الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 303الرجوع إلى "الثقافة"

عناصر الفشل فى أبنائنا

Share

يكثر الضجيح وتتعدد الآراء بإزاء سوء نتائج الامتحانات في كل عام ؛ وقد اطلعت على هذه الاراء . ووجدت ان هناك ناحية لم يشر إليها حضرات الباحثين في الموضوع ، قد يكون لها تأثير غير قليل في مشكلتنا العظمي وقد رأيت ان اعرض لهذه الناحية ، وأري بعد ذلك ما يقوله الإخصائيون من تأثير أو معارضة .

فهناك سبب هام ، أو قل سبب أساسي يؤدي إلي سوء نتائج الامتحانات المدرسية والامتحانات العامة ، مع ان المعروف أن المدارس تتشدد في الامتحانات التي تسبق الامتحانات العامة ، حتى تحافظ المدرسة بقدر الإمكان على نتيجتها العامة التي تعلي أو تخفض من شأنها أمام وزارة المعارف وأمام الناس أجمعين ؛ هذا السبب هو سوء حالة التلاميذ أنفسهم . ولا أقصد بذلك حالة الصحة الجسمية ، فهذا أمر قد أعطته وزارة المعارف عناية كبيرة ، وهي سائرة في إصلاحه في طريق النجاح . وإنما الأهم من ذلك ، والعامل الذي يؤثر في الحالة الصحية نفسها والحياة المدرسية والحياة بوجه عام ، هو حالة التلاميذ النفسية . إن معظم المصريين مصابون بالأمراض النفسية ، ونحن لانكاد نري عائلة من المصريين تعيش في وفاق ووئام وتفاهم ، ويسعد فيها كل فرد من افراد المنزل ، إلا في حالات قليلة . وانا لا اخرج عن موضوعي إذا كنت أشير إلى حالة العائلات المصرية ، فأطفالنا تنشأ في وسطها ، ويكونون الضحايا البريئة للتربية المنزلية السيئة ، التي لا يفهم منها أرقي وأفضل الأشخاص خلقا وتعليما قليلا أو كثيرا .

انظروا إلى حالة التلاميذ النفسية أيام المذاكرة ، فهناك أيام خاصة بالمذاكرة عند معظمهم هي التي تسبق وتتخلل أيام الامتحان . إن الذي يشاهده الناس ويتحدث به الآباء وتنفطر له قلوب الأمهات ، هو ما يعتري التلاميذ اولا من خوف وقلق شديدين ؛ هذا الخوف لا يوجد كله بسبب الامتحان ، فجميع الناس يمتحنون إن لم يكن في المدرسة

ففي الحياة ، والأمتحانات المدرسية ليست إلا جزءا لا يذكر من الامتحانات التى تمر في المستقبل على الشخص في كل يوم ، وانا افهم ان الامتحان يجب ان يثير اهتمام التلاميذ بدلا من ان يخيفهم ، اما تلاميذنا فهم يخشون الامتحان فقط ، ولا يدفعهم هذا الشعور إلى الاستعداد له استعدادا كافيا مناسبا . وإنما حالة الخوف هذه حالة داخلية تمتليء بها نفس الشخص ، وتأتي من طريقة معاملته في الصغر ؟ هذا الخوف الداخلي يتخذ الامتحان - وهو مشكلة  أو صعوبة تحتاج إلى شئ من المجهود وشئ من تحمل المسئولية - مناسبة للظهور فيها . ويعتقد التلميذ أن السبب الأساسي للخوف هو مشكلة النجاح في الامتحان ، مع ان الخوف كما نراه عند معظم التلاميذ ليس إلا حالة من الحالات النفسية المختفية ، والتي تظهرها الظروف المختلفة

وقد يكون الخوف شديدا ويصاحبه التردد فيمنع بعض التلاميذ من دخول الامتحان ، او قد يمتنعون ثم يدخلون بالضغط عليهم أو بالمحايلة ، او علي الاقل يتمنون ألا يدخلوا هذا الامتحان الثقيل علي نفوسهم .

