الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 184 الرجوع إلى "الثقافة"

على هامش كتاب التصوير عند العرب :، الأصنام عند العرب، في الجاهلية، بقلم الدكتور زكي محمد حسن

Share

أخرجت لجنة التأليف والترجمة والنشر هذا العام كتاب التصوير عند العرب الذي خلفه المغفور له أحمد تيمور باشا . وقد أتيح لي إتمام هذا الكتاب بدراسات فنية وزيادات وتعليقات ، منها عشرون صفحة في حكم التصوير في الاسلام . وتحدثت في هذا الصدد عن تحريم التصوير عند اليهود وما ينسب إلي ذلك من تأثير في الاسلام ، وعن حكم التصوير في المسيحية ومذهب الأيكونوكلازم الذي كان أتباعه أشد أعداء الصور والتماثيل ، وشرحت أسباب كراهية التصوير في الاسلام ومنها النفور من مضاهاة خلق الله ، فالتصوير منسوب إليه تعالى في القرآن الكريم والأحاديث النبوبة يظهر فيها الفزع من مضاهاة خلق الله . وأشرت إلي أن كراهية التصوير أثر من التقشف والبساطة ، فالتصوير عند الكثيرين - إلي العصر الحاضر - من أنواع النشاط الكمالية . وقد كان الكلام والبلاغة أقرب الفنون إلى العرب ، وزادتهم بساطة الاسلام بعدا عن فنون النحت والتصوير ، ولا سيما أن المسلمين كانوا في البداية بعيدين عن الترف والمدنية ، وأن الجماعة الاسلامية الأولى انصرفت عن الدنيا " مرضاة الفقراء رعيتهم وكسرا للنفس عن شهواتها ورياضة لها لتعتاد أفضل حالاتها " . وعرضت لبعد الأمم السامية عن الصور ، ولما كان للصور عند هذه الأمم من أثر سحري يلحقها بالطلاسم . ولكن أعظم ما عرضت له في هذا الصدد

حجج القائلين بأن التصور لم يكن مكروها في عصر النبي عليه السلام ، وان هذه الكراهية نشأت بين الفقهاء في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري ) الثامن الميلادي ( وان الأحاديث المنسوبة إليه موضوعة ولا تعبر إلا عن الرأي السائد بين الفقهاء ، في العصر الذي جمع فيه الحديث ودون . وقد فندت هذه الحجج الواحدة بعد الأخري ، وانتهيت إلي أن التصوير بأنواعه كان مكروها في عصر النبي وفي فجر الإسلام ، ولعل الفقهاء بالغوا في التعبير عن هذه الكراهية بتلك الاحاديث المنسوبة إلى النبي والتي تفيد التحريم الصريح ، وذكرت أني لا أومن بهذا التحريم الصريح ، لأن الأمر ليس في صميم العقيدة الاسلامية ، ولأن تلك الكراهية كان أساسها في اعتقادي الرغبة في إبعاد المسلمين عن عبادة الأصنام والشرك بالله ، وغير معقول ان يقصد بها التحريم المطلق ، ولا سيما بعد أن يبعد عهد المسلمين بالوثنية ويثبت سلطانهم ، ويصبح للتصوير فوائد علمية لا سبيل إلي نكرانها .

وقد قرأ أستاذ جليل من أساتذة الآثار ردي على الحجج التي أشرت إليها ، بعد ان ترجم إلى لغته ، فاعترض على بحجة جديدة ، وقال إنه يذهب إلي ان التصوير لم يكن محرما في عصر النبي ، لان العرب حينئذ لم يعرفوا التماثيل والصور ؛ وإنما اصبحت الفنون التصويرية حراما حينما اتصل العرب بالروم والفرس وعرفوا ما كان عندهم من صور وتماثيل .

والحق أن هذه حجة ليست جديدة ، وإنما فاتتني الإشارة إليها في تعليقاتي على كتاب تيمور باشا ، ولم ينبهني إليها إلا اعتراض هذا الأستاذ الكبير . فان الأب لامانس أدلى بها في المقال الذي كتبه سنة ١٩١٥ في المجلة الاسيوية عن حكم الفنون التصويرية في فجر الاسلام ) ص ٢٤٠ -

٢٤٣ ( فكتب أن خطر التماثيل لم يظهر للنبي ، لأن البيئة التى كان يعيش فيها لم تكن كالبيئة الأغريقية الرومانية التى ازدهر فيها فن النحت ، ولأننا - إذا استثنينا اليمن وبلاد النبط والأقاليم الواقعة على حدود سورية والعراق - رأينا في بلاد العرب عند ظهور الاسلام ديانة فتثية Fetchismc- الآحجار والاشجار ، ولا يصنعون معبوداتهم وإما يتخذونها مما يعثرون عليه في الطبيعة ، فلا ينحتون صورا لآلتهم بل يعبدون كتل الأحجار ذات الأشكال المختلفة - وقد يكون بعضها بارزا في الجبل أو متأثرا بعوامل التعرية تأثيرا يكسبه شبها ضئيلا بصورة آدمية . ويري لامانس أننا لا نعثر في بلاد العرب على تمثال صحيح إلا في اطراف شبه الجزيرة حيث اتصل القوم بالأمم الأجنبية وتأثروا بها .

