) وليم كوبر شاعر انجليزى فقد أمه وهو طفل لم يتجاوز السادسة من عمره ، وعندما شارف السنين أهدت إليه ابنة عمه ، كان بودهام ، صورة الأم الراحلة ، وتأملها ، فأسمته تلك الأغنية الحزينة ، التى تعتبر من روائع الشعر الإنجليزى ( .
آ . لهاتين الشفتين لو نطقنا ! شد ما مضت فى الحياة قاسية منذ سمعتهما المرة الأخيرة . ها أنذا أرى ابتسامتهما الحلوة ، هى بنفسها التى طلبنا هدأت من روعى صغيرا ، لاينقصهما إلا النطق ، فكانى بهما نهمسان فى وضوح لا تحزن يا صغيرى ، وهيا انف عنك كل مخاوفك بعيدا ! وها هى ايضا نطالعى مشرقة ، تلك التعبيرات الوادعة لهاتين العينين العزيزئين ، ألا بارك الله فى هذا الفن الذى استطاع أن يتغلب على عنت الزمان ، فخلد هذه التعبيرات ساخرا منه .
أيها التذكار الأمين لشخص جد عزيز ، ألا مرحبا بك من ضيف اقبل على غير انتظار . الايا من تهيب بى ان أحى ذكرى أم طل افتقادها ، بأنشودة صادقة ، سأستجيب انذائك عن طيب خاطر ، بل وبكل سرور ، كما لو كان ذلك أمرها هى ذاتها . وفى نفس الوقت الذى ستجدد فيه رؤية ذلك الوجه احرانى البنوية ، سينسج خيالى لعزائى مسرات ، فأستغرق فى حلم عابر من أحلام الفردوس ، يبعث الحياة فى هذا الوجه .
ألا خير بنى بأماه ، هل شعرت بما ذرفت عليك من دمع هاطل عندما علمت بموتك ؟ ترى ، هل حلقت روحك حول ابنك الحزين ، الذى عرف معنى البؤس ولما يترعرع بعد ؟ منك قبلتنى قبلة ، وإن لم يشهدها احد ، أو عساك ذرفت على دمعة ، لو جاز للأرواح فى النعيم ان تبكى ! لكأنى بابتسامتك هذه بإباء مجييى بأن نعم . ويوم مواراتك فى
التراب ، عندما سمعت الأجراس تدق ناميه إيك ، وشاهدت من نافدة غرفتى عرية الموتى وهى تسير بك الهوينا بعيدا عنى لقد زفرت زفرة ما كان أطولها ، ثم بكيت مودعا إياك الوداع الأخير ! ولكن احقا كان الأمر كذلك ؟ أى نعم . أما حيث ذهبت ، فإن أصوات الوداع لا تسمع ، ولو قدر لى أن أقابلك على ذلك الشاطئ
شاطى ، السلام ، فان تلفظ شفتاى بكلمة الوداع مرة أخرى ! شد ما حزنت لأجلى عذراك ، وكم مدينى بسرعة عودتك . طالما تملت بنك الأمنية ، ولكنني كنت دئما غدوعا ، فإنها لم تكن تتحقق ، وبذلك صرت أضحوكة " غدا " حتى فى ذلك العهد ، عهد الطفولة . وكم من غد حل ثم ولى ، إلى أن انتهتت كل ذخيرتى من أحزان الطفولة عندما تعلمت فى النهايه الخضوع للاقدار ، وبذلك هدأت نيران حزنى ، ولكنك مع ذلك لم تبرحى مخيلتى قط .
