. . كان المجلس من تلك المجالس التي يختلط فيها الجد بالهزل ، والحديث فيها ذو شجون وفنون ؟ وكان البحث يدور حول مؤتمر المحامين المزمع عقده في الصيف القريب ، والآمال التى تعلقها على نجاحه ؛ ثم انتقلنا إلى الكلام عن المؤتمرات العربية وفوائدها إذا تعددت ، وأثارها الحميدة في القضية العامة والوحدة المنشودة ؛ وإذا بسائل يقول :
- وما قولكم في مؤتمر الأدباء الذي يدعو إليه صديقنا الأستاذ المنجد ؟
فتصدى أحد الإخوان للإجابة وقال بصوت جهوري : - فكرة جليلة حقا ، وخليق بها أن تتحقق ، لولا العقبات التى تعترضها ، والتي لا حل لها على ما أعتقد . . .
ثم تابع كلامه بهدوء بعد أن استرعي الانتباه إليه قائلا : - كلكم يعلم أن المحامين توحد بينهم " الأرواب " السود ، وأن الأطباء يرمز إليهم " بالآقنعة " البيض ، فما الذي يربط بين الأدباء ؟ ! . .
فكاد صوت الجميع أن يكون واحدا عند ما وجدوا الجواب على ألسفتهم فلفظوه صائحين :
- القلم ... القلم . . . القلم . . . حسنا ، يا أصدقائي ، فهذه هي العقبة الأولى ، لأن " الأرواب " لا يلبسها إلا أصحاب " الميزان " والاقنمة لا يستعملها إلا رفاق " الجمجمة " أما الأفلام فمن يحملها ؟
إني أخشى يوم ينعقد المؤتمر هجوما علي " سوق المسكية " لنهب ما فيه من أقلام . .
فضحك الجميع لهذه النكتة . ولكن المحدث استمر في حديثه جادا :
وكلكم يعلم أن " سوق المسكية " زاخر بأنواع
الأقلام : فمن حبر إلي رصاص ، ومن شمع إلي حجر ، ومن ماس إلي فحم ، ومن خشب إلي قصب ، ومن ذات لون إلي ذات لونين ، ومن ذات الرأس إلي ذات الرأسين يكتب بالواحد ويمسح بالآخر ، ومن مقنعة إلي سافرة ، ومن أقلام " الدعاية " الضخمة إلي أقلام قد تضيع في جيبك لطفا وصغرا ، إلى آخر ما هنالك من أنواع منها الغالي ومنها الرخيص ، ومنها العزيز ومنها المبتذل ؛ فهل سيكون المؤتمر يا ترى معرضا يجتمع فيه كل من يستطيع أن يبرز عند الباب قلما مهما كان نوعه وجنسه ؟ ! أو أنه سيكون وقفا على حملة نوع من الأقلام دون بقية الأنواع ؟ فإن قلتم بالفكرة الأولى فهل سيختلط هناك الحابل بالنابل ، أو أنه سيشرف على المؤتمر رجال مهمتهم الفرز والتصنيف ؟ فإن كان هذا أفلا تعتقدون معي بأن مهمة التصنيف مهمة شاقة ، وأن قاطع التذاكر على باب المؤتمر لا بد من أن يكون من كبار تجار الآقلام الملمين بكافة الأنواع المعروفة وغير المعروفة ؟ ! وأين نجد مثل هذا التاجر الكريم الذي يتبرع المؤتمر بوقته الثمين في مثل هذه الأيام التي تنهال أرباح الحرب على التجار ؟ . .
هذه ياإخواني العقبة الثانية ، فإن اجتزناها فهنالك العقبة الكؤود التي لا . . .
وضاع صوت المحدث بين ابتسامات البعض وقهقهة الآخرين ؛ وخرج المجلس عن وقاره الموقت ، واختلطت أصوات الجادين بالهازلين ، والمؤيدين لفكرة المؤتمر النبيلة بالمتلهين . . فما كان مني وقد أصبح جو الغرفة المحصور مما تضيق معه الصدور ، إلا أن انسللت من المجلس إلي الشرفة حيث أخذت أمتع عيني بمنظر دمشق الرائع ، وقد بدت في الليل كالعروس ليلة زفافها ، ما ترك أهلها وأصدقاؤهم حلية يملكونها أو قدروا على استعارتها إلا وقد حلوها بها كيفما اتفق ، وأينما وجدوا مكانا خاليا من جسمها أو ثيابها ، حتى نامت بحملها فاستلقت على بساط من الزبر جد الأخضر ،
واتكأت على سفح قاسيون ، وقد انفرط بعض عقودها فانتثرت الجواهر واللآلي على البساط هنا وهناك .
