رفع قضايا التعويض عليك أمام المحاكم فلا أقل من أن تفرج عن نفسك ولو آلهة اليونان ومن على كل حال أهون عند اللة من كوكب الشرق الأنسة ص
وتسير القصة في طريقها . ويوفق أيولون في رد جالاتيا إلي زوجها ثانية مسترضية . ويدور بين الزوجين حديث وعتاب هو في الذروة العليا من الروعة وحسن السبك ، وعلى امثال هذه المواقف البارعة تقوم شهرة الأستاذ توفيق الحكيم كبطل من أبطال الحوار في الأدب الحديث . ولقد عاودت تلاوة هذه الصفحات أكثر من مرة فلم أجد اثرا لتعليقات زميلنا صاحب الهوامش . وأغلب ظني أن ما انطوت عليه هذه الصفحات من الكلام المسحور قد فتن زميلنا وامتص كل انتباهه ، فألهاه حتى عن هوايته ، وانساه حتى بعض طبعه
ثم ينتقل بنا الأستاذ الحكيم إلي الفصل الثالث فيرينا إيسمن ونرسيس وقد جلسا يتناجيان . ويقفنا علي ما فعل الحب بنرسيس ، ذلك الفتي الغر الذي كان كالزهرة المقفلة ، فوقعت في قلبه نظرات إيسمن كما تتساقط قطرات الندى في قلب الزهرة فتفتح لها وريقاتها ويضوع شذاها . ويسلمنا هذا المشهد الجميل إلي مشهد آخر هو روح القصة وغايتها ونقطة الانقلاب فيها . إذ يعود ببجماليون وجالاتيا إلي منزلهما بعد أن قضا لياليهما الصلبة في الغاية وقد ترصد لهما أيولون وقمينوس ليشهدا بعض مظاهر سعادتهما ، ولينظرا كما تقول فييوس إلي بسمة الهناء وهي تملأ فمهما . غير أن بيجماليون يدخل كئبيا متثاقلا ، وتدخل
جالاتيا من خلفه فلا يكون بينها شئ من أفانين الغزل الذي توقعه أيولون وصاحبته . ولكن جالاتيا تنظر إلي المكان فتراه مغبرا قد ملأه التراب فتنصرف إلى المكنسة وتشرع في تنظيفه ، ويكون منظر جالاتيا وفي يدها المكنسة آخر ما يستطيع بيجاليون احتماله من مظاهر هذه الحياة
الواقعية التي نزلت به فينوس إلي دركها هو وامرأة أحلامه . فيدخل مع جالاتيا في حوار اليم تفهم هي من خلال عبارته ان زوجها ندم علي ما كان ، وانه يؤثر حجالاتيا العاجية التي ركزت فيها كل معالي السمو والكمال على جالاتيا الأخرى -ربة الدار - التي تمسك بيدها المكنسة ،
وتريد هي أن تستميل زوجها إلي صفها وتنزل به من سماوات خياله إلي عالم الواقع ، فلا تجد سبيلا لذلك إلا أن تقول له :
- " إن جعت فأخبرني لأجيء لك الطعام - يخيل إلي أن في مقدوري أن ابدع لك لونا منه لم تذق مثله - إنه من مختلف الخضر . منسقة تنسيقا تسر له العين قبل أن يستسيغه الفم . .
ويتحرك علي زميلنا المعلق داؤه لهذا الكلام فأقرأ له في الهامش هذا التعليق الطريف :
) هذا هو ) الترلي ( ورب الكعبة ! نري سم أخونا توفيق " صنية البطاطس فاقت فيه إلى هذا اللون الذي أوحت به. فينوس إلي جالاتيا لتكسب به عطف بيجمالون ؟ علم ذلك عند آلهة سوق الحضار
ولا ينقضي هذا المشهد بين جالاتيا ورجلها حتي يكونا قد تفاهما تماما على أن بقاءهما على هذه الحال اصبح من المحال . فكبرياء جالاتيا - المرأة - يأبي عليها أن تري رجلها يزور عنها ويفضل عليها شيئا آخر حتي لو كان تمثالا من العاج ! وكبرياء بيجماليون - الفنان - يأبي عليه أن يري عمله الفني الذي كان مقدرا له الخلود ، وقد انتظمه سلك الحياة فأصبح يجوز عليه ما يجوز علي كل الأحياء من مظاهر النقص الذي لا يلبث أن يسلمه إلي الفناء !
