الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 632 الرجوع إلى "الرسالة"

عم يتساءلون؟

Share

مشاكل العالم الجديد - التوازن بين الكتل الثلاث الكبرى التي تسيطر على العالم نظرة شرقية.

حينما ندرس حالة العالم بعد هذه الحرب يتبين لنا بوضوح أن تاريخ الإنسانية لم يعرف عهداً مملوءاً بالانقلابات المتابعة والتغييرات السريعة التي تتميز بخروجها عن كل قاعدة ، ومخالفتها للمألوف والعهود مثل ما تراه أمام أعيننا اليوم

فهل بوسعنا أن نستخلص ، بعض القواعد العامة ، أو الاتجاهات ؟ أو نضبط شيئاً من العلائق التي تربط بين الأسباب وبعضها ، أو بين الأسباب والظواهر ؟ أو نستبق الحوادث فنكتشف شيئاً مما قد تأتى به الأيام المقبلة ؟

يصعب ذلك علينا نظراً لتتابع الحوادث ، ولكن الظروف التي مرت بالعالم بين حريين ، والدروس التي ألقاها علينا تاريخ المائة سنة الماضية ، قد تمهد لنا الطريق ، وتسهل لنا السبل التكوين فكرة تقرب من الصواب ، بل يمكن أن تساعدنا على

تحديد بعض النتائج التي حصلت عليها الإنسانية بعد خروجها من حربين عالميتين

كانت المائة سنة التي سبقت الحرب الماضية مملوءة بالحوادث الكبرى ، فهذه الفترة التي تقع بين ١٨١٥ - ١٩١٤ ، أي بين مؤتمر فينا وإعلان الحرب العظمى الأولى ، فترة فذة في تاريخ البشرية : لأنها بدأت بتأكيد مبدأ القوميات والمناداة بتحرير الشعوب واستقلالها ، ثم خضعت لفكرة حفظ التوازن بين الدول الكبرى الأوروبية ، وكانت هذه المائة سنة فترة الثورات التي نقلت أوروبا من عهد الإقطاع وبقايا القرون الوسطى ، إلى عهد الصناعة الآلية وما يلازمها من تنازع الطبقات وتضخم المدن ونمو الرأسمالية وبروزها كعامل أساسي في حياة الشعوب الأوربية

كانت هذه الفترة كل هذا ، ولكن ما هو أكبر مظهر لهذه المائة سنة ؟

لا يتردد الآن أى مخلوق في أن يعترف أن هذه الفترة من الزمن كانت عصر التوسع الاستعماري الجارف وما معنى هذا ؟ الذي يبدو لنا في سنة ١٩١٤ ويمكن إبرازه ظاهراً ملموساً هو ما يأتي : إن الدول التي توسمت في أملاكها وازدادت علاقاتها بالأمم

المحكومة ، قد أخذت تتحول من دول أوروبية إلى دول ذات صبغة عالمية !

كيف تم هذا التحول ؟ وكيف دخلت الدول الكبرى ميدان الاستعمار فأصبحت غير قادرة على التراجع والانكماش بعد أن ذاقت طعم حلاوته ؟ كل هذا يمكن درسه وبحثه إذا عرفنا شيئاً من أثر المائة سنة الماضية وتطوراتها

فمن المسلم به أن بعض الدول كانت تملك المستعمرات ، وكانت تعرف طريقة الاستغلال - قبل المائة سنة التي أشرنا إليها - ولكن نشاطها كان محدوداً ، وفى دائرة ضيقة ، ولم یکن اتصال هذه الدول بمستعمراتها أو اعتمادها عليها بالقدر الذي وصلت إليه فى الفترة الأخيرة ، بل حصل ما هو أكثر من ذلك ، إن البشرية لم تعرف زمناً ، في كل عصورها السالفة بلا استثناء خضعت فيه شعوب العالم المختلفة بمدنياتها وتقاليدها ، بل وبمائها لحكم الأوربيين مثل العهد الذي جاء بين ابتداء القرن التاسع عشر وابتداء القرن العشرين

