لسنا بالتأكيد ممن يمكن أن يتهموا بأنهم يدلون بقوتهم المادية . ولسنا بالتأ كيد ممن يمكن أن يحمل قولهم على ما يحمل عليه قول الطغاة الجبابرة الذين يشقون طريقهم في الحياة على متن القهر والقسر الوحشى ؛ فعندما قال غليوم الثانى امبراطور المانيا : إن المعاهدات لا تزيد على أن تكون قصاصات من الورق كان الباعث له على قوله ذلك انه لا يعبأ بأن يقيد نفسه بالمعاهدات لأنه في غنى عنها بما عنده من جيوش وأساطيل ومدافع وقنابل تذل له كبرياء الأمم الأخرى وتجعلها تخضع له وتنطوي تحت سلطانه؛ فهو على ذلك لا يعبأ بأن يقيد نفسه بالعهود والمواثيق إذا بدا له أن يتحلل منها طاعة لأطماعه ونزوات السلطان في نفسه ونفس أمته .
هذا ما كان ينطوي تحت كلمة الإمبراطور غليوم الثاني عندما أعلن في أول الحرب الماضية أن المعاهدات لا تزيد على أن تكون قصاصات من الورق .
ولكنا نقول اليوم إن معاهدة سنة ١٩٣٦ لا تزيد على ان تكون قصاصة من الورق ، ولا يدفعنا إلى هذا القول إدلال ولا بطر ، ولا ينطوي تحته أى شك في ظالم أو اعتداء . فإن مصر اليوم أمة لا تملك من وسائل السيطرة الوحشية شيئاً ، وعدتها الأولى في نضالها هو العدل والحق ، وإيمانها بأن العدل والحق لابد أن ينتصرا آخر الأمر .
إننا نقول إن معاهدة ١٩٣٦ لا تزيد على قصاصة ورق من ناحية أخرى غير الناحية التي قصد إليها غليوم الثانى وأمثال غليوم الثانى ، فإن للأقوياء الطغاة منطقاً لا يعبأ إلا بشىء واحد وهو المطامع ونزوات السلطان والقهر والسيطرة . فالطغاة أمثال غليوم الثانى ينكرون المعاهدات
أحيانا ويسمونها قصاصات من الورق إذا كانت تعترض نزوات مطامعهم وسيطرتهم ، وهم يتمسكون بالمعاهدات احيانا ويعدونها أساس التعامل الدولى ، ويحرصون على إظهارها في مظهر القداسة إذا كانت تحقق لهم مطامعهم أو تساعدهم على إشباع نزوات سيطرتهم . هكذا الأقوياء يخفون في أنفسهم ما الله مبديه ، ويظهرون على ألسنتهم ما يعزز حجتهم رياء الناس ، لا يبتغون حقيقة ولا عدلا . فمندوب بريطانيا عندما تمسك بمعاهدة سنة ١٩٣٦ وتغنى بقدسيتها وناشد أمم العالم المتمدن أن يحافظوا على احترام الدول لمعاهداتها ، إنما يصدر عن نفس النزوة التي دفعت غليوم الثانى إلي قوله إن المعاهدات ليس سوى قصاصات من الورق . لأن مندوب بريطانيا وكل ممثل آخر لدولة قوية إنما يتعلق بالحجة التي تعزز منطق القوة والسيطرة .
أما نحن فإنا ننظر إلي المعاهدة التي بيننا وبين انجلترة بمنطق آخر - منطق الأمة العزلاء التي لا تتوسل فى نضالها إلا بوسيلة العدل الإنسانى والحق الطبيعى ، ولا تستطيع أن تلجأ إلى شىء سوى المنطق الإنسانى والتفكير الساذج الطبيعى .
لقد جاءت جيوش بريطانيا إلي مصر متذرعة بحجة واهية مظهرها يبرق رياء ، وحقيقتها لاتزيد على رغبة دولة في السيطرة على مصاير أمة ضعيفة تتطلع إلى الحياة. وبقيت الجيوش البريطانية في مصر مستندة إلي شىء واحد وهو القوة التي نسمح لأنفسنا ان نسميها اسما سافرا صريحا ، نسميها القوة الوحشية .