ولست أنكر أن العرب في الجاهلية كانوا يعبدون الأحجار . " وكان الذي سلخ بهم إلى عبادة الأوثان والحجارة انه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه حجرا من حجارة الحرم ، تعظيما للحرم وصبابة بمكة ، فحينما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة " ) ١ ( وكان بعض هذه الأحجار صخرة مربعة مثل " اللات ) ٢ ( أو لوحا من الحجر الأبيض كذي الخلصة ) ٣ ( أو صخرة طويلة مثل " سعد " ) ٤ ( أو نتوءا في الجبل " كأنه تمثال إنسان " مثل " الفلس " ) ٥ ( . كما كان العرب في الجاهلية يعبدون بعض البيوت ويعظمونها تعظيمهم الكعبة ، ومن هذه البيوت " ريام " ) ٦ ( في صنعاء ومثل

كعبة بني الحارث بن كعب بنجران ) ١ ( وكعبة إباد بسنداد من أرض بين الكوفة والبصرة ) ٢ ( وكنيسة القليس في صنعاء

ولكني لا أشك أبدا في خطأ القول بأن العرب لم يعرفوا الأصنام على هيئة الإنسان إلا في اطراف شبه الجزيرة . فالحق ان مؤرخي العرب الاقدمين ، وعلى رأسهم ابن الكلبي المتوفي نحو سنة ٢٠٤ ه ) ٨١٩ م ( ، ذكروا بين الانصاب التي كانت العرب تعبدها تماثيل على صورة الإنسان ، في الحجاز وفي الكعبة نفسها : منها هبل ، " وكان من عقيق أحمر على صورة الانسان مكسور اليد اليمني ، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدا من ذهب " ) ٤ ( ومنها إساف ونائلة ، وقد زعموا انهما كانا رجلا وامرأة من جرهم دخلا الكعبة ، فوجدا غفلة من الناس واتيا المنكر ، فمسخا حجرين ووضعهما العرب عند الكعبة ليتعظ الناس بهما ، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام عبدا معها ) ٥ (

وفضلا عن ذلك كله فقد اختلف اللغويون والكتاب في تعريف الأصنام اختلافا يظهر منه أن العرب عرفت التماثيل كما عرفت الأنصاب الطبيعية " فقالوا ما كان من حجارة تعبد فهي الانصاب ، فاذا كانت تماثيل فهي الآصنام والأوثان ، وقيل المعمول من خشب أو ذهب أو فضة على صورة الانسان فهو الصنم ، وإذا كان من حجارة فهو وثن . . " الخ ) ٦ ( .

ولا يفوننا الإشارة إلي ما رواه المؤرخون والمحدثون

عن وجود ثلاثمائة وستين صنما في الكعبة يوم فتح مكة . وإذا سلمنا جدلا بأن الكعبة لم تكن تسع مثل هذا العدد الكبير من الأصنام ، فلا ريب في انها كانت تضم اصناما كثيرة لشتى العشائر العربية ، وفي اشارة الكتاب القدماء إلي هذه الأصنام ما يستنبط منه أنها - أو علي الأقل بعضها - كانت على صورة إنسان . ومن ذلك ما ذكر ابن الكلبي ) ص ٣١ ( عن النبي عليه السلام حين دخل الكعبة بعد الفتح ) والأصنام منصوبة حول الكعبة فجعل يطعن بسية قوسه في عيونها ووجوهها ويقول : " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كانت زهوقا " ثم امر بها فكفنت على وجوهها ثم أخرجت من المسجد فحرقت " .

وهكذا يبطل عندنا قول الذين يزعمون أن فنون النحت والتصوير لم تكن مكروهة عند النبي وفي فجر الاسلام لأن العرب في الحجاز لم يعرفوا التماثيل إلا بعد أن زاد اتصالهم بجيرانهم من الروم والفرس . فالحق انهم عرفوا التماثيل في الجاهلية ، بل نسبوا إدخالها في الحجاز إلي " عمرو بن لحي " قدم بها من الشام ونصبها حول الكعبة ) ١ ( . ولسنا ننسى أن عرب الحجاز في الجاهلية كانوا حلقة الاتصال بين الشام واليمن وكانت بينهم جاليات يهودية حرم عليها النحت والتصوير حتى لا تتخذ الصور والتماثيل آلهة من دون الله عز وجل .

اشترك في نشرتنا البريدية