الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 399الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش, حكايات من الصين

Share

أضاف الكاتب الأديب الأستاذ عبده حسن الزيات كتيبا جديدا إلي المكتبة العربية . ذلك هو كتاب " حكايات من الصين ". ومن قبل كان الأستاذ قد أمد هذه المكتبة بنحو مائتى حكاية من الهند في مجلدين جعل عنوانهما " حكايات من الهند " .

وإذا كان من غايات الأدب التعبير الجميل عن المعنى الجميل ، فإني أعتقد أن الاستاذ قد نقل إلينا عن الهند وعن الصين تحفا أدبية رائعة . فليس أنبل في المعنى من الحكمة وليس أجمل في التعبير من الأقصوصة . وهذه الكتب التي قدمها لنا الأستاذ هي مجموعة من الأقاصيص التي تعبر عن أروع المعاني الإنسانية

وليس من أغراضي في هذه الكلمة أن الخص شيئا من هذه القصص أو أن اعلق عليها ولكني اريد ان أضيف إلي هذه الأقاصيص أقصوصة وقعت بين الأستاذ المترجم وشقيقه . تلك هي الاقصوصة التي قدم بها الاستاذ كتيبه الجديد إلي القراء . وهي عندي من امتع قصص الكتاب وإن كانت قصة مصرية صميمة لاشأن لها بالصين ولا بالهند

فالأستاذ على ما يبدو لي كان قد أهدى شقيقه مجلة الكاتب المصري " فاطلع في عدد من أعدادها على مقال الدكتور طه حسين بك عن النساء في كتابة فولتير " وقد عرض الدكتور طه في ذلك المقال لكتاب من كتب فولتير هو قصته المشهورة المعروفة باسم ( زاديج ) ورأي ان يلخص تلك القصة في مقاله تلخيصا سريعا بأسلوبه الخاص ، فذكر عن بطل القصة - زاديج - أنه هم أن

يتزوج فخطب فتاة أحبها كل الحب وهي سمير . وانه خرج معها ذات يوم يتروضان في ظاهر المدينة . وكان لها عاشق من الامراء هم أن يخطفها ، فأبلي زاديج في الدفاع عنها بلاء حسنا حتى استنقذها . ولكن سهما أصابه قريبا من إحدي عينيه ؛ فلما أيأس الأطباء سمير من شفائه صدت عنه وقالت إنها لا تحب العور ! ثم تسلي عنها زاديج وتزوج من فتاة أخري فتنت به أشد الفتنة . وكونت لنفسها في الحب رأيا صارما حازما - إذ كانت تري أنه رباط مقدس بين الرجل والمرأة يقوم على الإخلاص المطلق والوفاء الشديد . وأقبلت ذات يوم على زوجها ساخطة أشد السخط . فلما سألها عن ذلك أنبأته بأنها ذهبت تعزي إحدي صديقاتها عن موت زوجها . وكانت هذه الصديقة مشغوفة بزوجها قد نذرت الوفاء لحبه ما دام الجدول المجاور لقبره يمضي في مجراء . وقد أقامت على قبره لا تريد أن تفارقه ولكن صاحبتنا في ذلك اليوم رأتها تصنع شيئا عجيبا . رأتها تعمل على تحويل الجدول عن مجراه لتخلص من هذا النذر الثقيل .

واحدثت هذه القصة اثرها في نفس زاديج وزعزعت ثقته في قدرة النساء على الوفاء ورأي أن يمتحن امرأته الحبيبة في ذلك . فاحتال مع صاحب له وفي ليعلم علمها ، واظهر المرض ، وتكلف الموت ، ودفن في حديقة الدار وأقبل صاحبه - طبقا اللخطة الموضوعة - على الأرملة بواسيها ويسليها . فكان الحديث حزينا أول الأمر ، ثم جعل يرق شيئا فشيئا ويعذب قليلا قليلا حتى انتهى إلي ما يشبه الحب . ثم أظهر الصديق أن نوبة شديدة من المرض قد انتابته . فتعطف عليه الارملة وتريد ان تطب له . ولكنه بنبئها بأن الطب له مستحيل ، فليس إلي علاجه من سبيل إلا أن يوضع على موضع الطحال منه أنف مجدوع . فتشك غير قليل ثم تقول لنفسها : وأي بأس على زوجي الفقيد إن لقي الآلهة بأنفه كاملا أو منقوصا ! ثم تهبط إلي