وناضل شعب مصر نضال العارف بالحق يحاول أن ينال العدل على يد الإنسانية إذا تحرك ضميرها لنصر العدل ، فما ترك فرصة لم يظهر فيها سخطه على بقاء الجيوش البريطانية في مصر . ووعدت بريطانيا وعدا بعد وعد حتى أتمت نيفاً وستين وعدا بالجلاء عن مصر ، ولكنها كانت فى كل مرة تتخلى عن واجبها في تحقيق وعدها.
فليس من الممكن عقلا ولا منطقا أن يزعم ممثل بريطانيا في مجلس الأمن أن بقاء الجيوش البريطانية في مصر ناشئ عن الماهدة التي قبلناها طائعين مختارين . هذه مغالطة لا يستطيعها إلا الأقوياء أمثال بريطانيا .
واما معاهدة سنة ١٩٣٦ ، فقد كان لها شأن معروف ، لا يخفى على أحد في بلاد العالم ، إذا أراد أن يعرف حقيقتها . لقد أبرمت معاهدة ١٩٣٦ في وقت كانت فيه بريطانيا تنتظر هبوب العاصفة الهوجاء ، وكانت مصر كذلك تريد أن تصل إلى اتفاق يكفل لها تحقيق أمانيها . ولكن منطق القوة أبى إلا أن يعطى ما يشاء ، ويمنع ما يشاء - لا من حق القوي ، بل من حق الضعيف نفسه - فوهبت بريطانيا بعض الشىء من حق مصر الطبيعى ، ورأت مصر أن تبرم المعاهدة حتى لا تضطر إلي المغامرة الكبرى مع دولة قوية مثلها .
ولكنا دخلنا في سنوات الحرب ، وقمنا بما لا يستطيع أحد أن ينكره من خدمات كان لها الفضل العظيم في إحراز النصر للحلفاء . وقد برهنا فى أثناء تلك السنوات القاسية على أننا نستطيع أن نكون أصدقاء أوفياء في أشد أوقات المحنة .
ومرت السنوات حتى صرنا اليوم في عام ١٩٤٧ بعد أن تغيرت كل الأحوال وتبدلت كل الظروف التي من أجلها قبلت مصر ما قبلت في معاهدة ١٩٣٦ ، والتي من اجلها حرصت بريطانيا على ما حرصت عليه في معاهدة سنة ١٩٣٦ . فليس في شىء من العدل ولا من الحق أن تتمسك بريطانيا بمعاهدة قد تغير كل ما حولها وكل ما يتصل بها . فإذا كانت بريطانيا تريد أن تتمسك بتلك المعاهدة فليس معنى هذا سوى أنها تريد أن تتمسك بالمظهر دون الحقيقة ، وأنها تضمر غرضا واحدا ، هو التوسل بحرف المعاهدة للوصول إلى السيطرة . إن القيمة التي كانت لمعاهدة سنة ١٩٣٦ ، فى أعوام الحرب الماضية ،
إنما هي قيمة اعتقاد مصر فيها وإخلاصها لها . ولقد استفادت انجلترة ، بل لقد استفاد العالم من معاهدة سنة ١٩٣٦ لسبب واحد ، وهو أن مصر آمنت بأن واجبها يحتم عليها القيام بتعهداتها فيها . لن ننسى اليوم الذي وقفت فيه جيوش ألمانيا على حدود مصر الشمالية الغربية ، وكل المظاهر تدل على قرب انتصارها ، لن ننسى كيف ذعر الانجليز عند ذلك ، حتى سافر كبارهم إلى السودان أو جنوب إفريقيا ، وحتى استعدت الهيئة السياسية الانجليزية نفسها للرحيل من القاهرة . لن ننسى كيف كان الانجليز أنفسهم لا يؤمنون بأنهم يستطيعون الثبات فى مصر