كأن مسؤولية المثقف تضاعفت في عصرنا الحاضر الذي تقاربت فيه الاقطار والقارات لسرعة ادوات النقل وتعدد وسائل المخابرات وتنوع طرق النشر والدعاية ؛ فازداد تحاكك الامم للدفاع عن مصالحها وتصارع المذاهب الساسية والاقتصادية ؛ كل يبلغ صوته الى طلاب الجامعات ، ورجل الشارع والفلاح في كوخه والعامل في مصنعه .
هل يمكن للمثقف ان ينعزل عما حوله ، وينزوي عن معترك الحياة ، ويبقى على ربوته ينظر ويشاهد ويتفرج ليستخلص في طمأنينة النفس وتجرد الفكر رأيا او يكشف عن حقيقة ؟ أيبقى في برجه العاجي وحوله مجتمع يتخبط في المشاكل والصعوبات ، والضلال يتسرب الى النفوس ، والاكاذيب والاباطيل تعشش في الادمغة والعقول ؛ وأصحاب الغايات الشخصية ينصبون شراك الاهواء والمطامع ليتمكنوا من الصيد السهل ؟
ان الثقافة تجعل الرجل اكمل انسانية واوسع افقا وانصع عقلا وادق تفكيرا واسرع فهما من الجاهل . ولذا كانت مسؤولياته في المجتمع اكبر وواجباته نحو امته اثقل إذ يمكنه ان يبحث ويحلل ؛ ثم يبن ويشرح ؛ ثم يرشد ويوجه . ومن المثقفين من يفر من كل ارتباط فرارا ؛ ومنهم من لا يريد ان ينغص حياته ويفسد هضم طعامه الشهي اللذيذ ، ووداعة راحته بالدخول في معارك جدلية او باسداء نصائح علمية يستفيد منها المجموع ؛ وكثرا ما يقتصر على مناقشات لا تججدي ، اكثرها تهديمي او خيالي لا تتعدى جدران بيته ، وهي اشبه بحديث الصالونات منها بالابحاث النافعة التي تتطلب اجهاد النفس واعمال الروية .
وانا لنجد نفس المشكل في بقية اقطار الدنيا المتمدنة قد اكتسى قوالب شتى . يقول امثال مورياك المتدين المسيحى في فرنسا ، وفولكنر الكاتب الامريكي العالمي المحرز على جائزة نوبل في الادب ، وايليا اهرنبور الروسي الشيوعي ،
يقولون انه من واجب المثقف والمفكر والعالم ان يختار وان ينتمي الى فكرة وان يتحزب اذا لزم التحزب ، فيدافع عن آرائه وآراء حزبه وان يخوض المعارك في سبيل نصرتها . ومن يسكت منهم عما حوله فانما ذلك منه رضى بالدون حتى لا تتبلل ثيابه ، وتاييد صامت للضلال والظلم ، والفساد والانحلال ؛ وفي ذلك الموقف المخزى ما يجلب العار للمثقفين والثقافة عامة ؛ فعوض ان يكون الفكر البشري وممثلوه عرفانا ونورا تسير البشرية على هديه ، يصبح العوبة واداة تسلية تلهي الناس عن المشاكل الحيوية التى تهمهم مباشرة وتهم مستقبلهم ومستقبل بلادهم ، وتريح ذوي السلطان والنفوذ والمناصب من اشتغال الناس بهم وبغلطاتهم .
ولكن سؤالا ملحا يتردد في الذهن عند الحديث عن ذلك المشكل : هل من حق المفكر ان يقيد فكره ، فيسطر له طريقا لا يمكن ان يخرج عنها ، فربما يقتصر المثقف المتحزب على تبرير مقررات حزبه ؛ فيعوض البحث النزيه والاراء المستقاة من العلم ، المقامة على الادلة العقلية والواقعية ، بما يمليه عليه حزبه من مواقف ، وينتصب خصما لكل من قاوم حزبه وان كان محقا ؛ ويدافع احيانا عن الباطل وهو يعرف انه باطل . ولذا عسر على الكثير من المثقفين النزهاء ان يتطوعوا في المعارك السياسية لكثرة تقلباتها مع الظروف . ولكن المفكر لا بنظر الى الحوادث اليومية الملاى بالتناقض بل الى المبادىء الاساسية والغايات البعيدة فيمكنه ان يتعالى عن سفاسف الاقوال وان يعمل طبق ما يمليه عليه ضميره الحر وفكره النزيه .
