( نشرت بمجلة إيطالية خاصة بشئون الثقافة والحياة المدرسية ، ونقلها إلى العربية المستشرق الإيطالي أومبرتو ريزينانو بجامعتي روما وإبراهيم باشا الكبير بالقاهرة)
تحتفل مصر بعد سنوات قلائل بالعيد الألفي لجامعة الأزهر الشريف التي أسست عندما كانت أوربا لا تزال في أواخر القرن العاشر للميلاد ، ولقد احتفلت مصر منذ بضعة أسابيع - وعلى وجه التحديد أثناء عيدي الميلاد ورأس السنة في جو يشبه جو الربيع - بيوبيل أولى جامعاتها الحديثة التى أنشئت في أوائل هذا القرن بفضل جهود ساكن الجنان المغفور له الملك فؤاد الأول عندما كان لا يزال حينذاك أميرا ، ولقد افتتحها جلالته في صورتها النهائية بعد أن اعتلى العرش في سنة ١٩٢٥ . وكانت مصر إذ ذاك تخطو خطواتها الأولى في سبيل الحصول على استقلالها المغصوب وحريتها المنشودة بعد أن خفت وطأة السيطرة البريطانية إلى حد ما ، الأمر الذي كان يسبب أزمة منهكة لابد منها للبدء في حياة البلاد الدستورية والدولية .
أما اليوم وقد تلاشت أو كادت تتلاشى هذه السيطرة نهائيا ، (لأن مصر لا تزال تكافح في سبيل إزالة البقية الباقية من هذه السيطرة في منطقة قناة السويس) ، فقد اشتد ساعد مصر في إبان الحرب العالمية الثانية وارتفع شأنها ، مما أدى إلى نمو الجامعة المصرية الأولى ، فأصبحت مدينة جامعية عظيمة ذات مبان شامخة حديثة ، ومتنزهات شاسعة بالحيزة على مرأي من الأهرام الخالدة . ولقد شاهد مئات من المدعوين من أساتذة جامعات العالم الذين استضافتهم الحكومة المصرية بسخائها المألوف الحفلة التذكارية بالقاعة
الكبرى بجامعة فؤاد التي شرفها محضوره حضرة صاحب الحلالة عاهل مصر فاروق الأول شبل مؤسس تلك الجامعة العربية ، وقد القي بهذه المناسبة حضرة صاحب المعالي الدكتور طه حسين باشا وزير المعارف المصرية والعلامة المعروف وباعث الثقافة في مصر - خطابا جليلا قدم فيه للمستمعين بأسلوبه الرائع ونثره العربي الجزل تقريرا عن نشاط ربع قرن من الزمان يتلخص فيما يأتي :
إتمام جامعة فؤاد الأول وتقويتها ، ثم إنشاء جامعة فاروق بالاسكندرية ، وإبراهيم باشا الكبير بالقاهرة. ومحمد على بأسيوط ، كما أشار معاليه إلى ازدياد عدد الطلبة الجامعيين ازديادا مستمرا ، وإلى اكتمال هيئة التدريس الجامعي في الوقت الحاضر بجميع الكليات ؛ فإن هناك إلى جانب الأساتذة الأوربيين عددا كبيرا من الأساتذة الوطنيين الاكفاء في استعدادهم العلمي ، وإلى وجود عدد عدد من المعاهد العلمية القديمة والحديثة إلى جانب هذه الجامعات ، من أمثال الجمعية الجغرافية المصرية الغراء التي احتفلت في تلك الفترة نفسها بيوبيلها الماسي ، وكذلك معهد الصحراء الذي أنشئ لبحث ودراسة تلك المنطقة الجرداء التي يجري بين جانبيها الشريط الأخضر الذي يمر بوسطه نهر النيل ، دراسة زراعية وجيولوجية وطبيعية ، وكان الذي فكر في إنشائه هو المغفور له الملك فؤاد الأول نفسه . أما شبله الفاروق العظيم ، فإنه هو الذي أخرج فكرة والده إلى حيز
التنفيذ وافتتحه في إبان الاحتفال بيوبيل الجامعة المصرية .
هذا ولقد استقبل الضبوف والطلبة تقديم الدكتوراه الفخرية من الجامعة المصرية لبعض علماء أوربا الأجلاء ( ومن بينهم سعادة مدير جامعة روما الاستاذ جوزيبى كاردينالي) بالتصفيق المتواصل والهناف الكبير ؛ وكان ذلك كله يدل دلالة قاطعة على ما يدين به العلم المصري الحديث لمعلميه الغربيين . ولقد جاء في كلمة الوزير الجليل ذكر من انتقل من المستشرقين إلى دار البقاء ، ومن بينهم الأساتذة الإيطاليون دافيد سانتيلانا وإنياتزيو جويدي ، وكارلو ألفونسو نالينو الذين عاونوا الشرقيين معاونة صادقة على دراسة تاريخ مدنية بلادهم .