ولا فى البحر الأبيض المتوسط ، وان كبار ساستهم أخذوا يتحدثون عن الرابطة لعدوهم فى جهة أخرى . لن ننسى ذلك كله ، كما أننا لن ننسى وقفة مصر وحدها . لقد كتبنا عند ذلك فى مجلة الثقافة بالقلم الذى نكتب به الآن ، نعلن رأي المصريين الذين نعرف عواطفهم وحقيقة آرائهم ، فقلنا إن مصر بلاد مستقلة ، قد تعاهدت مع صديقتها بريطانيا وقد عزمت على البر بتعهداتها مهما كلفها ذلك ، ولن تستطيع قوة فى الأرض أن تقهر عقيدتها في استقلالها ، أو زحزحتها عن واجبها الذي يمليه عليها ضميرها فى الوقوف إلى جانب حليفتها . قلنا إنه لن تستطيع قوة فى الأرض أن تنزع من مصر ما تمليه عليها ثقافتها الأصيلة ومدنيتها القديمة العريقة ومثلها العليا ، وهو الوفاء في الشدة لحليفة ربطت نفسها بمعاهدة معها .
كتبنا ذلك في سنة ١٩٤٢ واعتقدناه عند ما كا نؤمن أن معاهدة سنة ١٩٣٦ لها علينا أن نؤمن بها ولها علينا أن نفى بشروطها .
وأما اليوم فإن معاهدة سنة ١٩٣٦ قد سقطت عندنا ، وأصبحت لا تزيد على أنها قصاصة من الورق . وليس ذلك لأننا نذل بقوة مادية ، ولا لأننا نتحدى قوة بريطانيا العظمى ، بل لأننا نؤمن بأنها أصبحت لا أساس لها .
فمعاهدة سنة ١٩٣٦ ، لا تستند اليوم إلى شىء في ضمائرنا ولا فى عقائدنا ولا في مثلنا العليا . فهي لا تزيد فى قلوبنا على قصاصة من الورق كما قدمنا .
فما يكون موقفنا مع انجلترة إذا هى قنعت بأن تكون علاقتها بنا قائمة على قصاصة من الورق ؟ لن يكون بيننا وبينها إيمان كذلك الذى حدا بنا في سنة ١٩٤٢ ، إلى إعلان الإخلاص لها . لن يكون بيننا وبينها إلا الشعور بأننا أمة جديرة بالحياة الحرة ، وأنها تريد أن ترغمنا على الرق والاستعباد ، لن يكون بيننا وبينها إلا السخرية ، من أنها وهى دولة مجربة فى السياسة تقنع فى علاقاتها بالمظاهر الجوفاء والحروف الجامدة وبنود الصكوك . فإذا كان للضعيف أن يتحدى القوي ، فإننا نسمح لأنفسنا هنا بأن نتحدى ، ولسنا نتحدى بريطانيا فى خفة ولا فى نية سيئة ولا فى
كراهة لشعب بريطانيا ، بل نتحدى لأننا نستند إلى الحق والطبيعة ذاتها . إن الأمم لاتربط ببنود المعاهدات وحروفها ، بل بحقائقها وروحها ، ولا تقهر بالقوة الماثلة في الجيوش ، بل إن قوة تلك الجيوش لن تزيدها إلا إيمانا بحقها وسعياً إلى الخلاص بكل وسائل الخلاص .
إننا تتحدى بريطانيا تحديا ناشئا عن إيمان قائم على تعقل واعتدال وحسن نية . نتحداها بأنها لن تستطيع أن تقيم علاقتها مع مصر على القهر بالقوة ، ولا على حروف جوفاء لمعاهدة لا وجود لها فى نفوسهم .
فلينظر ساسة بريطانيا إلى مصلحتهم لا إلى مصلحتنا ، فإننا لن نضع عزيمة الجهاد حتى تتحقق لنا كل فرصة فى حياة حرة عزيزة .