وتكون خاتمة الفصل الثالث أن يخرج بيجماليون
إلي المعبد محنقا صائحا : " أيتها الآلهة ! يافينوس . يا أبولون ردوا إلي عملي وخذوا عملكم " فيتشاور الربان قليلا ثم ينتهيان إلي سحب الحياة من جالاتيا وردها تمثالا من العاج قائما فوق قاعدته الرخامية كما كان
فإذا كنا في الفصل الرابع فهمنا من حديث نرسيس مع بيجماليون أن هذا الأخير قد اصبح لا يطيق البقاء في المنزل ، وانه أحس بعد غيبة زوجته بوحشة كانت تدفعه دفعا إلى هجر منزله ولاسيما بالليل ، والذهاب إلي الكوخ الذي قضى فيه مع جالاتيا لياليه السعيدة الاولى ، وانه أصابه المرض من جراء إسرافه في الخروج ليلا ، وانه على الرغم من مرضه ما يزال يصر علي الخروج ، ونرسيس
يقف له بالمرصاد مصرا على الحيلولة بينه وبين هذه الحماقة التي يأبي إلا التمسك بها . ولكن بيجماليون ينتصر علي غلامه ويخرج إلي الكوخ كعادته كل ليلة ، فيلحق به نرسيس ، ويخلو المكان إلا من التمثال القائم خلف ستره . فيدخل أيولون وفينوس - يريد أيولون أن يتزود من التمثال بنظرات اخري ، لأنه يري فيه جمالا فنيا يفوق كل ما تستطيع الحياة أن تسبغه على الأحياء من الجمال ،
وتلاحقه فينوس بقولها : إن صاحب التمثال نفسه لا يري هذا الرأي ، فان الحلم الذي يغمره الان هو شبح زوجته الحية ، فهو منذ فقدها لا يزال هائما على وجهه يلتمس آثارها ويستعيد ذكراها ، معرضا عن تمثاله غير مكترث له ، وكل شئ فيه ينطق صائحا لقد انهزمت فينهرها أيولون في حدة بقوله : " ألا تكفين عن ذكر الهزيمة والانتصار أيها المرأة ؟ "
ويري زميلنا في هذه اللهجة ما بننا في مع بروتوكول السماء فيخط علي الهامش هذا التعليق
) ما هذه اللغة ايتها الالهة العظام ؟ ! أغلب ظني لو أن هؤلاء السادة لم يهبطوا على الأولمب ، ونزلوا عندنا في أرض مصر فإنهم لم يكونوا يختارون لمقامهم إلا حي بولاق
ولا يلبث نرسيس ان يعود بصاحبه الذي خذله مرضه
في منتصف الطريق فلم يستطع أن يتابع سيره إلى الكوخ ويجلس بيجماليون تجاه تمثاله فلا يجد في جواره ذلك الانس الذي فقده ،بفقد زوجته فتضيق عليه الدنيا بما رحبت وتطبق عليه همومه ويحس الفراغ يملأ حياته فينهزم ، ويضع راسه بين يديه ويجهش بالبكاء وتدرك
الرقة قلب فينوس فتقول لصاحبها أيولون : إنه لشقى نفس . الا تري إن يفعل شيئا من أجله ؟ فيجيبها أيولون بقوله : عجبا ! يظهر أن منظر رجل يبكي بأمر يحرك قلب كل امرأة وإلهة
ويثبت لهذا القول زميلنا إلي الهامش فيكتب فيه : ) ما اصدق بعض عفرانك يا هذا الحكيم تري كم بكيت يا ساكر بين أيديهن ؟ وما كان يأثرنى سحر تمثال هذه الدموع في أسواق الضحك على المذنبون
وتكون هذه آخر ؟ من قلم الزميل ، فإن القصة لم يبين فيها إلا إن ) ينهض بيجماليون ببطء ، ويمشي نحو تمثال بخطى ثقيلة فياملة لحظة ولكنه يهز رأسه يأسا ثم يأتي بالمكنسة فيضعها في يد التمثال ويعود فيتأمله لحظة اخري ، ثم يتزعها في عنف وينهال بمقبضها الصلب علي
رأسه تحطيما وتهشيما( فيتركه ركاما ، ولا يلبث بعد ذلك أن يسقط هو أيضا إلي جانب تمثاله ليسلم أنفاسه الأخيرة .
وبذلك تنتهي تلك المعركة الطاحنه الي هي حياة الفنان حياة كل فنان افلم يصيغ بيجماليون حياته في الصراع : " صراع مع الفن لاستلام مفتاحه وامتلاك أسلوبه وصراع مع ملكاته وغرائزه أو القوي الداخلية التي هي نفسه - وصراع مع المصائب والأقدار ، أو القوي الخارجية التي هي الالهه ؟
بلى لقد فعل
وهكذا يروح الأستاذ عن نفسه بتصوير حياة الفنان في مثل هذه الصورة التي يعيش صاحبها في خيرة دائمة . يملؤه الغرور بجمال عمله فيتطاول علي أربابه ثم يدعو فيجاب ، فيندم علي الدعوة كما يندم على أنها أجيببت ، فإذا ما ردت دعوته عليه ، واعيد كل شئ إلي اصله زاد ذلك في تبديد نفسه ، ولم تزد الحالة الجديدة إلا حيرة على حيرته !
نعوذ بالله من نزوات الفن والفنانين ، كما نعوذ به تعالي من همزات الشياطين .

