الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 413 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش تاريخنا :, لا نخدع أنفسنا !

Share

ما الذي يجعلنا نعبأ بقراءة تاريخنا ؟ ولعلى اجرؤ فأسأل : هل نعبأ حقا بقراءة تاريخنا ؟ .

لئن كان ذلك التاريخ لا يزيد على ذكر سلسلة من الحوادث ووصف طائفة من الناس عاشوا على هذه الأرض حينا من الدهر قبلنا لما كان في دراسته سوى تقليد نسير عليه بحكم العادة ، لأننا تعودنا أن نجد من قبلنا من المثقفين يحرصون على قراءته والتندر بحوادثه واتخاذها مدارا لأحاديثهم في مجالس الأسمار .

ولكن التاريخ سيرة الإنسان . سيرة الإنسان الذى عاش قبلنا ، وجرب الحياة كما نجربها ، ولكنه جربها في ظروف تختلف كثيرا أو قليلا عن الظروف التي تحيط بنا في عصرنا .

فنحن إذا قرأنا سيرة الأجيال الماضية إنما نطلع على صفحات من الحياة الإنسانية ، وفيها كنوز لا حصر لها من المعارف البشرية ، وفيها صور لانهاية لتتعددها وتنوعها نستطيع أن نرى أنفسنا في ملامحها . فكل شخص من أشخاص التاريخ كان حيا ، يتنفس ويحس ويحب ويكره ، ويندفع في الحياة مع طبائعه . وكل منهم جرب ملاهي الحياة ومآسيها ، وأتم المدة المقدورة له في هذه الدنيا وعرف أخيرا حقيقة معنى الوجود والفناء وأدرك قيم الأشياء ، التي لا تزال مغيبة عنا في عماية اضطراب الحياة الصاخب العنيف .

فإذا نحن لم نقرأ التاريخ ولم نعبأ به كنا مثل الأطفال الذين يدرجون اليوم من المهد ، وقد حيل بينهم وبين العالم الذي يحيط بهم بسياج منيع ، وكان لا بد لهم أن يجربوا بأنفسهم كل تجارب الإنسانية من جديد .

ولكن الفائدة التى يمكن أن نخرج بها من قراءة التاريخ تكون تافهة لا تستحق شيئا من الجهد الذي يبذل في سبيل تحصيلها إذا كنا نقرؤه كما نجده ، ونتفكه بسيره كما كتبها الأوائل بغير أن نصل إلى جوهره وروحه وبغير أن نصل إلى حقائق النفوس البشرية التي لعبت فيه أدوارها ، أو بقول آخر - إذا لم نستطع أن نرى ملامح أنفسنا في صور هؤلاء الأشخاص .

ولهذا كانت سير التاريخ جديرة بأن يقرأها كل جيل بنفسه ، ويدركها بفهمه ، وينظر إلى حوادثها وأشخاصها بنظرته الخاصة به . فإذا اقتصر جيل من الناس على إعادة تلك السير كما قرأها جيل سابق كان ذلك إسرافا لا غاية فيه ، وكان أقرب إلي التعالم والتظاهر السخيف .

ولعلنا نكون أكثر وضوحا إذا ضربنا لذلك مثلا . فقد اعتاد المؤرخون أن يتحدثوا عن الخلافة الإسلامية الأولى حديثا يقرب إلى التقديس ، حتى كادوا يجمعون على تسمية الخلفاء الأربعة الأوائل بالخلفاء الراشدين . ولسنا نقصد أن نقول إن هؤلاء المؤرخين كانوا مخطئين في هذا التقديس أو في هذه التسمية ، فإننا نرى أن الفضائل التي كان أشخاص الخلفاء الأوائل يتحلون بها جديرة بأن نخلع عليهم كل إجلال الأجيال المتعاقبة . ولكن هذه النظرة أدت إلي أن كل الأجيال اللاحقة تكتفى بأن تنقل ما قاله الأولون بغير أن يحاولوا التغلغل إلي الحقائق التي تنطوى تحت الحوادث والسير ، وصار تاريخ تلك الفترة خاليا من كل دلالة في حياتنا الحاضرة إلا على سبيل التبرك .