الحديقة وفي يدها حديدة تريد أن تجدع بها أنف زوجها الفقيد لتشفي طحال عاشقها الجديد ؛ فيهب زاديج من رقدته وقد تبين ان زوجته التي همت ان تجدع انفه أشد قدرا من تلك التي لم تستطع صبرا على ما نذرت من الوفاء

هذا هو تلخيص الدكتور طه لقصة زاديج . وقد رأي بعد ان فرغ من إيراده ان يعلق على القصة بكلمة أو كلمتين فقال :

" وفي هذه القصة شئ من الشرق لأن القصة نفسها شرقية قد ترجمت فيما يقول فولتير لمدام دي يومبادور من العربية مع ألف ليلة وليلة ونقلها هو إلي الفرنسية . ولكن امثال هذه النماذج النسائية التي ضمها فولتير لقصصه ليست لها من الشرق إلا ايسر المظاهر . فالنساء اللاتي يعرضهن فولتير في هذه القصة غريبات السيرة والتفكير . يعشن جميعا في القرن الثامن عشر الفرنسي . وأكبر الظن أن كل واحدة منهن ترمز من بعيد أو من قريب لامرأة عرفها فولتير أو عرف من امرها القليل او الكثير " .

فلما فرغ شقيق الأستاذ الزيات من قراءة هذا المقال لم يعجبه ما قيل فيه من أن القصة عربية وبعث إلي شقيقه برسالة يقرر فيها أنها قصة صينية لأنه قرأ ملخصا لها في كتاب صغير اسمه حكايات من الصين وارسل فسخة من هذا الكتاب إلي شقيقه فعلا . وهكذا ظفرنا نحن القراء بترجمة لهذا الكتاب الصغير وكان من وفاء المترجم لهذه الظروف السعيدة التي اوقعت تلك ( الحكايات ) في بدء ان عمد إلي الأقصوصة الصينية الاصيلة التي عنها اخذت قصة فولتير عناصرها فجعلها في صدر مجموعته وجعل عنوائها قصة تشويج تزو " .

ونحن نري  إتماما للفائدة أن نضع هيكل هذه الأقصوصة الصينية إلي جوار اقصوصة فولتير ليتسني للقاري ان يقارن بينهما ويستخلص لنفسه ما يشاء

فقد كان تشونج هذا رجلا حكيما كتب له أن يكون في الخالدين ، ولم يمنعه من مغادرة أرض الناس هذه ليلحق بالخالدين في دارهم الأخري إلا حبه الشديد لزوجه الشابة الحسناء التي لم يكن بقوي علي التخلي عنها . وفي ذات يوم وهو يسير في سفح بعض الجبال المحيطة بمنزله رأي شابة جميلة يجملها السواد وهي تجلس على قبر حديث ما يزال تراه رطبا نديا ، وفي يدها مروحة تروح بها علي هذا التراب تريد أن تجففه . فدهش الحكيم لعملها وسألها : فيم تصنع ! فأنبأته أن هذا غير زوجها الحبيب الراحل . وأنه كان لحبه اياها قد أوصاها قبل موته ألا تقترن بغيره قيل أن يجف تراه وأنها تستحت بمروحتها هذا الثري ليجف حتى تكون في حل من الزواج . فأكب الحكيم علي القبر ليعينها على تجفيفه . ولما فرغ من ذلك قدمت له الأرملة الصغيرة مروحتها تقديرا لصنيعه الجميل . وعاد الحكيم إلي منزله محزونا وفي يده المروحة . فانهالت عليه زوجه بالأسئلة - كدأب بنات حواء - تريد أن تعرف لمن هي وكيف صارت إليه . فلما أنبأها بنبئها اشمازت ، وأبدت دهشتها لوجود مثل هذه ال المرأة النادرة بين الناس . ولكن تشونج الحكيم كان أحكم من أن يثق في تلك العواطف التي جاشت بها نفس زوجه . وعلي الرغم من أنها قامت إلي المروحة فمزقتها أربا ، وعلى الرغم من أنه كان يعتقد أن جبلة النساء من طينة واحدة ، فإنه رأي أن يعتذر لزوجته من تأثره من صنع تلك الأرملة . وأبدي سروره لما قالته زوجته من أن المرأة الصالحة لن تسمح لنفسها أن تكون لبعل جديد ، وانه لو قبض زوجها الحكيم قبلها لظلت مخلصة لذكراه إلي الأبد . .