ولقد توالت في الأيام الأخرى الحفلات المختلفة : العيد اليوبيل الماسى للجمعية الجغرافية وافتتاح معهد الصحراء الذي أقيم بمناسبته احتفال شائق في الهواء الطلق في سرادق فخم نصب إلي جانب مقر هذه المؤسسة الحديثة القائمة على هامش الصحراء التى كانت ريحها المنعشة تحمل إليها تحيات التهنئة .
هذا وقد أقيمت عقب هذه الاحتفالات العظيمة عدة ولائم وحفلات سامرة ، كما نظمت عدة رحلات نيلية ونزهات إلى أهرام الحيزة وزيارات متعددة لآثار القاهرة ومعالمها . كانت أهمها زيارة الجامع الأزهر الذي فتح أبوابه على مصاريعها للعلم الدولي ، وبهذه المناسبة لبس الضيوف العلماء الأخفاف فوق أحذيتهم عندما تخطوا عتبته وساروا في صحته متجهين نحو إيوان ذلك البناء الشامخ الذي نستطيع أن نطلق عليه اسم "حصن الإسلام المنيع" والذي بدت عليه علامات التجديد على الأقل في مظاهره الخارجية ، حتى لقد همس البعض بأن حلقات الطلبة الأزهريين الذين جلسوا القرفصاء وأنصتوا إلى شيخهم المدرس الجالس فوق مقعده ما هي إلا منظر مصطنع قصد به إكرام الضيوف وإرضاؤهم ، رغما من أنه كان في الماضي القريب منظرا من المناظر العادية المألوفة .
ولقد كانت في هذا المكان إلى جانب المآذن المبنية على الطراز المملوكي مبان حديثة ، كما كانت قاعات الدرس كلها جديدة كل الجدة ، مما يدل دلالة واضحة على ما يبذله ذلك المعهد العريق من جهد لكي يساير الزمن ، ولكى يلائم هذا العصر ؛ على أن هذه المباني الحديثة كانت تبدو شيئا غريبا في قلب مدينة القاهرة القديمة حيث خلق جماعات الصقور فوق خرائب أكل الدهر عنها وشرب ، وتطل على مناظر بائسة مؤثرة ومثيرة ، هي مناظر بهاء سابق قد ذهبت به السنون ، هي مشاهدة تشبه كل الشبه ما قرأناه في مشاهد ألف ليلة وليلة .
ولقد مر بصحن ذلك الجامع العريق وجلس القرفصاء فوق حصيره منذ نصف قرن صبي ضرير وصل إلى ذلك المعهد من الريف ملفوفا في جلبابه كئيبا في صمته الذي كان سببه الوحدة والانفراد والبعد عن حنان أم له . ولم يكن ذلك الصبي الشاحب الأهيف أيام العيد اليوبيلي إلا معالي وزير المعارف المصرية الذي أمر وأشرف على إقامة هذه الحفلات الباهرة ، والذي أجمع العلماء الدوليون الذين حضروا هذه الاحتفالات على تكريمه . وفي الحق أنه كان يبدو أن مصر القديمة ومصر المقبلة تلتقيان التقاء رمزيا في شخص ذلك الرجل الذي انتقل من دراسة علوم الأزهر التي هي علوم النقل إلي علوم العقل الأوربية التي بلغ فيها بفضل عبقريته وعزيمته أوج الفن والحكمة . ولكن شيئا من الحزن كان يعكر صفو الضيوف الغربيين ، وانشراح صدورهم ائذ ؟ فإن ذلك الرجل بل بني وطنه ، قد وثقوا بنا في يوم من الأيام عندما تسلموا من أيدينا الشعلة حتى يوقدوا شعلتهم العريقة الحابية ؛ فماذا نستطيع الآن أن نقدم لهم فضلا عن ذلك ؟ هل نقدم لهم ضربا من ضروب الهدم والتخريب كامل التجهيز أو منظرا من مناظر جنون منتحر ، ربما لم تر مثله أربعون قرنا من أعلى الأهرام ؟ " لك الويل يا أوربا العجوز " ، ولتبدد ريح الصحراء هذه الخواطر الحزينة !.

