إدارة الدعاية في وزارة الشؤون الاجتماعية
جاء في الصحف أن إدارةً للدعاية أنشئت في وزارة الشؤون الاجتماعية، وأنها تشرف على الفرقة القومية والمسارح المختلفة، وعلى دور السينما وقاعات الغناء، وعلى برامج الإذاعة، وعلى قيام المهرجانات الشعبية، وأن مدير هذه الإدارة هو الأستاذ توفيق الحكيم.
هذه إدارة جديدة تنشأ، ومهمتها معينة، ومديرها معروف. أما مهمتها فصيانة الدولة مما يضّر بها، والأمة مما يفسدها. وأما مديرها فمن الشباب الذين عرفوا الاجتهاد والروّية، فنالوا قسطاً وافراً من الثقافة العامة بما شهدوا في إقامتهم بأوربة، وما علموا من طريق القراءة المفيدة. وعلى هذا، فإنشاء هذه الإدارة يوافق ما جاء في خطاب رئيس الوزراء من السعي في تقويم معوجّات الأمة، والاعتماد على أهل الدراية والخبرة ممن سلِموا من (الخدر والنعاس) . . .
في رأيي أن إدارة الدعاية، يحق بها أن تُعنى بأمورٍ أربعة: الأول: تنشيط الهمم وبث الهزّة القومية في الأنفس. والثاني: تهذيب الشعب من باب التسلية. والثالث: بسط الرقابة الشديدة على أعمال إدارات المسارح والإذاعة وغيرها. والرابع: خدمة الفن الخالص. . .
أما الأمر الأول فيتطلب، أول ما يتطلب، مناوئة طرائق الغناء المستبد بآذاننا، فقد أجمع الكتاب أن التلاحين السيارة رخوة أي رخاوة حتى إنها تفتك بالعزم؛ فيتسرب الثقل في همة النفس والبطء في نهضة الأعضاء فضلاً عن انتشار الملالة،
وبالشعب حاجة إلى ما ينعشه ويمضيه، فإنه أصبح مسئولاً عن حرمة الأرض التي يضرب فيها بعد أن كان على غيره متكلاً كل الاتكال. فلتضرب إدارة الدعاية على أنامل العازفين ولهوات المغنّين، وتأمر بالحماسيّات، وتخطو الطيّ والليّ والنواح، و (الشخلعة) . وإذ اللحن مرتبط باللفظ الملحن فلتفتش الإدارة عن الناظم الذي لم يأكل نَفَسه وجد مصنوع أو فتور مقيم. والهوْة القومية تبث في الأنفس من طريق المسرحيات، و (الأفلام) التاريخية خاصة، إذ تجري حوادثها في عهد السلطان الواسع والدولة المتمكنة، ومن طريق المحاضرات الموَّجهة، ثم من طريق المهرجانات، حيث تنتشر الأعلام وتعزف الأناشيد، ويصطف الجند وتلقى الخطب الحماسية؛ وقد شهدت نوعاً من هذا في محافل نورمبرج النازية.
وأما تهذيب الشعب من باب التسلية فبتنظيم المحاضرات السهلة الجذابة، ومدارها مبادئ علم الصحة والأخلاقيات، والوطنية، وبتمثيل مسرحيات مؤدبة باللغة العامية على أن تكون غير مرذولة.
وأما بسط الرقابة الشديدة على أعمال إدارات المسارح والإذاعة وغيرها فالمقصد منه وضع الشيء موضعه: فلا يهضم حق مؤلف أو ممثل أو مغن، ولا يفضل هذا على ذاك بغير حق، ولا يُبعَد مخرج قدير لسبب لا يتصل بمجرى عمله، ولا ينفق مال استهواء للصحافة التي لا وزن لها، ولا تشترى مسرحية ثم لا تمثل، ولا يتسلط مغن أو عازف لأنه ذائع الصيت إذ من حق الكفايات كلها أن تعجم فتستثمر. . . هذا قليل من كثير.
بقيت خدمة الفن الخالص. فإذا قلتَ إن الفن الخالص خاص (أرستقراطي) فلا خير فيه للأمة، قلتُ إن في الأمة جماعة من أهل الثقافة اللطيفة فلابد لهم من غذاء، بل بالأمة حاجة
أن يقال إن فيها من الكتاب من هو منجذب إلى الإنشاء الرفيع ومن الموسيقيين من يكره الأنغام المطروقة والحيل الموروثة الموقوفة، ومن الراقصين أو الراقصات من يأنف هز الكتف ورفع البطن وخفض الردف، فإنما صيت الأمم يعلو ويستطير بفضل أهل الفن الخالص السامي، على وجه العموم؛ وهل يضر مصر أن يعلو صيتها؟
هذا ويلحق بالفن التصوير والنحت فلِمَ أسقطتهما إدارة الدعاية من الخطة التي رسمتها؟ وفي مصر فئة من المصورين والنحاتين لهم أن يظفروا بالتقدير والرعاية، فهذه معارضهم لا يلتفت الناس إليها كثيراً، وعلى مثل الصديق توفيق الحكيم أن يرشد الناس إلى قدر الصور والتماثيل.
وفي مأمولي أن يفلت هذا الفن الخالص (وكذلك العلم الصِّرف) من القيود المختلفة وينجو من سطوة الأوضاع التقليدية أو المذاهب السياسية حتى لا يهزل هزلته على يد ألمانية الهتلرية حيث النازية حكمت على كثير من ألوان الفنون المستحدثة بأنها شر وفساد.
(الإسكندرية)