وقد رأينا كبار العلماء في عصرنا الحاضر يتخيرون طريقهم ويختارون في الغالب الدفاع عن امتهم ووطنهم . ويكفي ان نرى غالب علماء الذرة في اميركا يندفعون في اكتشافاتهم ومخترعاتهم عن طيب خاطر في الغالب دفاعا عن اميركا او ما يسمونه بالعالم الحر . وقد رأينا بعضهم ممن اعتنقوا الشيوعية يفرون الى روسيا او يوصلون لها اسرار القنبلة الذرية ويتحملون في سبيل مبدئهم الاخطار والسجون وليس في مواقف بعض العلماء او اكثريتهم حجة ، لان العالم ، وان كان إماما في علمه ، الا انه انسانه وميوله وغلطاته ونسيانه . ونحن مقتنا التقليد الاعمى منذ الزمن الاطول .
وان مشكل خوض المثقفين التونسيين معترك الحياة العامة ايسر وابسط . لان تونس لا تطلب من ابنائها المفكرين والعلماء ان يتخلوا عن حرية تفكيرهم حرية كاملة لا تشوبها شائبة ولا يقيدها قيد . بل تطالبهم بتوجيه تفكيرهم نحوها لاعانتها على حل مشاكلها ؛ وليس في ذلك خصومة للغير ولا نية الاعتداء على الغير ، ولا ظلم الغير . وليست الحلول المطلوبة نظرية فقط ، بل هي عملية في آن واحد .
فالمجال امامهم واسع والافق طلق لا حاجز ولا عارض ولا سد فالثروة الكبرى والثروة الاولى هي ثروة الفكر الذي يبحث ويبتكر ، ويعالج الصعوبات فيذللها ، ويحلل وينسق ، ويجمع ويوحد فيستنتج في كل ميدان ؛ ويقارن بين واقعنا وواقع غيرنا ، ويقتبس من ماضينا وحاضر غيرنا من غير ان يقلد ومن غير ان يمسخ .
وليس الالتحاق بالجماعة العاملين والانتساب الى كتلة الساهرين على المصالح العاملة مما يضير او ينقص اذ في امكان المثقفين والمفكرين والعلماء عند انضوائهم تحت لواء حزب الاغلبية ان يعينوا على تقديم المعوج ، وان يصلحوا ما فسد ، وان يسهلوا قبول الاصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الضرورية ، بل عليهم ان يقيموها على اساس من البحث الدقيق وان يوجهوها توجيها يضمن لها النجاح وللامة الحياة .
وقد رأينا الاطباء التونسيين يتجندون في حركة النهوض الاجتماعي ويضحي الكثير منهم باوقاتهم الثمينة واموالهم احيانا ليسهروا على التربية والصحة الشعبية ، وليساهموا في الحملات ضد الامراض المعدية . ولم نر واحدا منهم يشذ عن زملائه واقرانه . وكذلك الصيادلة والممرضون وجميع من يشتغل بالصحة العامة .
ورأينا ايضا الاساتذة والمعلمين يشاركون في مدرسة الشعب ، ليقاوموا الامية ، وليبثوا العلوم في صدور الرجال .
وتلك امثلة تدل على ان المثقفين التونسيين سيقومون بدورهم في بناء أمتهم .
رسالتان للشابي لم تنشرا
ننشر في ما يلي رسالتين هامتين للشابي تصوران ازمة من ازمات نفسه على اثر ضياع ديوان شعره - وتشتملان ايضا على آراء ادبية وفلسفية له - رحمه الله - وذلك قبل وفاته بأشهر معدودات .
