الحب نور ونار
الحب خيوط من نور ، منها تنسج البرود الانسانية موشحة بشعار الرحمة وتذوق الجمال .
الحب قطعة من النار المتأججة ، تأكل وعاءها إن لم يقاومها ، فان كان قلبا تركته ركاما لاخير فيه .
الحب شعلة تنير القلب وتهديه سواء السبيل ، قد تخبو فيغدو القلب صلدا مظلما ، وإن اضطرمت يوما وازداد لهيبها أحرقته وخلفته رمادا تعبث به الرياح .
الحب شعار الإنسانية ، وهو منبع ويلاتها : شعارها إن كان ساميا لا يستهدف شرا بالأخرين ، وهو منبع ويلاتها إن كان انانيا تمليه الشهوات الدنيئة وتغذوه الفكر الباطلة .
لقد قرأ ألماني " صديق " قبل انتهاء الحرب ، ما يكتب في البلاد التي يحتمي فيها من طغيان كان يسود امته ، قرأ كل ما يكتب في بلاد " الأمم المتحدة " عما يجب أن تعامل به المانيا إذا ما انتهت الحرب ، وسمع كل ما يقال عن خطط ؛ الحلفاء " في احتلال بلاده احتلالا عسكريا
وثقافيا ، احتلالا يقلع الميل إلي الحرب من نفوس أبناء جلدته ، ويبدد الفكرة النازية من قلوبهم ، وينزع ما علق في جماجمهم من " حب " السيطرة والاستعلاء . نعم قرأ " الألماني الصديق " وسمع كل ذلك ، فأخذ يكتب : " . . إن هتلر انتزع من قلوب الشباب الالماني " الحب " وانتزع من رؤوسهم الفكر ، انتزع ذلك الميل الغريزي في عقل الإنسان إذا سمع امرا ان ينظر وينقد ، لا أن يصغي ليطيع " .
انتزع من قلوب الشباب الألماني " الحب . . " هكذا قال ذلك الألماني ، فأي حب هذا الذي يرثيه ويندبه ؟ ! أحب السيطرة والغلبة ؟ أحب السيادة والاستعمار ؟ أم حب المانيا وهي فوق الجميع ؟ إنه لا شك يريد " بالحب " الحب السامي ، حب الاخرين ، حب الضعفاء والمساكين ، الحب الذي يعلم الرحمة وفعل الخير ، الحب الذي يدرك الجمال اني كان ، الحب الذي لا يفرق في الحقوق بين البشر ، الحب الذي كان شعار الإنسانية وأصبح اليوم أملها المنشود .
ثم تابع الألماني كتابته ناصحا رجال الأمم المتحدة قائلا لهم : " . . عليكم في السلم القادمة ان تعيدوا إلي أولئك المساكين ما اخذ من رجولتهم ، وانتزع من إنسانيتهم ، أعني الفكر حرا طليقا يمارسه المرء اختيارا كما يمارس الشراب والطعام ، والغدو والرواح ، والنوم واليقظة ، لا يقف شئ منها عند مقدار ، ولا يحد شئ منها بميعاد " .
لقد كتب الألماني هذه الجمل والتفت إلي من يقترح على الأمم المتحدة ان تضع بنفسها الكتب التي ستفرض على النشء الألماني ليتعلم الحق منها ، وخاطبهم بقوله : " . . دعوا ما تزعمون وضعه من كتب للنشء الألماني . ثم علموهم " الحب " كيف يكون ، أوقدوا فيهم جذوته ، تحرق ما في قلوبهم من خبائث . علموهم حب
الآباء والأمهات ، علموهم حب الطبيعة ، وحب الموسيقي ، وحب الكتاب الممتع ، وحب تلك الأشياء الكثيرة الضئيلة الجميلة ، التي يأتيها الناس صباح مساء فتبهج القلب الإنساني وتضيء الحياة .