وقد عرفت حالة احد هؤلاء التلاميذ ، كانت تنتابه هذه  النوبات ، نوبات عدم الرغبة في دخول الامتحان ، حتى اعتقد المشرفون عليه ان عنده مرضا عقليا ، ووضع فعلا تحت المراقبة في قسم الأمراض العقلية بإحدي المستشفيات ، وبعد مدة ارتاحت فيها نفسه دخل الامتحان ونجح فيه

وطالب آخر نجح في مراحل التعليم حتى أتي الامتحان النهائي ، وهو المشكلة الكبرى ، فتغلب عليه الخوف وابي ان يتقدم إلي الامتحان ، وكان يضرب برأسه الحائط خوفا من الرسوب .

وكانت عندي تلميذة في السنة التوجيهية درست لها قبل ذلك ، وهي ذكية نشيطة منتبهة ، ولكنها أخذت تتغيب كثيرا ، وتعتذر عن غيابها بالمرض ، واخيرا أخبرتني انها  لا تري أملا في نجاحها في الامتحان ، وانها ترددت كثيرا في التفكير في دخوله . ثم ارسلها اهلها إلي مكان للنزهة وشعرت بتحسن ، ولذلك عادت إلى المدرسة واقتنعت

بدخول الامتحان . ولكنها تعتقد انها لن تنجح ؛ بهذه الحالة دخلت الامتحان ورسبت ، وقلل رسوبها نسبة النجاح في المدرسة

وقد يكون من الضروري بعد ذلك ان اذكر على الاقل حالتين متممتين للحالات السابقة ، او موضحتين شارحتين لها . الحالة الأولى : حالة شاب تحدثه فتجده ممتلئا بالذكاء ، كان في ) إحدى كليات الجامعة ووصل إلى السنة الثانية ، ثم انتابه الخوف وأبي ان يدخل الامتحان ، وعالجه أهله عند احد المحللين النفسانيين فشفى ، ونجح بتفوق وكان ترتيبه الثاني في السنة النهائية .

أما الحالة الثانية فحالة شاب زميل للسابق في العلاج ، هذا الشاب كان أحد اثنين يقومان بالمذا كرة سويا . ويظهر ان طريقة استذكارهما للمواد كانت وسيلة لإظهار حالة مرضهما المتشابهة وتفاقمها ؛ فساءت حالة الاول وعولج عند أطباء الأعصاب وغير الأعصاب ، وانتهى به الأمر إلى مستشفى الأمراض العقلية ؛ أما زميله الذي نحن بصدده فقد قرأ شكرا للطبيب النفساني المذكور في إحدي الجرائد ، فعولج عنده علاجا نفسانيا ، غير الإيحاء ، وغير الأوهام الباطلة ، وتحسنت حالته ، وقد رايته ولما يقطع إلا مرحلة بسيطة في العلاج ، وكان يقول إنني الآن ابتسم ، إنني اضحك ، إنني اقدر على الوقوف معتدلا ، إنني اشعر بالراحة ، إنني اشعر بالثقة . وقد ذكر للطبيب حالة زميله ، ولكن الوقت كان قد فات ، وكان الطبيب يقول إنني آسف على شاب فقدته مصر

هذه بعض الحالات التي وصلت إلي مرحلة بعيدة في الأمراض النفسية . وهناك ما هو أشد منها ، وهي حالات وإن كانت قليلة نسبيا ، فهي حالات يجب ان تلفت نظر الامة بأجمعها إلى وجود الحالات غير الواضحة عند معظم التلاميذ ، وهي أشد خطرا لأنها لا تعالج ، ولأنها تحط من مستوي التلاميذ المدرسي وغير المدرسي ، حتى لو كانوا ناجحين ؟ فهي تضيع معظم ما يبذلونه من مجهود في مدرستهم وفي حياتهم .

والصفة الثانية التي تلازم تلاميذنا غير الخوف هي عدم الثقة النفس . ونحن نري ونسمع كثيرا من التلاميذ ، أو قل

معظمهم ، يتنبأون برسوبهم في الامتحان ، وقلما نسمع من يقول إنني سأنجح بإذن الله ، لقد اديت واجبي وليكن الله معى ! عدم الثقة بالنفس صفة شائعة إلي حد كبير بين المصريين ، بالرغم مما أوتوا من ذكاء ، ومهما أوتوا من صحة ومقدرة . وقد تظهر بصورة عكسية كحالة غرور فنسمع بعض التلاميذ يتحدثون عن الوقت الذي امضوه في المذاكرة والكتب التي اطلعوا عليها ، وهذه حالة تغطية لعدم الثقة بالنفس ، والشعور بالنقص ، ولذلك نسمع هذه الأحاديث عادة من الذين امضوا معظم السنة في اللعب ، وقرأوا بضع كلمات في آخر العام على أمل ان يمروا ولو في نصف المواد ، ولا يبقى إلا النصف الآخر - فقط - للدور الثاني .