وقد شفعنا هاتين الرسالتين برسالة ثالثة كتبها الاستاذ محمد الحليوي لصديقه وهي التي يرد الشابي عليها في رسالته - ومن هاته الرسائل الثلاث تتضح زيادة على ذلك أمور أخرى :
منها نوع الشواغل الادبية التي كانت تشغل بال الشباب التونسي في ذلك العهد ومنها هذا الاعجاب المتبادل بين الادبيين حين كان يسيطر على ميدان الأدب جماعة من الرجعيين لم يتركوا للشباب متنفسا للتعبير عن آرائهم بصراحة وحرية فلجأوا الى ميدان الرسائل الخاصة يروحون بها على انفسهم ويكونون بها هذا الجو من التجاوب والتعاطف الذي لا بد منه للاديب ومنها تأثير كل من الصديقين في صاحبه بواسطة تبادل الآراء والتشجع تارة أو باللوم والعتاب تارة أخرى .
وقد بلغنا ان الاستاذ الحليوي يعد العدة لكتابة دراسة منهجية عن صديقه الراحل وينشر في ملحق له جميع ما عنده من رسائل الشابي .
رسالة الشابي الاولى
( ننقلها بحروفها محافظين على علامات الترقيم ورسم الكلمات ) توزر : الشابية ١٩٣٣/١٢/٨
أخي تحية وسلاما - وبعد فقد طال انتظاري لرسالة منك تحلو عني النفس ما بها من ملال ، وتخفف عن القلب بعض ما ينوء به من تكاليف الحياة المتعاقبة في غير انقطاع . فما موجب هذا - يا صديقي - وعلام تضن على اخيك بما يسره ولا يكلفك عناءاً او حربا ؟
لعلك قد شغلك عنا ما انت قائم به من تحرير دراسة المذهب الرومانتكي وزعمائه (١) - ادا كان ذلك فاني يثلج صدري مثل هذا العمل الجليل الذي انت قائم به - ولكني احسب ان كتابة كلمة من احاديث نفسك وتوجيهها الي من حين لاخر لا يكلفك جهدا ولا ياخذ من وقتك كثيرا لو عزمت -
وجهت لك اليوم صندوقا من الدقلة على طريق البريد فتقبله هنيئا مريئا ولا تنس ان تعرفني بوصوله حتى أطمئن . اقول " حتى اطمئن " لان القدر هاته السنة - فيما أرى - لا يريد ان يسلك معي الاسياسة المعاكسة والعناد - وكيف يكون يا صديقي حال من يتعمد القدر معاكسته ؟ ذلك اني قد ضاع لي " بالحاج " اتيت به من الحاضرة قيمته تزيد على السبعمائة فرنك - ونسيت كتبا بالحاضرة من بينها ديواني الشعري ... اي نعم ديواني الشعري ! فأرسلت في طلب توجيه ما ذكر من نحو شهر ولكن القدر قد ابى ذلك رغم ما بذلت من جهد والحاح في المطالبة بالتوجيه واخيرا خبرت منذ ايام تسعة انه وجه الي على طريق البريد مضمون الوصول -- ولكن رغم ذلك فقد مضت تسعة ايام ولم اتصل باى خبر عنه ؟ ! فاعجب ياصديقي اولا تعجب لهاته الاعاجيب المتعاقبة - ولو حدثتك عن كل ما يملأ نفسي وما يطيف بى من هاته المعاكسات في توزر هنا وفي مجاز وفي الحاضرة وغيرها لملأت صفحات ولكني اكتفي بأن اقول انه لم يمر علي مثل هذا العام في كثرة الهموم والشواغل التي لا تعقب الا الالم والعذاب ووفرة الغم والكمد .
لست ادري هل احسنت صنعا او اسأته حين كتبت اليك ما كتبت مما يمض نفسي ويرض قلبي ولكني ادري انها نفثة نفثتها وان كانت لا تصف لك من سخرية القدر بي الا جزءا من مائة جزء
واخيرا ؟ لا ادري ما أكتب اليك بعد هذا الخلط المتدافع وانما اختصر واقول سلام عليك من اخيك الذي ينتظر ان ينسى في احاديث نفسك بعض هموم الحياة .