ولكن هذه الفترة من التاريخ كانت هي النواة الحية لكل تاريخ الدول الإسلامية ، ففيها بذور كل ما في الدول الإسلامية من قوة ومن ضعف ، وإذا لم يصل المؤرخ الحديث إلى الكشف عن روحها وجلاء الحقائق الكامنة تحت مظاهر حياتها كانت فترة لا أثر لها في حياتنا الحاضرة ،

وما جدوى قراءة تاريخ عصر لا يبعث فينا معنى ولا يلقى ضوءا على حقائق عصرنا ؟ .

بدأ الخليفة الأول أبو بكر الصديق - أو لقد بدأ عمر بن الخطاب وضع سنة الانتخاب للخلافة . ولكن ذلك الانتخاب لم يكن مثل انتخاب مدن اليونان ، ولا مثل انتخاب دولة الروم ، ولا يشبه في شئ ما عرفه العصر الحديث من انتخاب الرؤساء . فقد كان أشبه شئ بالانقلاب الخاطف الذي تعمد إليه بعض البلاد عند تعرضها للأخطار . فما هي إلا مناقشة سريعة كان أكثر الكلام فيها لجانب واحد من الحاضرين الذين شهدوا يوم السقيفة ، ثم بسط عمر يده إلى أبي بكر فبايعه وتبعه الحاضرون فبايعوا وكثير منهم يضمر في نفسه شعورا شديدا بالخيبة.

كان الأنصار بغير شك غير راضين كل الرضا ، وكان بعض المهاجرين كذلك غير راضين كل الرضا ، ولكن خرج موقف الإسلام عند ذلك ، وشعور كل الأنصار والمهاجرين بتفاهة الخلاف على الرياسة إذا قيست بالواجب الأعظم الذي يواجههم وهو حماية الإسلام الناشئ من الزعزعة ، كان ذلك هو السبب الذي حمل الجميع على قبول ذلك الانتخاب مع مافيه من نقص ، ليفرغوا اولا للنظر في مسيرهم بعد مصابهم العظيم في موت النبى عليه الصلاة و السلام  .

فاحترام أجيال المسلمين لشخص أبى بكر وأشخاص سائر صحابة النبى عليه السلام والسلام جعلهم كلهم يرددون عبارات التقديس لذلك العصر ، إلى حد أنهم يعدونه المثل الأعلى للحكومة الجمهورية القائمة على الإختيار الحر الصريح . ولكن الحوادث نفسها تدل على أن انتخاب أبي بكر لم يكن مثل رأي العرب ، بل إنه لم يكن ممثلا لرأى كل الأنصار والمهاجرين أنفسهم ، بل إن أبا بكر نفسه كان يحس في قرارة نفسه بأن الدولة تتعرض للزعزعة الخطرة إذا أبيح للعرب أن يتنازعوا على انتخاب الخليفة كما اعتادت الأحزاب فى

الأمم أن تتنازع عند انتخاب رؤسائها . ولهذا عهد قبل موته بالخلافة إلى عمر بن الخطاب بغير أخذ رأى أحد من المهاجرين أو الأنصار ، وبغير اتخاذ أي مظهر من مظاهر إشراك الأمة العربية في مسئولية الاختيار .

وقد كان عمر بن الخطاب من خيرة الصحابة بغير جدال ، ولسنا نتعرض لشخصه أو جدارته بالخلافة . ولكنا لا نملك إلا أن نقرر الحقيقة ، وهي أن اختياره جرى على الطريقة التى كان بعض أباطرة الروم يعمدون إليها بأن يولوا عهدهم من يثقون هم فيه ، وقد كانت تلك الطريقة دائما معرضة للأخطار ، وكثيرا ما أدت إلى أسوأ الآثار ، لأنها لا تتعدى أن تكون فرض إرادة الخليفة القائم على الأمة كلها .

