قررت جمعية المهندسين والاخصائيين التونسيين يوم ٢٢ نوفمبر ١٩٥٥ إيفادي الى العراق لامثلها فى المؤتمر السادس للمهندسين العرب المزمع انعقاده ببغداد من ٢٦ نوفمبر الى ٢ ديسمبر ١٩٥٥ . وقد وصلت بغداد يوم الخميس غرة ديسمبر اى ليلة اختتام جلسات المؤتمر اما اسباب التاخر فهى خارجة عن نطاقى .
وكاد المؤتمرون ان ييأسوا من رؤية الوفد التونسى وقد رفعوا علم تونس فوق قصر المؤتمر بساحة الملك فيصل وكم كان سرورهم عظيما عندما ابلغتهم تحية تونس العربية الساعية الى ربط الصلات مع الدول الشقيقة سيما وهى فى اشد الحاجة الى معالجة مشاكلها الاقتصادية والفنية بالاتعاظ بتجارب تلك الدول وقد دعوت فى خاتمة كلمتى كافة المهندسين العرب الى ان يزوروا تونس ويعقدوا احد مؤتمراتهم المقبلة بها حتى يتعرفوا الى خاصياتها ويعينوها على التخلص من الاستعمار الاقتصادى .
وصادفت دعوتى آذانا صاغية إذ قرر المؤتمر بالاجماع ان يعقد دورته الثانية بعد الحالية اى عام ١٩٥٩ بتونس وكان قد قرر من قبل عقد الدورة المقبلة بالقدس
وسأتناول فى القسم الاول من هذا المقال اعمال المؤتمر والناحية الادبية منه بالتحليل السريع ثم اذكر فى القسم الثانى اهم الرحلات والزيارات التى قمت بها صحبة المؤتمرين مع بعض الملاحظات واخيرا استخلص من كل ما تقدم فكرة عامة عن درجة التطور الاقتصادى والاجتماعى والفنى بالعراق .
تفرع المؤتمر الى لجان ثلاث : ١) لجنة تنظيم مشاريع الرى والصرف (البزل) والسيطرة على الفيضانات وتنمية الثروة الزراعية وقد درست مواضيع كثيرة اهمها : تطور الرى فى العراق - مشروع الغاب في سوريا - تحسين الفرات الاسفل وتنظيمه - مشاريع البزل
بالعراق - خصائص تربة الدلتا العراقية وتجربة الغسل الباطنى الاولى - مشروع السد العالي - طرق الرى - المياه الجوفية فى العراق - الطمى العالق بمياه نهر دجلة - قياس رطوبة التربة بطريقة المقاومة الكهربائية .
٢) لجنة بحث الامكانيات الصناعية فى البلاد العربية لتنسيق سياسة التصنيع اقتصاديا وقد درست مواضيع كثيرة اهمها : مصر الصناعية . الصناعة العراقية . صناعة الزيوت النباتية . صناعة السكاير من التبوغ العراقية . صناعة الغزل والنسيج فى العراق . منهاج كهربة العراق . تصنيع البلاد العربية .
٣) لجنة الموضوعات العامة ومن اهم ما درسته : مشاريع السياحة والاصطياف في البلاد العربية . المصايف العراقية . مشروع تصريف المياه القذرة ومياه الامطار لمدينة بغداد . النفايات ، انواعها ، الطرق الحديثة لاتلافها ...
واخطر موضوع عولج فى هذا المؤتمر بصفة خاصة هو : الاراضى الملحة وكيفية ارجاعها الى الحياة الزراعية - وهذا الموضوع يهم العراق بصفة مباشرة اذ ان ربع مساحة هذه البلاد - تقريبا - ارض اغتصبت من البحر (الخليج الفارسى) وقد تكونت تربة الدلتا (دجلة والفرات) من رسوب الانهار فى مياه الخليج الملحة ، وقد وقع بسط بعض التصميمات والمشاريع التى نفذت في بعض مناطق العراق فكانت نتائجها مرضية (مشاريع البزل كما يسمونها بالعراق - مشاريع الصرف كما يسمونها فى مصر - مشاريع غسل الاراضى بعبارة عامة)
وفى هذا الصدد (بزل - صرف - غسل الاراضى) الاحظ : أ - من فوائد هذه المؤتمرات ان تكونت فكرة توحيد المصطلحات الفنية بين كافة البلدان العربية وخاصة بين مصر والعراق . فقد وزعت جمعية المهندسين العراقية على المؤتمرين كتابا يحتوي على كافة المصطلحات الفنية العربية حتى يقع تنظيرها بمصطلحات البلاد العربية الاخرى .
ب - اكبر صعوبة وحدتها شخصيا اثناء المؤتمر تتعلق باللغة ، ان مجهودا كبيرا ينتظرنا فى هذا الميدان . ذلك ان المهندس العربى لا يفتقر الى اللغة الانقليزية او الفرنسية ليعبر عن رايه او يضع تصميماته ...