أبو القاسم الشابي
( على الهامش ) لا ادرى هل يصل اليك هذا الكتاب والصندوق ام لا ؟ فقد اصبحت لكثرة ما لقيت من عناد الايام اعتقد ان كل ما يصدر عنى او يرد الي مقضي عليه بالضياع والا فهل ثمة ما اغرب من ضياع الديوان وهو مضمون الوصول ، ثم ضياعه في هاته المدة التي اوزع فيها اشتراكاته ! اسال الله ان لا يضيع والا فقد ضاع من حياتي جانبها الحي الذي احب ،/ .
رد الحليوي على هاته الرسالة
بني خلاد في ١٩٣٣/١٢/13
أخي المفدى
في اليوم الذي وضعت فيه رسالتي التي وصلتك في البريد (١) اتصلت بكتابك ثم من الغد بصندوقك فشكرا لك على هاته الايادي التي اثقلت بها كاهلي وقيدت لساني .
اخي ، ساءني والله ان تكون غرض الخطوب وطلبة الدهر العنيد ، ولكن هون عليك ! وما انا ممن يشاركك في ذلك التشاؤم - ولا شك ان ضاع الادباش مما يعرض لكل الناس وما دام في يدك وصل هاته الادباش فالشركة مرغمة على تعويضها طال الزمان او قصر - وانما يكفى الحزم واتبان الامور من ابوابها القانونية - واما الديوان فاني اتحقق انه وصلك الآن اذا كان حقا مضمون الوصول لان التهاون بالطرود المضمونة لا يكون البتة في إدارة البريد - واني لالومك على حمل ديوائك في سفرك لأن ذلك الديوان كما قلت - هو الجانب الحي المحبوب من حياتك واي جانب هو ! انه لصحيفة عالية من صحف الآداب العالية وجيل كامل من اجيال الادب العربي وني اقتصر على هذا لانك لا تريد الزيادة وتغضب لحديث عن رأيي في ديوانك ، وانى لأرجىء هذا الراي فيه الى اوان صدوره حيث لا يكون لك على سلطان .
هذا ورجائي اليك ان تعلمني بوصوله حال اتصالك به -- كما ان رجائي اليك - ايها الاخ - هو ان تترك الافكار السوداء والاعتقاد الملح بان الدهر يعاكسك فكفاك ما انت فيه من سوء الصحة وشواغل الحياة حتى تضيف الى ذلك مرارة الاحساس بالالم والعذاب والغم والكمد - واني لافضل ان تكون كالملاح الذي يصارع البحر وهو يرى انه لا شيء امام عظمته وجبروته وينتصر على الموت بلوحة يتعلق بها وهو يرى شبح الموت اقرب اليه من حبل الوريد هذا حظنا في هاته الحياة يا أخي : رمانا الله على هاته الارض وسلط علينا عناصر الوجود المهلكة المبيدة -- الظاهرة والخفية على ان القوى غير متوازية ، والخصمين غير متكافئين
ومع ذلك فالانهزام عار على بني الانسان والاستسلام ضعف واستخداء . ولو شاء الله لخلق عالمه كاملا لا موضع فيه للالم والعذاب .