ودارت الأيام دورتها ومرض تشونج ، وساءت حاله ، فسهرت عليه زوجه لم تغادره ليلا ولا نهارا . وقد أشفت على الهلاك من تفانيها في خدمته . ولكن جهودها كلها ذهبت أدراج الرياح . ولفظ الحكيم العظيم انفاسه الأخيرة

بين يديها ، وهي تؤكد له انها تود لو سمح لها ان تقتل نفسها أمام عينيه ليعرف مبلغ حبها له

وظل أتباع الحكيم يترددون علي داره بعد موته يقدمون لجثمانه احترامهم . وظلت الزوجة على عهدها لا تري في الدنيا غير آثار هذا الزوج العظيم الراحل . ولا تجد أنسا عند أحد من تلاميذه الذين ملأوا عليها الدار بعد وفاته ، حتى كان اليوم السابع حين أقبل أمير شاب جميل الطلعة قال إنه جاء يلتمس العلم عند الأستاذ الكبير أما وقد أدركه بعد أن قضي نحبه فإنه سيحيي من أجله ( أشهر الحداد الثلاثة ) وهو أقل ما ينبغي على تلميذ نحو معلمه ثم إنه خلع ثيابه الجميلة المزركشة وارتدي بدلا منها ثيابا خشنة ، وبعد أن أدي مراسم الاحترام لجثمان الحكيم أبدي رغبته في مقابلة السيدة ليقدم دم لها من الاحترام مثل ما قدمه لمعلمه فأقبلت عليه . فبهرها حسنه وأكبرته وفتنت به ولما رأته يبحث عن غرفة قريبة من المنزل يحيى فيها ( أيام الحداد ) عرضت عليه أن يقيم معها في دارها . وهيأت له الغرفة التي تجاور غرفة زوجها التي تضم رفاته العزيز وكانت بعد أن تقدم إلي جسد زوجها كل صباح شعائر الولاء تعرج على غرفة الأمير تتحدث إليه مليا . وقد شغفها حبا وهيج من حبها أنها لم تكن تستشعر منه أنه يبادلها شيئا مما تحسه نحوه من هذا الحب القوي العنيف . وأخيرا لجأت لخادم الأمير ووعدته بجائزة سنية إذا هو أفلح في توجيه الأمير نحوها وإغرائه بالزواج منها . وشاء الله أن يفلح هذا في سفارته ، وأن يعود إليها مملوء اليد . فاستخفها الطرب وكادت تطير من الفرح . ولكن الأمير كان قد أشار إلي قيام بعض الصعوبات التي قد تعطل هذا الحادث السعيد شهورا أو أياما فمن ذلك أن جثمان الحكيم لم يدفن بعد وبقاؤه في الغرفة المجاورة يجعله كنذير السوء لهذه الزيجة المباركة إن شاء الله ومنها أنه إنما قدم ليري أستاذه دون أن تجول بخاطره أية سائحة عن الزواج ، فمن

الصعب عليه ان يواجه الآن مقتضياته . ومنها ان تشونج كان رجلا ممتازا علي الصفات ، وهو يخشى ان لا تجده السيدة كفؤا لها حين توازن بين قديمها وحديثها

فاسرعت امرأة العزيز الراحل إلي تفنيد هذه الأمور : فعن الأمر الأول قالت إنه يوجد منزل صغير خلف منزلها ، ومن السهل نقل الجثة إليه . أما من الأمر الثاني فانها قالت إن الزواج مادام سيتم في منزلها فعليها هي - لا علي الأمير - أن تقوم بتدبير كل شئ . وأما عن الأمر الأخير فانها قالت إنها تريد ان تعلن في صراحة رايها الحقيقي في زوجها الفقيد فان كان في الواقع رجلا سئ الرأي ضعيف التدبير ، وذلك فوق أنه لا ينتمي إلي مثل ذلك البيت العالي الذي ينتمي إليه الآمير