هذا ومن اهم ما تمخض عنه هذا المؤتمر لأئحة صدرت عن لجنة بحث الامكانيات الصناعية فى البلاد العربية توصى بتكوين مجلس اقتصادى لجامعة الدول العربية وتقترح تأليف هيئة فنية تتركب من ممثلين عن المهندسين ورجال الاقتصاد
والمال والصناعة ... لوضع برنامج شامل لتصنيع البلاد العربية ، وقد وعد السيد عبد الحميد كامل المندوب الرسمى لجامعة الدول العربية فى هذا المؤتمر بابلاغ ذلك المقترح الى مجلس الجامعة ، كما تعهد كل رئيس وقد بالعمل لدى حكومة بلاده واقناعه بوجوب تحقيق هذه المقترحات ..
اما الرحلات والزيارات فأهم المشاريع التى زرناها هى : ١) مشروع الثرثار ( يبعد ١٢٠ ك عن بغداد ) ويقع على طول ضفة دجلة الغربية من مدينة سامراء الى منخفض وادى الثرثار ويشتمل هذا المشروع المسيطر على مياه الفيضان على سدة عبر نهر دجلة مقابل مدينة سامراء وعلى سداد ترابية رابطة وناظم لتمرير مياه الفيضان عن طريق القناة التى يبلغ طولها ٦ ك - والمتمدة الى منخفض وادى الثرثار . ويجرى الان انشاء المجرى والسدة الترابية وستجرى دراسة امكانية استعمال الثرثار كخزان لتغذية نهري دجلة والفرات فى زمن الصيهود( ( etiage) .
وقد احيلت مقاولة القسم الاول الى الشركة الفرنسية (بلفور بيتي) عام ١٩٥١ بمبلغ ٥٩٦٢٠٠٠ دينار وهى لا تزال تعمل هناك وستتم حسب الوعد فى اواسط هذا العام . اما القسم الثاني فأحيل الى شركة (زبيلين) الالمانية بمبلغ ٤٩٤٨٠٠٠ دينار وسيتم فى اواخر هذه السنة واما محطة توليد الكهرباء فعهد بوضع تصميمها الى شركة (بريس وكارديو) الانكليزية ويقدر سعر الكيلوات عند الانتهاء بفلسين والطاقة المنتجة تقدر بـ ١٢٥٠٠٠ كيلوات
وعلى اثر زيارة الثرثار وقعت زيارة اطلال مدينة سمراء (سر من رأى) عاصمة بني العباس الثانية وهي مشهورة بضريحى الامامين حسن العسكري وعلي الهادي ، ومن الملاحظ ان مدير الاثار العراقية قامت هناك وفى بقية جهات العراق ذات المجد التاريخي الخالد كبابل والنجف ونينوى وآشور... بمجهودات واسعة فى البحث والكشف والترميم لما افسده الزمن .
٢) مشروع الحبانية الذي يرمى الى درء اخطار الفيضان وخزن المياه لاستعمالها لاغراض الرى وهو لم يتم بعد ويحتوى على :
أ - سدة الرمادي مع تعلية السداد المحيطة ببحيرة الحبانية لضبط جريان المياه في النهر (المصاريف :١٨٠٠٠٠٠ دينار)
ب - ناظم مدخل وجدول الورار لايصال مياه الفرات بالبحيرة وتقدر المصاريف بـ ١٥٠٠٠٠٠ دينار
ج - ناظم مخرج وجدول الذبان لايصال مياه خزان الحبائية الى الفرات للرى فى الصيف وتقدر المصاريف ب ٦٠٠٠٠٠ دينار
٣) مشروع دوكان وقد كلفت به شركة (بالو دوميز) الفرنسية بمبلغ ٨٨١٧٤٦٠ دينار - وهو سد طوله : ٣٢٥ م وارتفاعه ١١٦ م وسمكه يبلغ عند النهر ٥٠ م ... اما الخزان فتستوعب ٦.٨ ميليارات متر مكعب من الماء وسيغمر مساحة قدرها ٢٦٠ ك . ويشتمل المشروع ايضا على حفر نفق للتحويل بقطر ١٢.٥٠ متر لمسافة طولها ٣٤٠ م وسيستعمل هذا النفق كمسيل لامرار مياه الرى والفيضان ، اما القوة الكهربائية فتقدر بـ ٥٢٥٠٠٠ حصان ستستغل للصناعة المقبلة (وهذا المقدار يساوى ٨ اضعاف القوة الكهربائية المستهلكة حاليا فى مدينة بغداد بين تنوير وقوة) .
اما الزيارات فقد كانت لمدن كثيرة اهمها : كركوك والسليمانية وآشار وهى تلفت انظار السائح المهتم بالاحوال الاجتماعية اكثر مما تسترعى اهتمام الفنى .