قدمت لك رأيا في أبي شادي ولا ادري ما رايك في رأيي (١) - على انني لم اشرح رايي تماما في ادبه وإنما غضبت لكرامة النبوغ ... ولا ادري لماذا كان اعجابي فاترا بابي شادي وادبه ولا يعجبني منه الا نشاطه وطيبة قلبه وتوفره على كثير من المشروعات . وانه لعجيب حقا ان يجد ذلك الرجل متسعا من الوقت للقيام
بمهمته الطبية ومهنته الصحفية وشركاته التجارية ثم يكظ سوق الادب بدواوين شعره وإني لا اخاف ان اكون على خطإ في فهم الرجل وتقديره وربما كان كثير من الناس مثلي لانه يشكو كثيرا في اثاره من خذلان قومه له وعدم تقديرهم لمواهبه وانها لاحدى اثنتين - فاما انه - كما قلت لا يقنع بما دون التاليه - او انه حقا منتقص مغمور - على ان الذين تعرضوا لهاته الخاصية في ادبه لم يلاحظوا كما لاحظت ان شكوى الخذلان والجحود هي شكوى عادية لشاعر عادي وليست البتة شكوى اديب ممتاز يدخل فيها من العناصر ما يرتفع بها عن مستواها الحقير الذي لا يعدو البكاء او البغض والحفيظة - فانت مثلا في قصيدة " النبيء المجهول " تعلن رجوعك للطبيعة ولا تلوم الا حساسية نفسك فليس في هاته المرارة الارتفاع والعلو الى العوالم التي هي فوق الجماعات وسخافتهم الموروثة وجحودهم لاصحاب الافكار الممتازة وحبهم المشي في الظلمات .
وعلى كل فاني ارجو ان كلمتي تلك لا تسوء الى رايك في الرجل الذي كتبت عنه معجبا - وما يدريك اني ساكون مضطرا ذات يوم الى المجاملة فاكتب لابي شادى في الكتب الخصوصية خلاف ما اعتقد . وما حيلة من يغمرك بالتقريظ والالقاب وهو يرجو على ما اظن - ان تغمره بمثل تلك الالقاب والتقاريظ التي لا تنبعث من النفس بسماحة .
قلت اني اشتغل ببحثي عن الرومانتيسم والحقيقة اني افكر واهضم مطالعاتي ولم ابدأ الا امس في الكتابة عن الشاعر الفيلسوف ده فيني (١) وان كنت ترى إني قائم " بعمل جليل " فانا ارى اني اقوم به عن عير حماس لاني لا اعدم في الغد من يعيرني بانني مترجم كما عبر العقاد بذلك من قبل فانا افضل ان اشتعل بموضوعات يظهر فيها المجهود الخاص بصورة اجلى واقوى بل اني والله افضل ان اكتب في مثل تلك الموضوعات خيرا من الكتابة في الادب الفرنسي لانك لا تتصور مقدار العناء الذي يعانيه الكاتب للخروج بزبدة مطالعاته وتلخيصها والالمام فيها بمذهب الرجل الماما واضحا شاملا مع اضطراب كتب الدراسات واختلافها في تقدير آثار الرجل المتحدث عنه وصعوبة التحصيل على ما يسهل المهمة من المراجع الادبية في هاته القرية . ولكني من جهة اخرى مقتنع باني اسد ثلمة في
تاريخ نهضتنا ( كما يقول الاخ البشروش ) لاننا ونحن اشد الناس اتصالا بالفرنسيين لما نحسن الى اليوم الاستفادة من ادبهم الغني الجميل ، بل كان كل همنا الاقبال على آثار المصريين والتأثر بمناحي تفكيرهم وهو . كما تعلم ، اضعف واقل جدوى بالنسبة للادب والتفكير الفرنسي .
وقبل ان اختم هاته الرسالة اريد ان استشيرك في صعوبة عرضت لي في الكتابة عن دي فيني . ذلك ان الرجل لا يحجم عن نسبة الجور الى الله ويصرح بالوعيد واللعنة في كثير من المواضع وخصوصا في يومياته التي هي اهم مصادر الكتابة عنه وهي مفتاح ادبه وشخصيته . ولا مندوحة من التعرض لكل ذلك والاستشهاد بشئ منه . فكيف العمل ؟ كما انني اتممت قصيدة " ثورة العقل " (١) فكانت في خمسين بيتا ولكني تحرجت من كلمة لم اجد مندوحة عنها حسب سياق المعنى وذلك في قولي عن الشاعر :
ورماه في دي الحياة ضعيفا أعزلا بين كل ذي سلطان
حاملا كالاله قلبا كبيرا فيه ما في الوجود من أكوان
فالحرج في التشبيه - كما اني لم اهتد لوصف القلب الا بكلمة كبير مع انها لم ترق لي فهل لك ان تبدل لي هاته الكلمة باخرى وتريني رأيك في ما استشرتك فيه وسلام عليك من أخيك الشاكر المخلص أبدا .
