الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 259 الرجوع إلى "الثقافة"

عمر بن الخطاب، فى عام الرمادة

Share

(١)         عرف الناس عمر بن الخطاب فى الجاهلية فتى فى خلقه جفاء وشدة ، وعرفوه فى عهد النبوة صحابيا من أمضى الصحابة عزيمة وأغلظهم على معاندى الدعوة الإسلامية من الكفار والمنافقين ، وعرفوه فى خلافته فاتحا عظيما ومنظما قديرا . ولكن الناس لم يعرفوا عمر راعيا رؤوفا برعيته كل الرأفة ، وأبا لأمته شفيقا عليها كل الشفقة ؛ وإن يكونوا فعلوا فهم لم يعرفوه من هذه الناحية الإنسانية حق معرفته ، ولا قدروه حق قدره .

ونحن نجلو على القراء من تاريخ الفاروق صحيفة بيضاء مشرقة ، تصوره لنا حاكما شديد الشعور بالمسئولية عمن ألقيت إليه مقاليد حكمهم ، حتى لقد أنزلهم من نفسه منزلة دونها منزلة النفس والولد والأهل والعشيرة . تلك صحيفة سيرته فى الشدة التى نزلت بجزيرة العرب فى العام المعروف بعام الرمادة .

ويسمى أخباريو العرب بعام الرمادة العام الذى بدأ من منصرف الناس من الحج فى سنة ١٨ ه ، وامتد إلى موسم الحج من سنة ١٩ ه ؛ وسمى بعام الرمادة لأن الأرض كلها صارت سودا ، فشبهت لذلك بالرماد .

ولقد دعم عمر بن الخطاب من أمر الناس فى ذلك العام شىء عظيم ، فنظرة الحاكم الإنسانى الشفيق كانت تمثل له هول القحط وفتك الجوع بالناس ؛ ونظرة السياسى الرشيد كانت تؤدى إليه أن قلب الدولة العربية

الناهضة يوشك أن تلم به سكتة يكون فيها انهيار تلك الدولة وذهابها .

ولكن عمر تجرد للأمر تجردا ، وعلم أن فى إنكار الذات ومضاء العزيمة وسرعة المبادرة ما يكفل تهوين تلك الشدة على أقل تقدير . فأنشأ بأخذ الناس بالاقتصاد فى معيشتهم ، وجعل يخلطهم بنفسه ويعيش كواحد منهم ، فكان يطعمهم أول الأمر الثريد من الخبز مأدوما بالزيت ، وربما نحر لهم فى أيام معينة جزورا يجعل لحمها على الثريد ، ويأكل مع الناس مما يأكلون . ويروى أنهم غرفوا له ذات مرة أطايب الجزور (( فإذا قدد من سنام وكبد ، فقال : بخ ! بخ ! ! بئس الوالى أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها )) ، وأمر مولاه بأن يرفع هذا الطعام ويحمله إلى أهل بيت مقفرين ، وأن يأتيه هو بخبز وزيت .

على أنه لم يلبث أمام اشتداد الحال أن حرم على نفسه وأهل بيته لذائذ العيش من سمن ولحم وفاكهة ، ولذلك قصص يروونهما عنه ؛ منها أنه أتى مرة بخبز مفتوت بسمن ، فدعا رجلا بدويا فأكل معه ، فجعل البدوى يتتبع الودك فى جانب الصفحة ، فقال له عمر : إنك مقفر من الودك ؟ فقال : أجل ! ما أكلت سمنا ولا زيتا ولا رأيت آكلا له مذ كذا وكذا قبل اليوم . فحلف عمر لا يذوق لحما ولا سمنا حتى يحيا الناس . وكان بطنه ربما تقرقر من أكل الزيت المطبوخ على النار ، فكان يقول : تقرقر ! لا والله لا تأكله حتى يأكله الناس . وكانت لابنه عبيد الله بهمة ، فجعلها فى التنور ، فخرج ريحها على عمر وهو فى نفر من أصحابه ، فقال : ما أظن أحدا من أهلى اجترأ على هذا ! وقال لمولاه أسلم : اذهب فانظر من أين هذه الريح ؛ قال : فوجدت البهمة فى التنور ، فقال عبيد الله : استر على سترك الله ! فقلت : قد عرف حين

أرسلنى أنى لا أكذبه . قال : فاستخرجها ، ثم جاء فوضعها بين يديه واعتذر إليه من أن يكون علم بها ، وقال : أنا كنت اشتريتها لابنى فقرم إلى اللحم فذبحت له وشويت .

ونظر يوما إلى بطيخة فى يد بعض ولده ، فقال : بخ ! بخ ! تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى ؟ فخرج الصبى هاربا وبكى ؛ فسأل عمر عن أمر تلك البطيخة فقيل له : اشتريت بكف من نوى ، فسكت عمر .