ولم يكن الخليفة عمر بن الخطاب بأحب الرجال إلى الأنصار والمهاجرين ، وكذلك لم يكن بلا شك أحب الناس إلى القبائل الأخرى البعيدة في وديان الجزيرة وصحاريها . بل لقد كان عمر بن الخطاب نفسه يعرف أنه غير قريب إلي قلوب الناس ، لأنه بعد أن تولى الخلافة اتجه مخلصا إلى الله وأخذ يدعوه في حرارة أن يحببه إلى الناس ويحبب الناس إليه . فتولية عمر بن الخطاب كانت تعيينا وفرضا لا اختيار فيه . ولا شك أن مجال القول فسيح في الدفاع عن هذا المسلك الذي سلكه الخليفة أبو بكر ، فالظروف كلها كانت تجعل هذا الاختيار ضروريا موفقا . ولكن الأمر الذي نريد توجيه النظر إليه هو أن خلافة . عمر كانت أبعد الأشياء عن أن تكون نتيجة اختيار أو انتخاب .

فالخلافة الإسلامية في مدة أبى بكر وعمر لم تكن وليدة شورى صحيحة او انتخاب حر ، بل كانت فرضا أو ما يشبه الفرض والتعيين .

ومن السهل أن نتتبع سيرة اختيار الخليفتين الثالث والرابع ، لنرى أن تقاليد الخلافة الأولى كانت من أول الأمر قائمة على الخضوع للظروف ، ولم تكن نتيجة السير

على مبدأ معترف به من حق الأمة في اختيار خليفتها.

ومن ثم يظهر أن اتجاه الأمم الإسلامية في حكوماتها المتعاقبة نحو الخضوع للظروف العملية ، وانعدام مبدأ وجود مبدأ سلطان الأمة وحقها في اختيار حكامها إنما هو مبدأ قديم تمتد أصوله إلى أول أيام الخلافة الإسلامية .

فإذا نحن أردنا اليوم في حياتنا الحاضرة أن ننظر إلى شئون الحكم ونطمع في أن نقيم لأنفسنا نظاما جديدا يكفل تحقيق سيادة الأمة - إذا أردنا أن نجارى الأمم الحديثة في نظمها الديموقراطية وأن نضع الأسس المتينة التى نستطيع في المستقبل أن نبنى عليها حرياتنا ، فعلينا ألا نغالط أنفسنا فنزعم أننا إنما نريد إحياء ماضينا البعيد في الخلافة الإسلامية الأولى .

بل إنه يتعين علينا أن نعترف بأن أجيال ذلك الماضى قد اتجهت كلها نحو الخضوع للظروف العملية ولم تتشبع يوما بمبدأ سلطان الأمة وحقها في اختيار حكوماتها . فمن الضرورى أن نعمد إلي مقاومة آثار الماضي لا تقويتها ،

والبدء من جديد في وضع أسس الديمقراطية ، وإشباع النفوس بها حتى تستعد الأمة في المستقبل إلي التمسك بحقها في فرض سلطانها . وآثار الماضى تملأ حياتنا ، بل إن حياتنا كلها ما هي إلا تطور من ذلك الماضى ، سواء كان بعيدا أو قريبا ؟ فإذا أردنا أن ندرك حقائق حياتنا الحاضرة كان علينا أن ندرك حقائق الحياة الماضية التي أثرت فينا ولا تزال حية في كل نظامنا وآرائنا ونظراتنا وتقاليدنا . ولا يجدر بنا ان نغرر بأنفسنا ، فنؤول ذلك الماضى تأويلا يرضى كبرياءنا ، فإن ذلك يجعل نظرتنا إلي الحاضر غامضة او مضللة .

والآراء تتغير من جيل إلى جيل ، فلا مفر لكل عصر من أن ينظر إلى الماضى بعقليته حتى يفهم حاضره بتلك العقلية نفسها .

ومن أوجب الواجبات لنا أن نعيد النظر من جديد إلى تاريخنا فنحلله ونحيى صوره ، ونري مناحى اتجاهاته ، فذلك وحده هو الذي يهدينا إلى فهم حاضرنا على حقيقته .

اشترك في نشرتنا البريدية