رد الشابي على هاته الرسالة
توزر الشابية ١٩٣٣/١١/١٩
أخي ، تحية وشوقا وبعد فقد اتصلت برسالتك وانها لسعادة روحية تلك التي استمتع فيها بنجوى روحك وعقلك معا . واني لاستزيدك من هاته السعادة واسألك ان لا تحرم أخاك منها من حين لآخر . فانني في كثير من الاحيان حينما تطغى على نفسي كآبة الملل المبهم فأصدف عن الكتب والناس ويوصد قلبي عن جمال الوجود ، كثيرا ما أرجع الى مجموعة رسالتك أتلوها فأجد فيها من صور نفسك الحية الواعية ما يذهب عني سآمة القلب وينسيني جمود الاسى
اكثرت يا صديقي في رسائلك من اطرائي والاعجاب به بمواهبى التي لا
آراها قد خلقت شيئا مذكورا - واني أسألك ان تعفيني من مثل ذلك فانني لانوء بحمله وان سكوتك عن هذا لا ينقص شيئا من هاته الحقيقة الخالدة : وهي اننا قلبان متجاوبان بالمحبة والعطف والاعجاب والمطامح وان كنت لا أنكر أن رسائلك تلك كثيرا ما شحذت من قريحتي وخففت من تقمتي على نفسي وسخطي عليها سخطا يؤدي بي آحيانا الى ان أعتزم هجرة الادب والشعر الذي لا أراني بلغت فيهما ما تطمح أشواقي اليه .
أما " ده فيني " فاذا اردت ان تكون مخلصا للحق والفن والتاريخ فاكتب عنه كما برأه الله الذي ينقم هو عليه ويجدف به - لا كما تريد هاته الحشرات الآدمية التي بلينا في تونس بأن نحسب حسابها في كل شيء بدل ان ندوسها بأقدامنا ونمضي الى غاياتنا البعيدة في قمم الجبال . نعم اكتب عنه كما هو غير حاسب لغير الحقيقة حسابا واذا كانت نفس ده فيني ثائرة متمردة ساخطة ناقمة من الله ما في وجوده هذا من بؤس وألم وعذاب واضطراب فهل تكتب عنها كأنها روح صوفية متعبدة مستغرقة في تملي جمال العالم والاندماج بروح الله السارية فيه ؟ ام هل تظهره للناس في مظهر من يولي الحياة ظهره غير مقبل الا على لذة نفسه ومتعة قلبه لا يسأل نفسه عن سر الوجود ولا غايته ولا ما قبله ولا ما وراءه ؟ ام في صورة اخرى من صور النفس تريد ان تظهر ، ارضاء لهاته الطائفة الغبية العمياء التي تمشي في هذا العالم الحي المغري على التفكير والاحساس وكأنها تمشي في جب مظلم لا حس فيه ولا حياة ! اكتب الحق خالصا لوجه الحق ، والى اعماق الجحيم بهاته الانصاب البشرية الزائفة ومثل هذا أقول لك عن بيتك الجميل الرائع :
حاملا كالاله قلبا كبيرا فيه ما في الوجود من اكوان
ان الفنان ، يا صديقي ، لا ينبغي ان يصغي لغير ذلك الصوت القوي العميق الداوي في اعماق قلبه . أما اذا اصغى الى الناس وما يقولون وسار في هاته الدنيا بأقدامهم ورآها بأبصارهم وأصغى اليها بآدانهم فقد كفر بالفن وخان رسالة الحياة
ولو شئت أن أسوق لك الابيات التي لي غرار بيتك هنا في التشبيه بالاله والآلهة لأكثرت وخرج بي القلم عن غايته ولكنك سترى ذلك في الديوان ان شاء الله : وانني لاعمق ايمانا بالله من كل احد حينما اعبر بهاته التعابير الكافرة في نظر
أولئك الناس فالالوهية وما تعرف منها هي رمز للمثل العليا التي نصبو اليها بأرواحنا ونشخص اليها بأبصارنا في هاته الحياة . ولذلك فاذا اردنا ان نعبر عن معنى نحس له بجلال المثل الاعلى وسموه فانما سبيلنا في ذلك ان نفرغ عليه رداء الالوهية التي هي اسمى ما تتصوره الانسانية من جمال المثل الاعلى وجلاله وهذا الكلام قد لا يفهمه اولئك الناس اما انه كفر في نظرهم فهنا ما لا يقبل شكا ولا ريبا ولكن الى الجحيم بهم ! كما قلت - ولنعمل لفننا باخلاص ولنمثل دورنا في رواية الحياة غير حافلين بأفواج النظارة فان الممثل اذا وضع باله اليهم لخليق ان يضطرب عليه دور ، ويخسر فنه