وتشتد المجاعة فى داخل الجزيرة ويهجم الشتاء وتعصف ريح الموت بأرجائها فتحمل القبائل من بواديها إلى الحواضر عامة ، والمدينة خاصة ، على عادة أهل البدو فى النوائب والأزمات ، فأنزلهم عمر بأرباضها فيما بين رأس البثنية ، إلى بنى حارثة ، إلى بنى عبد الأشهل ، إلى البقيع ، إلى بنى قريظة ، وأنزل منهم طائفة ببنى سلمة ؛ وكان عمر يتعاهدهم بنفسه . قال أبو هريرة يرحم الله ابن حنتمة ، فقد رأيته عام الرمادة وقد حمل على ظهره جرابين ، وفى يده عكة زيت ، وإنه ليعتقب هو وأسلم . فلما رآنى قال : من أين يا أبا هر ؟ قلت قريبا ، قال كن معنا . فحملنا ذلك حتى انتهينا إلى حرم نحو عشرين بيتا من محارب . فقال عمر ما أقدمكم ؟ قالوا الجهد ! وأخرجوا لنا جلد ميتة مشويا كانوا يأكلونه ، ورمة عظام مسحوقة كانوا يستقونها ، فرأيت عمر طرح رداءه ، ثم انثرد ، فما زال يطبخ لهم ويطعمهم حتى شبعوا - ثم أرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فجعلهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ، ثم كساهم وكان يختلف إليهم حتى رفع الله ذلك .

ورأى عمر أن الأقطار المفتوحة إن يكن فيها خير فذلك وقته ، فكتب إلى عماله عليها يستعينهم ويستنجدهم ، وإلى القارىء نص المراسلة التى دارت بينه فى هذا الشأن وبين عمرو بن العاص عامله على مصر : (( من عبد الله

عمر أمير المؤمنين إلى العاصى بن العاص : سلام عليك ، أفترانى هالكا ومن قبلى ، وتعيش أنت ومن قبلك ؟ فياغوثاه ؛ ثم يا غوثاه ! )) فكتب إليه عمرو : (( سلام عليك ، فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد أتاك الغوث ، فلأبعثن إليك بعير أولها عندك وآخرها عندى والسلام)) . ويظهر أن عاملى الشام والعراق ردا بمثل هذا المعنى ، فأما أمداد مصر فوردت فى البحر الأحمر فى عشرين سفينة تحمل الدقيق والودك . وبعث عمرو فى البر بألف بعير تحمل الدقيق والزيت ، وبعث بخمسة آلاف كساء . وبعث معاوية من الشام بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق وثلاثة آلاف عباءة . وبعث سعد من العراق بألف بعير عليها الدقيق . وندب عمر من ثقات رجاله من استقبل المدد الوارد فى البر من مصر والشام والعراق ومال به إلى البادية ، وأمر أن يجعل الظروف ، أى الأوعية ، لحفا يلبسونها ، وأن ينحر لهم الإبل يأكلون من لحومها ويحتملون من ودكها . وبعث إلى الجار ، وكانت إذ ذاك مرفأ المدينة ، من حمل ما بعث به عمرو فى البحر إلى تهامة فأطعمه الناس .

وقد نظم عمر توزيع الطعام على الناس توزيعا ساذجا ولكنه راف بالغرض المطلوب ، فكون لجنة تتولى ذلك مؤلفة من أربعة نفر، هم : ابن أخت النمر ، والمسور بن مخرمة ، وعبدالرحمن بن عبد القارى ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ؛ وكان كل رجل من هؤلاء الأربعة على ناحية من المدينة . واتخذ عمر موائد عامة يحضرها من شاء ، وينحر لها كل يوم من أيام معلومة عشرون جزورا من جزر بعث بها عمرو من مصر . ومن لم يحضر العشاء العام من العيالات والصبيان والمرضى أرسل إليهم طعامهم فى منازلهم . هذا فى الأيام التى يباح فيها أكل اللحم . أما فى الأيام الأخر فكان عمر يأمر بالزيت فيصير فى القدور الكبار على النار حتى يذهب حره ، ثم يثرد الخبز ويؤدم بذلك الزيت . وكان

منادى عمر ينادى : من أحب أن يحضر طعامنا فيأكل فليفعل ، ومن أحب أن يأخذ ما يكفيه وأهله فليأت فيأخذ !

وكان النفر الذى سمينا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر فأخبروه ما كانوا فيه . فسألهم عمر ليلة وقد تعشى الناس : أحصوا من تعشى عندنا ! فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل ؛ وأحصوا من أرسل الطعام إليهم فى منازلهم فوجدوا أربعين ألفا ؛ ثم أحصوهم بعد ليال فوجدوا من تعشى عند عمر عشرة آلاف ، ووجد الآخرون خمسين ألفا .

غير أن ذلك الجهد كله لم يزد على أن خفف من وطأة المجاعة ، فلقد كان متعذرا أن ينقل إلى الجزيرة فى تلك الأيام

من المؤن ما يكفى لسد حاجة أهلها دفعة واحدة ، كما كان مستحيلا ألا تتأثر الصحة العامة بهذا النوع من الطعام الخشن الجشب ، الذى اضطر الناس إليه اضطرارا ، وحملوا عليه حملا ؛ فوقع الفناء فى الناس حتى قيل إنه هلك فى تلك السنة من العرب الذين نزلوا أرياض المدينة نحو ثلثيهم ، وكانوا يزيدون على مائة ألف ، هذا عدا من هلك فى داخل الجزيرة . وكان عمر يأتى بنفسه فيصلى على الموتى ، ولقد رؤى مرة وهو يصلى على عشرة جميعا .

فلما تناهت الشدة إلى تلك الحال لم يعى عمر بالأمر ولا ضاق به ذرعا ، بل نهج فى تفريج الكرب وتهوين الخطب منهجا جديدا هداه إليه فكره السليم وقلبه الكبير .

(يتلى)

اشترك في نشرتنا البريدية