إن اسمنا لم يعد بذكر بعد حيث كنا نقطن يوما ، وإن اطفالا غرباء يمرحون على أرض غرفتنى ، وعلى الطريق العام حيث كان البستانى " رويين " بدفع عربتى الصغيرة كل يوم إلى مدرستى ، وأنا مغتبط بها ، ملتف باتوابى ، المعطف القرمزى الدافى ، والقلنسوة الخملة ، شد ما تقادم العهد على ما كنا ندعوه يوما " منزلنا الريفى " ! لقد امتلكناه لمدة قصيرة ، ولكن سجل الذاكرة الامين ، لا يزال محتفظا بكل ذكريات عطفك على هناك ) صامدا فى وجه كثير من الزوابع التى وثقت بآلاف من الذكريات الأخرى العابرة ( : من زياراتك الليلية لحجرتى كى تطمثنى على ، وتستيقني أن الغطاء لم ينحسر منى ، إلى منحك لى قيل مبار حتى المنزل صباحا : الكعك ، ومربى البرقوق ،
وكذلك روائحك العطرية التى كنت تنضحينها بيديك على وجنتى بإغداق ، حتى تتألفا وتلتهبا نضارة ؟ واجمل من ذلك كله فيض محبتك الدائم المتدفق ، الذى لم يكن هدفا لتقلبات الأهواء . إنى لأستطيع الآن قراءة ذلك كله
على صفحات ذا كرتى ، وسيبقي ما حببت ، وإن ذلك لما يشعرنى بالسرور لقيامى بواجبى لتكريمك ، ما استطاعت شاعر بنى ، بتذكار قد يكون متواضعا ، ولكنه صادر من القلب ، وإن لذلك قيمته فى السموات ، ولو لم يلق إليه بال على الأرض .
لو أمكن الزمان أن يستدبر ، فيسترجع تلك الساعات حينما كنت الهو بنقش أزهار البنفسج والقرنفل والياسمين المنسوجة بأثوابك ، وذلك بطبعها على ورقة ، ) بينما تكونين انت أسعد منى بذلك ، فتناجيننى باسمة بهدوء ، مداعبة رأسى يرفق ( اقول لو أمكن لهذه الساعات القليلة الهنيئة أن تمادى الطول بإرادة الإنسان ، فهل ترانى أفعل ذلك الآن ؟ شد ما أخشى أن أفزع إلى قلبى فى الإجابة عن ذلك ، فإنه ليبدو أشد ما يكون اشيافا إلى تحقيق تلك الأمنية الحبيبة إليه . ولكن لا ، فإن محبتى لك أعظم من ذلك كله ، لأن حياتنا الأرضية ليست مستحبة بالدرجة التى أقابل محبتك لى بارغاى روحك الطليقة على العودة إلى قيود الجسد ثانية
لكأنى بك يا أمام سفينة رائعة ، رحلت عن شواطئ البيون ) إنجلترا ( مندفعة إلى مرفأ جزيرة آمنة ، بعد أن اجتازت المحيط متغلبة على أهواله ، وهناك ، حيث تهفو رائحة النوابل وتبسم أجواء أكثر إشرافا ، جثمت هادئة على الياء الساكنة ، التى تعكس صورتها الجميلة ، بينما تتلاعب حولها السمات الحملة برائحة البخور ، فتخفق أعلامها صحة ؟ وهكذا وصلت بأشرعة تتسارع إلى الشاطئ ، " حيث لا زوابع تهب ، ولا أمواج تزار " . ولقد رسا بجوارك منذ ذلك الحين البعيد رفيقك الحبوب ، مجتازا بحر المياه الخضم ؛ أما أنا فحرام على دخول المرفأ ، بل إن أملى ضعيف فى إدراك تلك الراحة ، لذلك أرانى دائم الحزن ، تميل بسفينتى الرياح العادية ، وتلطمها الأمواج ، وهى ممزقة الشراع ، واسعة الفجوات ، ضلت وجهتها ،
فهامت تتقاذفها التيارات يوما بعد يوم ، وعيل بها عن الشاطئ المنشود ؛ ولكن ليحدث لى ما يحدث ، فحسبى سرورا علمى بأنك وأبي آمنان . ليس فخرى بعلمى أننى من سلالة من اعتلوا العروش ، ومن حكموا البسيطة ، ولكنه يتجاوز ذلك كثيرا ، ذلك أبي اين من اجتاز الحياة إلى النعيم . والآن وداعا ، فها هو الزمان قد سار فى طريقه المعتاد ، دون ان يرجع القهقرى ، ومع ذلك فقد ثم لى فى نفس الوقت ما قد تمنيته من استرجاع الماضى . وهكذا يمنعونة خيالي ، الذي لم انلمسه شيئا ، يبدو لى أنى قد عشت عهد طفوانى ثانية ، مجددا تلك السرات التى كانت يوما ما ملكا لى ، دون أن أرتكب الإثم بحرمانك من مسراتك العلوية . وطالنا بقيت أجنحة خيالى طليقة ، وما دمت مستطيعا ان اشاهد صورتك هذه ، فإن الزمان لم يفلح فى سرقته سوى نصف الفلاح : فقد بقيت مقدرتك على تهدئتى ، رغم انتزاعه إياك منى