وبعدها فانني لا أريد أن اكتمك اعجابى ببيتك ذاك وبما فيه من قوة ادراك وعمق نظر وسمو تفكير . واضيف الى هنا انك ببيتك هنا قد عبرت عن معنى حاولت انا ان اعبر عن بعضه في سبعة ابيات من قصيدة تحدثت فيها عن قلب الشاعر بلسان " مجنون " فلم اوفق الى ما وفقت اليه من الدقة والقوة والسمو والبك الابيات السخيفة التي كثيرا ما حاولت تمزيقها او حرقها ولعلي لا أتردد بعد الآن في تمزيقها :
كل ما هب وما دب وما نام او حام على هذا الوجود
من طيور وزهور وشذى وينابيع واغصان تميد
وبحار وصحار وذرى وبراكين ووديان وبيد
وثلوج وضباب عابر وأعاصير وامطار تجود
وفصول تملأ الدنيا سنى وظلالا وحياة وهمود
واحاسيس ودين ورؤى وتعاليم ولهو ونشيد
كلها تحيا بقلبي حرة غضة السحر كاطفال الخلود
نسيت ان اذكر لك اني اتصلت بالديوان وقد تبين انه ملقى بفرع البريد من نحو ثلاثة عشر يوما وانا أتعذب اثناءها امر العذاب واحره . والغريب اني كامل تلك المدة اسال فرع البريد فلا اجاب بغير النفي المطلق . ولكنني على كل حال قد ربحت من تلك الازمة النفسية التي مرت بي قصيدا هو " نشيد الجبار "
فاني في ليلة من ليالي هاته الازمة النفسية المرهقة . ولعلها ليلة كتبت لك رسالتي الاخيرة . نمت معذب النفس مهموم القلب ثم استيقت نحو الساعة الواحدة بعد منتصف الليل فلجت بي الآلام وضربت بي في كل سبيل حتى لقد كاد راسي ينفجر واحسست اني لا بد مشف على الجنون لو دام بي ذلك الحال الى الصباح . وتطورت نفسي في غمرة الالم فبعد ان كانت معذبة باكية في ظلمة احزانها تكاد نجن من الاسى انقلبت ثائرة هائجة واثقة من نفسها ساخرة بالقدر والداء والاعداء وكل آلام الحياة وتحت تاثير هاته الحالة النفسية نظمت " نشيد الجبار " فذابت آلام نفسي وشعرت بالحرية والانطلاق كانما القيت عن منكبي عبئا ثقيلا يهد القوى . وقد نظمتها في تلك الليلة ولكن نفسي لم تنهض لكتابة ولو كلمة منها وفي نحو الفجر نمت مرتاح النفس مطمئنا وأفقت من الغد فلم اجدني قد نسيت منها كلمة واحدة فكتبتها ولم ازد عليها الا نحو بيت او بيتبن وبعض تنقيحات رايتها لا بد منها . وبهاته المناسبة فانني اقول لك انني مازلت كالماضي اشعر في صميم نفسي بان الاقدار تحاربني وهي سخافة على كل حال . ولكنني اومن في قرارة نفسي وانما الفرق بيني وبين نفسي الاولى انني كنت اتقبل آلام الحياة واتحسس اشواكها بنفس ضارعة وقلب دامع باك ؛ اما الآن فانني القاها ببسمة الساخر ونظرة الحالم المنتشي بجمال الوجود ... وقد احسست ببداية هذا التطور لما اصطفت في عين دراهم ولعل جمال الطبيعة هناك قد كان له الاثر الاكبر في تلوين نفسي بهذا اللون الجديد كما ان مصيف هذا العام وما رايت فيه من صور الطبيعة الرائعة قد اكمل هذا التطور ونماه . اما الآن فانني اشعر بانقلاب عميق قوي في نفسي كل القوة وستدرك هذا التطور في نفسي حينما تطلع على قصائدي الجديدة . وقد عبرت عن هذا الانقلاب الروحي بقصيد " الصباح الجديد " (١) - الذي ارسلته الى ابولو - وقصيد " نشيد الجبار " هو صورة صادقة لنفسي في طورها الحاضر الجديد .
