(١) عرف الناس عمر بن الخطاب فى الجاهلية فتى فى خلقه جفاء وشدة ، وعرفوه فى عهد النبوة صحابيا من أمضى الصحابة عزيمة وأغلظهم على معاندى الدعوة الإسلامية من الكفار والمنافقين ، وعرفوه فى خلافته فاتحا عظيما ومنظما قديرا . ولكن الناس لم يعرفوا عمر راعيا رؤوفا برعيته كل الرأفة ، وأبا لأمته شفيقا عليها كل الشفقة ؛ وإن يكونوا فعلوا فهم لم يعرفوه من هذه الناحية الإنسانية حق معرفته ، ولا قدروه حق قدره .
ونحن نجلو على القراء من تاريخ الفاروق صحيفة بيضاء مشرقة ، تصوره لنا حاكما شديد الشعور بالمسئولية عمن ألقيت إليه مقاليد حكمهم ، حتى لقد أنزلهم من نفسه منزلة دونها منزلة النفس والولد والأهل والعشيرة . تلك صحيفة سيرته فى الشدة التى نزلت بجزيرة العرب فى العام المعروف بعام الرمادة .
ويسمى أخباريو العرب بعام الرمادة العام الذى بدأ من منصرف الناس من الحج فى سنة ١٨ ه ، وامتد إلى موسم الحج من سنة ١٩ ه ؛ وسمى بعام الرمادة لأن الأرض كلها صارت سودا ، فشبهت لذلك بالرماد .
ولقد دعم عمر بن الخطاب من أمر الناس فى ذلك العام شىء عظيم ، فنظرة الحاكم الإنسانى الشفيق كانت تمثل له هول القحط وفتك الجوع بالناس ؛ ونظرة السياسى الرشيد كانت تؤدى إليه أن قلب الدولة العربية
الناهضة يوشك أن تلم به سكتة يكون فيها انهيار تلك الدولة وذهابها .
ولكن عمر تجرد للأمر تجردا ، وعلم أن فى إنكار الذات ومضاء العزيمة وسرعة المبادرة ما يكفل تهوين تلك الشدة على أقل تقدير . فأنشأ بأخذ الناس بالاقتصاد فى معيشتهم ، وجعل يخلطهم بنفسه ويعيش كواحد منهم ، فكان يطعمهم أول الأمر الثريد من الخبز مأدوما بالزيت ، وربما نحر لهم فى أيام معينة جزورا يجعل لحمها على الثريد ، ويأكل مع الناس مما يأكلون . ويروى أنهم غرفوا له ذات مرة أطايب الجزور (( فإذا قدد من سنام وكبد ، فقال : بخ ! بخ ! ! بئس الوالى أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها )) ، وأمر مولاه بأن يرفع هذا الطعام ويحمله إلى أهل بيت مقفرين ، وأن يأتيه هو بخبز وزيت .
على أنه لم يلبث أمام اشتداد الحال أن حرم على نفسه وأهل بيته لذائذ العيش من سمن ولحم وفاكهة ، ولذلك قصص يروونهما عنه ؛ منها أنه أتى مرة بخبز مفتوت بسمن ، فدعا رجلا بدويا فأكل معه ، فجعل البدوى يتتبع الودك فى جانب الصفحة ، فقال له عمر : إنك مقفر من الودك ؟ فقال : أجل ! ما أكلت سمنا ولا زيتا ولا رأيت آكلا له مذ كذا وكذا قبل اليوم . فحلف عمر لا يذوق لحما ولا سمنا حتى يحيا الناس . وكان بطنه ربما تقرقر من أكل الزيت المطبوخ على النار ، فكان يقول : تقرقر ! لا والله لا تأكله حتى يأكله الناس . وكانت لابنه عبيد الله بهمة ، فجعلها فى التنور ، فخرج ريحها على عمر وهو فى نفر من أصحابه ، فقال : ما أظن أحدا من أهلى اجترأ على هذا ! وقال لمولاه أسلم : اذهب فانظر من أين هذه الريح ؛ قال : فوجدت البهمة فى التنور ، فقال عبيد الله : استر على سترك الله ! فقلت : قد عرف حين
أرسلنى أنى لا أكذبه . قال : فاستخرجها ، ثم جاء فوضعها بين يديه واعتذر إليه من أن يكون علم بها ، وقال : أنا كنت اشتريتها لابنى فقرم إلى اللحم فذبحت له وشويت .
ونظر يوما إلى بطيخة فى يد بعض ولده ، فقال : بخ ! بخ ! تأكل الفاكهة وأمة محمد هزلى ؟ فخرج الصبى هاربا وبكى ؛ فسأل عمر عن أمر تلك البطيخة فقيل له : اشتريت بكف من نوى ، فسكت عمر .