ويظهر أن النسيم الذي كان يلطف الجو القائظ جعلني أرتمي على مقعد كان بجانبي ، فإذا بالنعاس يداعب أجفاني ، ثم كانت غفوة ، ولكنها غفوة قصيرة فاجأنى أثناءها أحد الأصدقاء حاملا بيده صحيفة ، وقال اسمع ما نرويه أخر صحف المساء عن مؤتمر الأدباء :
" . . ما يزال الأستاذان دربني خشبة الكاتب المصري اللامع ، وصلاح الدين المنجد الأديب السوري المعروف ، بعد أن تبرعا بالقيام بأعمال التحضير لمؤتمر الأدباء ، الذي فاننا أمس أن نشير إلي إمكان انعقاده قريبا في محل ما من الأقطار العربية ، يواليان اجتماعاتهما لدرس كل ما يتعلق بالمؤتمر ، وقد علم مخبرنا الخاص أن الاتفاق بين الاستاذين تم على النقاط التالية :
١ - يتولي الأستاذ خشبة أعمال الرئاسة على أن يقوم بالدعاية اللازمة لنجاح المؤتمر .
٢ - يتولي الأستاذ المنجد أعمال أمانة السر العامة ، على أن يقوم بتسجيل أسماء المشتركين وتصنيفهم وإعطائهم بطائق الانتساب .
٣ - يتولى الأستاذ " فواز (1) " شؤون المؤتمر العاشية ، على ان يقوم بتهيئة موائد أنيقة من صيده الفاخر .
٤ - يتولى الأستاذ " الربيع (2) " مهمة الإرشاد والوعظ ، على أن يقوم مهمة إمام عام في المؤتمر .
5 - إرسال كتب مضمونة إلي كل من الأساتذة : العقاد ، والكرد علي ، وأمين ، والحصري ، وحسين ، وجبري ، والزيات ، ومردم ، والحكيم ، والطنطاوي ، وهيكل ، والعجلاني ، يرجى منهم فيها نفي ما يشاع عن عدم رغبتهم في تعقيد المؤتمر والاشتراك فيه ، مع التكرم
بتهيئة كلمات أو قصائد تناسب المقام لتلقي باسم كل منهم في حفلة الافتتاح .
. . وبعد كتابة ما تقدم تلقينا من الأستاذ المنجد أمين سر المؤتمر الدعوة التالية :
تتشرف اللجنة التحضيرية لمؤتمر أدباء العرب بدعوتكم لحضور حفلة الافتتاح التي ستقام نهارا في المحل المعد لذلك ، راجية مؤازرتها بحضوركم ولكم خالص الشكر .
برنامج الحفل
١ - نشيد " بلاد العرب أوطاني " يلقيه أعضاء اللجنة التحضيرية مجتمعين
٢ - كلمة الرئيس وموضوعها : " فصل الخطاب في تنشيط أدباء الشباب "
3- خطاب أمين السر العام وموضوعه : " الحجج والبينات في فوائد المؤتمرات "
٤ - محاضرة لمدير إعاشة المؤتمر وعنوانها : " أدب الشام المعاصر يمثله شاعران وتاثر "
5- خطبة بليغة لإمام المؤتمر وموضوعها : " منافسة أرباب العمائم فى ابتكار الرقى والتمائم "
٦ - تختتم الحفلة بوقوف المؤتمرين وإنشاد القصيدة التالية :
" نحن الشباب لنا الغد " . حاشية مهمة أن . . " وقبل أن يتم صديقى قراءة الحاشية المهمة ، سممت انفجارا شديدا من الضحك المكبوت فانتبهت ، فإذا بالإخوان جميعهم قد أحاطوا بى وهم يصيحون :
- أين أنت ؟ ! لقد وصل صديقنا إلي العقبة الخامسة من عقبات مؤتمر الأدباء ! ! . .
هل كنت تبئسم وأنت نائم ؟! . . . هل كنت تحلم ؟! . . . فقتلنى الضحك وأخذت أروي لهم آخر الأنباء . . .
دمشق