وحالة ثالثة تلازم تلاميذنا ، هي ضعف روح العمل عند الكثيرين منهم ، ويرجع ذلك أيضا إلي معاملة الآباء والأمهات في المنزل بإزاء استذكار الدروس . فطريقة الضغط الشديد التي يتبعونها مع الطفل الصغير تجعله حتما يكره الدروس والمدرسة ، ثم يكره العمل إطلاقا . فاستذكار الدروس مقترن عند الطفل في مرحلة رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية وفي المرحلة الثانوية ، بعضها أو كلها ، بالتأنيب والتوبيخ والغضب والأمر والنهي ، وفي كثير من الحالات بالضرب الشديد والإرهاق في العمل . والآباء وجلون خائفون ، يدفعون أولادهم إلي المذاكرة بهذه الوسائل خوفا عليهم من الرسوب ، وهم لا يدركون  أن لمذاكرة القليلة المناسبة في السن الصغيرة مع اللعب والتريض اشد فائدة وأرحم للطفل ، من الوجهة النفسية والعقلية والجسمية ، من الطرق القديمة العتيقة التي تميت في الطفل روح العمل . فالعمل عنده مقترن بمضايقات ومخزيات ومتاعب ، فيشب الطفل وهم ينتهز كل فرصة ليترك المذاكرة كلية عندما لا يوجد من يأمره وينهاه ؛ وهو حين يكبر يشعر أن لديه القدرة على عدم طاعة المشرفين عليه ، فهو يدعي المذاكرة مرة ، ويجاهر بأنه لا يشتغل إلا في آخر العام مرة أخري ، وهكذا .

وعامل آخر يؤثر في نجاح التلاميذ ، هو ضعف الناحية الخلقية عندنا . فالمصريون في منازلهم مازالوا يتخذون

أخبار الجيران وغير الجيران الخاصة حديثا هاما يروونها ويعلقون عليها ، ويأخذونها بالنقد والتقريع ، وما زالوا يتخذون الرياء والنفاق أساسا لمعاملاتهم وعلاقاتهم بمن يتصلون بهم . وليس هناك عموما ما نسميه الأدب العالي الذي لا يتدخل فيه الناس في شئون غيرهم ، والذي يوجهون فيه جهودهم لخدمة انفسهم وغيرهم ، ويشعرون اثناءه بحب الخير وحب الغير والتضحية من أجل الأسرة والدين والوطن . وليس هناك الجو الذي يخلو من مشاحنات ومشاكسات على اتفه الامور . وليست هناك الروح الرياضية التي تأتي من رياضة الابدان ورياضة النفوس ؛ واخيرا ليست هناك الروح الدينية ، روح الإيمان بالله ، وهذه توجد الإيمان بالعمل ، والإيمان بالحق ، والإيمان بالواجب والإيمان بالخير وغيرها . والمعروف أنه ليس هناك عظيم

عالمى لا يؤمن بدين ما إيمانا قوي ، فالإيمان شعور يبعث الطمأنينة في النفوس والرضا في القلوب ، والقناعة في الصدور . ولو دخل التلاميذ امتحانهم معتمدين على ربهم ، مؤملين الخير في وجهه الكريم ، لأدوا امتحانهم بهدوء وسلام ونفس مرتاحة ، ولشعروا بوجود ناحية قوية تحميهم وتعينهم ، يرتكنون عليها ويستعينون بها فتهديهم وتوفقهم

يدخل أبناؤنا الامتحانات ويواجهون بعد ذلك الحياة مزودين بهذه الصفات التى نعدهم بها بتربيتنا الخاطئة ، ونحن بعد ذلك نضج ونقيم الدنيا ونقعدها اسفا على سوء نتائج الامتحانات ، وفشل الكثيرين منهم في الحياة . تلاميذنا ضحية لجهلنا ، هم معذورن ، ونحن علينا ان نعالجهم وقد نبحث في موضوع العلاج في عدد قادم ، قبل ان يحق لنا أن نحاسبهم

اشترك في نشرتنا البريدية