١) كركوك : عاصمة النفط للعراق ، يعيش اهلها (٦٠ الف نسمة ) من البترول ولست بمحلل هنا كيفية البحث عنه او تكريره ونقله اذ يخرج بنا ذلك عن القصد الا ان الذى يلفت النظر هو مقدار ما تقوم به شركة كركوك وغيرها كشركتى الموصل والبصرة مثلا من دعاية واسعة حول ما بذلته من عناية لفائدة عمالها ولفائدة السكان : محلات السكنى للعمال والمطاعم وقاعات السينما ووسائل النقل للتلاميذ وتوزيع النفط الابيض والماء البارد واحداث المدارس الصناعية لتكوين اليد العاملة المختصة من ابناء البلاد .. كل ذلك صحيح لكن الدعاية لا تخلو من مبالغة ومن تبجح بتلك" المزايا " ...
ب) السليمانية : يباغت الزائر بالسدود والحواجز العسكرية العديدة القائمة فى الطريق فيشعر كانه فى منطقة حربية فاذا دخل المدينة وجد نفسه وسط قوم يتكلمون لغة خاصة ليست عربية ولا تركية ولا فارسية .. قوم غلاظ الطبع يحملون السلاح الابيض واحيانا المسدسات ويتجولون في الشوارع على مرأي من الجميع . اولئك هم الاكراد .
ج) عشار : تقع في جنوب العراق في ضواحي البصرة . يلاحظ الزائر هناك انعدام التوازن بين طبقتين من الامة : طبقة المثريين (طبقة البترول كما سماها بعضهم) طبقة العملة الفلاحيين وغيرهم ، طبقتين متباينتين فى جميع المظاهر وخاصة فى المسكن ، فمدينة عشار شعبية باتم معنى الكلمة : بيوتها من القصب تعوزها جميع وسائل الراحة وحفظ الصحة وهى تشبه المدن القصديرية عندنا.. والى جانبها قصور الشركات ودور الموظفين ورجال الجاه والمال وديار اللهو والمجون التى تغص كل ليلة بمشائخ البترول من كويتيين وسعوديين وعراقيين... وهكذا نتخلص الى الحالة العامة بالعراق .
١) الناحية الاجتماعية : ينقسم الشعب العراقي كما قلنا الى طبقتين الا ان الطبقة الكادحة لا تشكو الجوع او البطالة كما هو الحال عندنا بل هى تشكو الجهل والجور الاجتماعى اما الوعى الاجتماعى فقد بدا يظهر فى المدة الاخيرة خصوصا اثر الزيارات التى قام بها السيد النورى بودالى واتصالاته هناك ، غير انه وعى لا يزال فى خطواته الاولى يطغى عليه الوضع السياسى الراهن الذى هو الى الحكم الفردى اقرب منه الى الحكم الديمقراطى وذلك واضح فى الصحافة والاحزاب والادارة . وتشكو البلاد من تعصب الفئات الدينية من شيعة وسنية واكراد وغيرهم (اذكر حالة الشيعة وتعصبهم مع الجهل او قل من اجل الجهل)
اما الحكومة فهى تشجع ذلك او قل انها تغض الطرف عنه لانها تستغله ، واذا اضفت الى كل ذلك استعمارا خفيا وهو الاستعمار الانكليزى . . تصورت الحالة تصورا كاملا .
٢) الناحية الاقتصادية : واول ما نلاحظه هو ان غالب المشاريع حديثة العهد ترجع الى اقل من ١٠ سنين ثم ان الشركات التى تولت تحقيقها اجنبية في غالب الاحيان (انقليزية وفرنسية)
يشكو العراق ازمة ناتحة عن قلة اليد العاملة بالنسبة للاشغال التى يراد انشاؤها وبالنسبة - خاصة - للامكانيات الموجودة فى ميدان الفلاحة : هناك مساحات شاسعة من الاراضى الصالحة للزراعة لكنها مهملة
اما التصنيع فهو ضعيف لقلة المواد الاولية ولعدم اهتمام المسؤولين بالموضوع هناك مثال بسيط : الغازات الطبيعية الخارجة من حقول النفط او الخارجة من
معامل التكرير تحرق دون ان يفكر احد فى جمعها واستعمالها لغايات صناعية او حتى للاستهلاك العائلي او بيعها خاما . وربما كان ذلك مرتبطا بالوضع السياسى
واهم الصناعات الموجودة الان هى : الاسمنت والغزل والنسج (قماش قطنى اكثره خام اسمر) ثم الحرير الاصطناعى ودباغة الجلود وانتاج الكحول والمشروبات الكحولية ...
اما البترول فيبلغ مدخوله بالنسبة للدولة العراقية ٨٥ مليون دينار سنويا وسيكون هذه السنة ١٠٠٠٠٠٠٠٠ دينار بينما تتراوح الميزانية العادية بين ٣٥ و ٤٠ مليون دينار والمقارنة بين العددين تظهر مقدار الثروة العراقية مما ادى الحكومة الى ان تفكر فى حذف جميع الاداءات وقد حذفت فعلا غالبها .
والفائض مخصص للتجهيز الاقتصادى (الزراعى بالخصوص) وقد تحدثنا عن بعض المشاريع المهمة .
والخلاصة ان العراق بلاد تخطو خطواتها الاولى في طريق النهوض الاقتصادى وقد من الله عليها بثروة عظيمة كل ما نرجوه هو ان يبذلها اصحابها في صالح وطنهم والعروبة .