هذا ما رواه لنا الأديب البحاثة الدكتور أحمد زكي عن لسان ذلك الآلماني قبل بضعة اشهر ، قرأته يومئذ فأعجبت بالبيان الرائع يترجم لنا الوطنية الصادقة ، والفلسفة الإنسانية العميقة ، فلسفة الحب السامي كيف يوقد في القلب فيا كل ما فيه من حب شرير ، من حب يفرق بين الانسان واخيه ، من حب يبيح التعدي على الضعفاء ويحد من حرياتهم ، من حب اناني لا تحترم معه حقوق الآخرين . .
نعم كنت قرأت ما نشره الدكتور أحمد زكي بك في " الثقافة " وقد عدت إليه اليوم بعد ان قرأت تعليقه على حوادث " دمشق " . عدت إليه وقد علقت بمخيلتي صورة " الدولة الكسيحة تقوم على احد عكازيها لتضرب بالعكاز الآخر " صورة فرنسا التى كانت إلى امد قريب جاثية على ركبتيها تقبل اقدام المحتل الجبار ، تمثل اليوم دور الذليل إذا انتصر .
لقد انتهت الحرب بسيادة الحرية على الطغيان ، فأبت فرانسا إلا ان تحشر نفسها مع المنتصرين وتلبس لباسهم ، وأبي رجالها إلا كشف البراقع عن وجوههم ، فعرف العالم منها صورة فرانسا الحقيقية ، ليلة صوبوا بقية مدافعها إلي مدينة دمشق النائحة على ضفاف بردي ، وأرسلوا طائراتها المستعارة تمطر السكان الآمنين وابلا من قنابلها المحرقة ، وبعثوا جنودها الذين جبنوا يوم باريس يروعون نساء الشام ويعيثون بأرضها نهبا وإتلافا وإحراقا وفسادا .
أجل إن الحرب انتهت في أوربة ، فظن العالم أن ) النازية ( قد قضى عليها ، ولكنه فوجيء بحوادث سورية فعرف أن الفكرة النازية لم تمت في بعض الدول التي
ما زال حب الاستعمار بأساليبه ) البالية ( يسيطر على عقول رجال الحكم فيها
إن الواجب الديمقراطي الذي ألقاه المنتصرون على أنفسهم في هذه الحرب ، و بدأوا تنفيذه بالإشراف على توجيه الثقافة في البلاد المحتلة الوجهة الصحيحة ، يقضي عليهم بألا يغضوا الطرف عن دولة مثل فرانسا اتقنت دور المهادن المخذول ، ولم تستطع أن تظهر معهم بدور المنتصر الكريم بعد أن أعاروها ارجلا تمشي عليها وأيدنا تبطش بها .
إن دولة فيها رجال استهانوا بالحريات التي مشي العالم وراء الحلفاء من أجلها ، وبالمبادئ التي سفكت دماء الملايين من أجل تحقيقها للشعوب على اختلافها ، وبالأمم يجتمع مندوبوها لإقرار السلام في العالم ، لهي خطر على الحياة الديمقراطية ، وخطر على مبادئ الإنسانية السامية ، وخطر على الأخلاق الدولية المثالية ، يجب الحذر منه والقضاء عليه .
إن واجبا إنسانيا ودوليا ينادي الحلفاء بضرورة فتح العقول الفرنسية بمباديء التسامح واحترام حريات الناس ، ويقضي عليهم بالعمل على نزع الفكر والأساليب النازية من جماجم رجال الحكم الفرنسيين ، وغرس بذور الحب السامي في قلوبهم ، لا ، بل إنهم يخدمون فرانسا أجل خدمة ) إذا ارسلوا إليها مبشرين يعلمونها ابسط قواعد الإنصاف والعدل ، القواعد التي تكفي واحدة منها للقضاء على الاثرة وحب التعدى ، واحدة كالتي في قول السيد المسيح ) وكما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم أيضا بهم هكذا ( .
إن فعل الحلفاء هذا فسيخدمون الانسانية خدمة تخفف من الآلام والمصائب التي صبت على رأسها بفعل ابناء اشتعل في قلوبهم الحب الشرير ، الحب الأناني الأعمى ، ولا يحبون ان يطفئوه إلا بالافتئات على حقوق غيرهم من المستضعفين .
حمص