اما ابو شادي فيما كتبت عنه فقد حاولت ان اكون صادقا جهدي لا ادارية ولا اغمطه وقد تحدثت عن اسلوبه باعظم ما يمكنني من الصراحة في مقدمة تكتب لديوانه . وستطلع عليها فترى انني لم اجامل ولم ادار وانما انصفت حسب
يقتضي المقام . ولست ادري من اين لك " انني كتبت عنه معجبا " ؟ - والحقيقة انني كنت لا استطيع ان اتم قصيدا لابي شادي ولكني رضت نفسي على ان اتابعه حتى الفته فتبين لي ان الرجل في صميمه شاعر حساس يمتاز بروحانية صوفية في نظرته الى الوجود ولكن الذى اسقط من قيمة ادبه (١) انه متعجل مكثار لا يصبر على التجويد الذي هو عمل لا بد منه للفنان المتسامي (٢) ان صوره الشعرية لا تبدو واضحة كاملة في شعره بحيث ترغمك على تذوقها واستمتاعها وذكراها بل انها لتبدو ملتاثة غائمة سريعة كل السرعة كانها صور شريط سينمائي يدار بسرعة جنونية . وهذا هو السبب الذي ينأى بالناس عن تذوق شعره وادراك ما فيه من صور شعرية واحساسات عميقة تدل على نفس حية واعية . ولذلك فشعره يبدو فاترا ، في كثير من الاحيان ، لا يسيطر عليك ويرغمك على ان تتبعه مسحورا دهشا . وما اشبه شعره في نظري بتلك المراة الجميلة التي يعجبك جمالها ولكن لا تستفزك انوثتها القاهرة وسحرها الغالب . ولعلك لو روضت نفسك على تلاوة شعره لادركت منه ما ادركت . ذلك مجمل رايي في الرجل وانك لتدرك بالبداهة انه لا يمكنني ان اقول هذا القول وبهاته الطريقة في مقدمة تكتب لديوانه (١)
وقد عجبت لقولك انك سترجيء كلمتك عن شعري الى ما بعد صدور الديوان ! فهل نسيت اننا اتفقنا على ان تترك كتابة مقدمته لك ؟ اما انا فاني لم انس ذلك . وقد سئلت في تونس وغيرها عمن سيكتب المقدمة فاعلمتهم بان كاتبها سيكون الحليوي - واني حينما اتم نسخ الديوان ساوجهه اليك لتكتب مقدمته . اما الآن فاني انتخب القصائد التي سانشرها فيه واجمع تواريخها لارتبها على حسبها وان قسما كبيرا مما نشر لي لا اريد نشره لانني اراه لا اهمية له اما في روحه او في اسلوبه ولاني ارى فيه سذاجة كسذاجة الاطفال ابتسم لها الآن واعجب لنفسى كيف سولت لي نشره في حينه ولكن هي الايام . . . ودم لاخيك المخلص الذي لا ينساك ولك تحيات البشروش .