وفي تلك الليلة بالذات حمل الخادم الجثة إلي مقرها الجديد تمهيدا لإتمام مراسم الزواج . وارتدت الأرملة أصلح ثيابها ، وازدانت الدار بكل ما فيها من مصابيح . ونثرت الزهور الجبلية العبقة حول فراش الزوجية ، وأضاءت حوله الشموع المعطرة . ولكن ما كاد يلتئم جمع العروسين حتى حلت بالأمير نوبة مرض خطير تركته طريحا في الفراش على هيئة الموتي فذهلت السيدة ولم تدر كيف تواجه هذا الخطب . فأقبل عليها الخادم ينبئها ان مثل هذه النوبة تتناب الأمير من حين إلي حين ، وانهم كانوا يعالجونها في بلاده بإعطائه بضعة من مخ إنسان ممزوجة بخمر دافئة وكانوا هناك يلتمسون تلك الامخاخ عند من يكون قد صدر الحكم بإعدامهم جزاء على ما اقترفوه من الجرائم الغليظة . أما هنا في وسط الجبال فكيف السبيل إلي العثور على هذا الدواء النادر

ففكرت السيدة قليلا ثم سألت ؛ الا يصلح مخ أي رجل للعلاج ؟

فنبأها الخادم بأنه يشترط على الأقل أن لا تكون قد انقضت سبعة أسابيع على وفاة صاحبه

فقالت في سرور وفرح : ولماذا إذا لا ننتفع بمخ شونج !

وأسرعت إلي بلطة قوية كانت في الدار وتناولت شمعة في يدها . وقصدت إلي المنزل الصغير حيث يرقد شونج ، ووضعت الشمعة على طرف الصندوق . وعمدت إلي طرفه الآخر فانهالت عليه بضرات سريعة حطمت غطاءه ولكن امرا مروعا وقع لها في تلك اللحظة . ذلك انها رأت شونج يرفع رأسه من تلك الفجوة وقد وقعت عيناه علي عينها فجعلها تثبت في مكانها كانما دقت في موضعها ذاك بالمسامير . وبرز الرجل من صندوقه . وسار إلي منزله فتبعته والشمعة في يدها وهي تلهث من الرعب والخجل . ودخل إلي حيث كان الأمير وتابعه . وما كان أشد دهشة الزوجة إذ لم تجد أحدا منهما فسري عنها وأسعفتها بديهتها بإيجاد حل لموقفها علي ضوء هذا الواقع الجديد فأقبلت على زوجها تمسح رأسه وتقول له : لقد خيل إلي أني كنت أسمع صوتك ينبعث من صندوقك . والليلة لم أطق صبرا على هذه الحال ، فاحتملت فأسي لأفتح الصندوق ، وما أسعدني إذ أراك مرة ثانية إلي جانبي !

فقال الرجل : هذا لطلف عظيم ! ولكن ما سبب ارتدائك لكل هذه الثياب الجميلة ؟ قالت في عناد وإصرار وثبات : هذه عادة الناس منذ أزمان إن أرادوا ان يتهيأوا لاستقبال موتاهم إذا انشروا من جديد .

قال شونج : ولكن لم افهم بعد لماذا وضعتني في المنزل الخلفي القديم ؟ أكنت تجديني لا أبعث إلا فيه ؟ !

وبهتت الزوجة لهذا السؤال . وأحست بحركة خلفها فاستدارت فرأت الأمير وخادمه يدخلان الغرفة في هدوء . فأدركت ان التجربة كانت قاسية وأنها لا تقوي على احتمالها . وانها افتضحت وانكشف من امرها ما لا سبيل إلي تغطيته . فخرت على الأرض وباتت ليلتها مريضة وفاضت روحها قبل الصباح

اما شونج فإنه بعد ذلك اشعل النار في بيته وانطلق عبر الجبال فلم يره بعدها إنسي . وقيل إنه ذهب إلي أرض الخالدين !

هذه أقصوصة الصين . وإن الإنسان ليراها جائمة خلال سطور الأقصوصة الأخرى التي رواها الدكتور طه عن فولتير . والتي قال فولتير إنه استقاها من العربية ، فكان هذا القول العابر باعثا على ظفر العربية بالترجمة الصحيحة لتلك المجموعة الرائعة من " حكايات الصين " .

وبقي أن نقول مع الإعجاب إن مثل هذه النتيجة السعيدة لم نكن انظفر بها إلا من اخوين يتهاديان الكتب وبناجي أحدهما شقيقه في خطاباته الخاصة يبحث في الأدب .

اشترك في نشرتنا البريدية