ففى هذه اللفتة من الزمن ، اشتد التنافس والتسابق والتزاحم بين دول أوربا الكبيرة والصغيرة ، القديمة منها والناشئة، لدرجة أن وصل إلى المناطق المتجمدة والصحاري القاحلة ، فأصبح الجليد . والصخر والرمال ميداناً لكل هذا

فكل بحث أو دراسة لشئون العالم ، وكل قاعدة نستخلصها يجب أن يسبقها تعرف هذا التوسع وأثره وأهميته ، ولكي تعرف بالضبط العلاقة بين الشعوب المحكومة والحاكمة ، ولكي يحدد مركزنا وموقف الأجيال القادمة من هذه السيطرة وعلاقتها بآمال الشعوب ومقدراتها ومستقبلها

فلتتساءل عن أول أثر لهذا التحول أو التطور العالى الذى أوجد أمما قوية سائدة وأنما ضعيفة خاضعة ؟

كان من أثر هذه السيطرة الأوربية أن فنيت بقايا المدنيات القديمة التي حملها أراضي الشرق الأوسط والأدنى والأقصى بل اندثرت وتلاشت أمام مدنية الأوربيين وتفوقهم المادى والمسكري هذا هو الأثر السلي، أما الإيجابي ، فقد كان من أثر هذه

السيادة أن ازداد سكان المعمورة ، لأن سكان المستعمرات قد تكاثروا وتناسلوا فكثر عددهم وأصبحت هذه الزيادة في المكان مظهراً من مظاهر هذا الاستعمار الأوروبي ، والذي يدعو للدهشة أن هذه الزيادة في السكان لم تعرفها الإنسانية من قبل في أي عصر من عصورها السالفة

ثم كان من نتيجة هذه السيطرة وما تبعها من تنافس وتصادم أن ارتبطت أنحاء العالم بطرق مواصلات سهلة تعذر القيام بالثورات ، كما أثر على علاقات الشعوب المحكومة ، لأن هذه الأم التي جهلت نفسها ، وجدت أمام سهولة الانتقال والتعارف في مركز يسمح لا أن تستعيد العلاقات والروابط التى كانت قائمة بنها - انقطعت

ولما استقرت سيادة الأوربيين وسيطرتهم على أنحاء الدنيا وأمنوا أن تقوم الشعوب فيدهم ، وظهر التفوق العسكرى ، وعرفوا طريقة تجنيد المرتزقة وكتائب الجنود الملونة ، فألق عليها عبء القتال واستتباب الأمن ، انتقل الاستعمار من ميدان الفتح واستعمال العنف إلى ميدان جديد : نعم اتجهت في النصف الثاني من القرن الماضى إرادة الدول المستعمرة إلى الاستعانة بالعلم والاقتصاد على تنظيم استغلال ثروات ومرافق هذا الكوكب الأرضى ، واقترن ذلك باندفاع نحو السير بهذا التطور الجديد محمو أهداف عالمية ، أى أتجهت هذه الحكومات وهيئاتها الاستعمارية إلى تحقيق فكرة سيطرة الإنسان على أفق الحياة وإخضاع الطبيعة لسلطانه وإرادته بكل ما في العلم من قوة ثائرة وما في الاقتصاد من قوة منتجة

أما من الناحية السياسية ، فقد أخرج القرن الماضي لدى الدول التي تقدم لليها الوعى الاستعماري نشاطاً أشد خطراً و أعمق أثر أوه و الدراسات العلمية والنفسية وتطبيقها على إدارة المستعمرات وفي حكم الشعوب المغلوبة على أمرها

لقد أصبحت هذه الدراسات أقوى دعامات سيطرة الأوربيين ودليل تفوقهم ، بل برهان تمكنهم من قيادة الشعوب التي يحكمونها ، أو كأحدى مظاهر الطبيعة الى الانوا قناتها وأخضموها المشيتهم في عالم الجاد والحيوان ( الكلام بقية ) .

اشترك في نشرتنا البريدية