وتشتد المجاعة فى داخل الجزيرة ويهجم الشتاء وتعصف ريح الموت بأرجائها فتحمل القبائل من بواديها إلى الحواضر عامة ، والمدينة خاصة ، على عادة أهل البدو فى النوائب والأزمات ، فأنزلهم عمر بأرباضها فيما بين رأس البثنية ، إلى بنى حارثة ، إلى بنى عبد الأشهل ، إلى البقيع ، إلى بنى قريظة ، وأنزل منهم طائفة ببنى سلمة ؛ وكان عمر يتعاهدهم بنفسه . قال أبو هريرة يرحم الله ابن حنتمة ، فقد رأيته عام الرمادة وقد حمل على ظهره جرابين ، وفى يده عكة زيت ، وإنه ليعتقب هو وأسلم . فلما رآنى قال : من أين يا أبا هر ؟ قلت قريبا ، قال كن معنا . فحملنا ذلك حتى انتهينا إلى حرم نحو عشرين بيتا من محارب . فقال عمر ما أقدمكم ؟ قالوا الجهد ! وأخرجوا لنا جلد ميتة مشويا كانوا يأكلونه ، ورمة عظام مسحوقة كانوا يستقونها ، فرأيت عمر طرح رداءه ، ثم انثرد ، فما زال يطبخ لهم ويطعمهم حتى شبعوا - ثم أرسل أسلم إلى المدينة فجاء بأبعرة فجعلهم عليها حتى أنزلهم الجبانة ، ثم كساهم وكان يختلف إليهم حتى رفع الله ذلك .
ورأى عمر أن الأقطار المفتوحة إن يكن فيها خير فذلك وقته ، فكتب إلى عماله عليها يستعينهم ويستنجدهم ، وإلى القارىء نص المراسلة التى دارت بينه فى هذا الشأن وبين عمرو بن العاص عامله على مصر : (( من عبد الله
عمر أمير المؤمنين إلى العاصى بن العاص : سلام عليك ، أفترانى هالكا ومن قبلى ، وتعيش أنت ومن قبلك ؟ فياغوثاه ؛ ثم يا غوثاه ! )) فكتب إليه عمرو : (( سلام عليك ، فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله إلا هو ، أما بعد ، فقد أتاك الغوث ، فلأبعثن إليك بعير أولها عندك وآخرها عندى والسلام)) . ويظهر أن عاملى الشام والعراق ردا بمثل هذا المعنى ، فأما أمداد مصر فوردت فى البحر الأحمر فى عشرين سفينة تحمل الدقيق والودك . وبعث عمرو فى البر بألف بعير تحمل الدقيق والزيت ، وبعث بخمسة آلاف كساء . وبعث معاوية من الشام بثلاثة آلاف بعير تحمل الدقيق وثلاثة آلاف عباءة . وبعث سعد من العراق بألف بعير عليها الدقيق . وندب عمر من ثقات رجاله من استقبل المدد الوارد فى البر من مصر والشام والعراق ومال به إلى البادية ، وأمر أن يجعل الظروف ، أى الأوعية ، لحفا يلبسونها ، وأن ينحر لهم الإبل يأكلون من لحومها ويحتملون من ودكها . وبعث إلى الجار ، وكانت إذ ذاك مرفأ المدينة ، من حمل ما بعث به عمرو فى البحر إلى تهامة فأطعمه الناس .
وقد نظم عمر توزيع الطعام على الناس توزيعا ساذجا ولكنه راف بالغرض المطلوب ، فكون لجنة تتولى ذلك مؤلفة من أربعة نفر، هم : ابن أخت النمر ، والمسور بن مخرمة ، وعبدالرحمن بن عبد القارى ، وعبد الله بن عتبة بن مسعود ؛ وكان كل رجل من هؤلاء الأربعة على ناحية من المدينة . واتخذ عمر موائد عامة يحضرها من شاء ، وينحر لها كل يوم من أيام معلومة عشرون جزورا من جزر بعث بها عمرو من مصر . ومن لم يحضر العشاء العام من العيالات والصبيان والمرضى أرسل إليهم طعامهم فى منازلهم . هذا فى الأيام التى يباح فيها أكل اللحم . أما فى الأيام الأخر فكان عمر يأمر بالزيت فيصير فى القدور الكبار على النار حتى يذهب حره ، ثم يثرد الخبز ويؤدم بذلك الزيت . وكان
منادى عمر ينادى : من أحب أن يحضر طعامنا فيأكل فليفعل ، ومن أحب أن يأخذ ما يكفيه وأهله فليأت فيأخذ !
وكان النفر الذى سمينا إذا أمسوا اجتمعوا عند عمر فأخبروه ما كانوا فيه . فسألهم عمر ليلة وقد تعشى الناس : أحصوا من تعشى عندنا ! فأحصوهم من القابلة فوجدوهم سبعة آلاف رجل ؛ وأحصوا من أرسل الطعام إليهم فى منازلهم فوجدوا أربعين ألفا ؛ ثم أحصوهم بعد ليال فوجدوا من تعشى عند عمر عشرة آلاف ، ووجد الآخرون خمسين ألفا .
غير أن ذلك الجهد كله لم يزد على أن خفف من وطأة المجاعة ، فلقد كان متعذرا أن ينقل إلى الجزيرة فى تلك الأيام
من المؤن ما يكفى لسد حاجة أهلها دفعة واحدة ، كما كان مستحيلا ألا تتأثر الصحة العامة بهذا النوع من الطعام الخشن الجشب ، الذى اضطر الناس إليه اضطرارا ، وحملوا عليه حملا ؛ فوقع الفناء فى الناس حتى قيل إنه هلك فى تلك السنة من العرب الذين نزلوا أرياض المدينة نحو ثلثيهم ، وكانوا يزيدون على مائة ألف ، هذا عدا من هلك فى داخل الجزيرة . وكان عمر يأتى بنفسه فيصلى على الموتى ، ولقد رؤى مرة وهو يصلى على عشرة جميعا .
فلما تناهت الشدة إلى تلك الحال لم يعى عمر بالأمر ولا ضاق به ذرعا ، بل نهج فى تفريج الكرب وتهوين الخطب منهجا جديدا هداه إليه فكره السليم وقلبه الكبير .
(يتلى)
